الحوار المتمدن - موبايل


ملامح تاريخ إثيوبيا وصراع الدين والقومية

عبدالجواد سيد
كاتب ومترجم مصرى

(Abdelgawad Sayed)

2021 / 4 / 4
مواضيع وابحاث سياسية


الجزء الأول
يرتبط تاريخ إثيوبيا القديم بتاريخ مملكة أكسوم الأسطورية، والتى عاشت وإزدهرت لنحو عشرة قرون بدءً من القرن الأول قبل الميلاد حتى حوالى القرن التاسع الميلادى حين أسقطتها هجرات المسلمين، ومشاكل وراثة العرش ، نشأت أكسوم فى إقليم تيجراى بالقرب من سواحل البحر الأحمر، ولعبت دوراً هاماً فى تجارة العالم آنذاك ، حتى إعتبرت من القوى العظمى لزمانها ، فكان يقال هناك أربعة حضارات كبرى لذلك الزمن ، الفرس ، والروم ، والصين ، وأكسوم ، ولقد إصطبغت حضارة أكسوم بالصبغة السامية نتيجة لهجرات العرب واليهود من اليمن إلى شرق إفريقيا خلال القرون الأخيرة قبل الميلاد ، منذ سقوط الممالك الإسرائيلية فى الشمال ، حتى سقوط سد مأرب فى الجنوب ، ومازال علماء الأجناس يعتبرون الإثيوبيين من الشعوب السامية حتى اليوم ، نظراً لغلبة دماء المهاجرين الساميين عليهم . وقد أطلق اليونان القدماء على سكان أكسوم وشرق إفريقية تسمية الإثيوبيين ، أى محروقى الوجوه ، فأصبحت بلدهم تسمى إثيوبيا ، بينما أطلق عليهم العرب واليهود تسمية أحباش بمعنى الشعوب مختلطة الدماء ، نظراُ لإختلاط دمائهم بهم ، ولقد دخلت مملكة أكسوم الإثيوبية فى صراع مع مملكة نباتا السودانية الأقدم منها عمراً، والتى كانت قد غزت مصر وكونت الأسرة الخامسة والعشرين حوالى سنة 730ق.م وذلك فى المرحلة الأخيرة من تاريخها عندما نقلت عاصمتها إلى مروى، وأسقطتها بقيادة ملكها الشهير عيزانا حوالى سنة 350 للميلاد، وإنفردت بالنفوذ فى شرق إفريقية وحوض النيل.
وفى القرن الرابع الميلادى خضعت إثيوبيا ، أو بلاد الحبشة حتى ذلك الوقت ، للمؤثرات الرومانية المسيحية القادمة من مصر فإعتنقت المسيحية القبطية ، وإنحازت للرومان فى سياستهم فى الجزيرة العربية والبحر الأحمر ، و ألغى إمبراطورها عيزانا تسمية الحبشة وإعتمد بدل منها التسمية اليونانية القديمة ، إثيوبيا ، فى محاولة واضحة منه للبعد عن تراث الساميين. وظلت مملكة أكسوم قوة عظمى فى إفريقية وحلقة وصل هامة فى التجارة العالمية بين الشمال والجنوب ، حتى قيام دولة العرب المسلمين فى المدينة خلال القرن السابع الميلادى ، ومانتج عنها من هجرات للقبائل العربية فى كل إتجاه ، وخاصة فى أخريات عهد الدولة الأموية ، مما عجل بسقوط أكسوم ، ونهاية الإمبراطورية الإثيوبية فى العصرالقديم. وبالإضافة إلى ضغط الهجرات العربية الإسلامية على سواحل شرق إفريقية ، والتى تسربت عناصر كثيرة منها إلى داخل الهضبة الحبشية نفسها ، فقد ختم الصراع على وراثة العرش مصير أكسوم النهائى ، وإجتاحت أكسوم قبائل وثنية سنة 1137م ، إنضمت إليها قبائل اليهود الفلاشا ، أى الغرباء أو المنفيين ، وقامت بتخريبها وهدم كنائسها ، وإغتالت البطرك القبطى، رغم أنها قد إعتنقت المسيحية بعد ذلك ، وأسست لحكم دام لنحو قرن ونصف ، عرف بإسم حكم الأسرة الزجوية ، فى نفس الوقت الذى كان الإسلام ينتشر فيه بقوة على الساحل وفى الداخل خاصة بين عرقيات الأورومو والبجة ، مما خلق حالة من التنافر الشديد بين عرقيات الهضبة الحبشية وماحولها، ولكن وبعد حوالى قرن ونصف إستطاعت أسرة جديدة ، الإستيلاء على الحكم فى أكسوم ، حوالى سنة 1270م ، بقيادة الملك أيكونوا أملاك ، حاكم أمهرة وحلفائه التيجراى ، ونقلت العاصمة إلى إقليم شوا ، وأسست لحكم طويل ولعصر الإمبراطورية الإثيوبية المسيحية فى العصور الوسطى.
ونظراً لإن أساطير أكسوم القديمة قد نسبت مؤسسها منليك الأول ، إلى الملك سليمان وزوجته بلقيس ملكة سبأ ، فقد إعتمدت الأسرة الجديدة على هذا التراث الدينى الأسطورى وأطلقت على نفسها إسم الأسرة السليمانية ، وقام ملوكها بجمع الأساطير الخاصة بتاريخ إثيوبيا القديم فى كتاب عرف بإسم ، جلال الملوك ، واستردوا المسيحية القبطية كعقيدة رسمية للإمبراطورية، وأرسل إيكونوا أملاك إلى الظاهر بيبرس فى مصر فى طلب بطرك قبطى للإشراف على شئون كنيسته ، فأستجاب لطلبه ، وبعد أن أستتب لخلفائه الأمر ، وشعروا بالقوة بدأوا فى قتال الإمارات الإسلامية المحيطة بهم ، والتى عرفت بإمارات الطراز الإسلامى ، أو بإمارات الطراز الإسلامى السبع ، والتى إمتدت على سواحل القرن الإفريقى مقابل سواحل اليمن مثل إمارات ، زيلع وإيفات وهرر وعدل ومقدشيو وغيرها ، والتى شكلت ضغطاً كبيراً على المملكة المسيحية أدخلها فى حروب طويلة معها ، تمكن خلالها حاكم الصومال المسلم أحمد إبن إبراهيم بالتدخل ، وإجتياح شوا وإحتلاها ، بمساعدة العثمانيين الذين كانوا قد إحتلوا مصر فى هذه الفترة خلال القرن السادس عشر، لكن السليمانيين إستطاعوا طرده وقتله ، بمساعدة البرتغاليين الذين كانوا قد وصلوا إلى مياه البحر الأحمر فى ذلك الوقت أيضاً.
وهكذا شاركت إثيوبيا فى الحروب الصليبية فى أخريات العصور الوسطى ، بالإضافة إلى الحروب المستمرة بين قومياتها المختلفة بسبب الصراع على السلطة من جهة ، وبسبب الإختيارات الدينية المختلفة من جهة أخرى، والذى دفع بالملوك السليمانيين إلى إتباع سياسات التنصير بالقوة وإلى إستحداث منصب أكابى ساعات ، الذى يشبه منصب رئيس محاكم التفتيش فى العصو الوسطى ، للحفاظ على العقيدة الإرثوذكسية الرسمية للإمبراطورية المسيحة.، كما كان هناك تطور آخر داخل البيت المسيحى نفسه ، ترتب على تدخل أوربا ، فنتيجة للمساعدة التى قدمها البرتغال للسليمانيين فى حربهم ضد المسلمين ، فقد سعوا إلى تحويلهم إلى الكاثوليكية ، وعندما وصل الملك سوسينوس إلى الحكم سنة 1607 ، رأى الأخذ بهذا الرأى لما يترتب عليه من فوائد الإرتباط بأوربا، وضمان مساعدتها ضد العثمانيين ، فأعلن تحول بلاده رسميا إلى الكاثوليكية سنة1626م ، غير أن رجال الدين رفضوا القرار، ودعوا الناس إلى الثورة مما إضطر الملك للعدول عن قراره وتنحيه عن العرش ليخلفه إبه باسيليديس سنة 1632 ، والذى بدأ عصراً جديداً، عرف بإسم العصر الكوندرى نسبة إلى العاصمة الجديدة ، كوندر ، الذى إنتقل إليها ، وقام باسيليديس بطرد المبشرين الكاثوليك، وأرسل إلى والى مصر العثمانى يطلب بطرك أرثوذكسى ، رمز كنيستهم الوطنية ، ووحدتهم القومية ، كما فعل أملاك إيكونوا قبله بقرون عدة.
لكن سلطة ملوك كوندر سرعان ماأخذت فى الضعف بسبب قبائل الأورومو الوثنية فى الجنوب ، والتى إنتشر فيها الإسلام إنتشاراً كبيراً ، مما إضطر الملك أياسو الثانى من الزواج بإبنة أحد زعمائها توددا إليهم ، لكن الأمر إزداد سوءً فى عهد خليفته إيواس 1755- 1769م ، بسبب إزدياد نفوذ حكام إقليم تيغراى ، من جهة أخرى ، وإستمر ذلك التفكك ذلك حتى حوالى منتصف القرن التاسع عشر حين إستطاع زعيم قبلى يدعى كاسا القضاء على الفوضى التى أصبحت تعرف فى التاريخ الإثيوبى بعصر الأمراء ، بالقضاء على نفوذ الملوك المتنافسين، وعلى نفوذ الأورومو وتنصيب نفسه ملكاً بإسم تيودور الثانى سنة 1855م ، والذى يعتبر حكمه بداية تاريخ إثيوبيا الحديث ، والذى سيتميز بالصراع الدينى والقومى العنيف كما سيأتى ذكره.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - نقط على الحروف
على سالم ( 2021 / 4 / 5 - 05:08 )
من الواضح ان اداره الحكم فى اثيوبيا اخبث وامكر من اداره الحكم فى مصر التعبانه , كارثه سد النهضه كان يتطلب فريق عمل مدرب وكفؤ ومتعلم وخبير فى شؤون الانهار والمياه , الذى حدث ان المدعو السيسى تصرف بغباء وجهل وسذاجه مفرطه , حينما تم التوقيع على سد النهضه منذ حوالى ست سنوات كان توقيع ارتجالى بدون دراسه مكثفه وهذا ماهللت له اثيوبيا وفرحت , الاشكاليه هنا عندما يمثل مصر شخص لايفهم الف باء السياسه ويكون هو المسؤول الوحيد هنا تحدث المشاكل والنكسات والكوارث , لن انسى ابدا الرئيس السيسى عندما اجتمع مع رئيس اثيوبيا ابى احمد وبدأ فى تحليفه بالعربيه ( قول ورايا والله والله انا لن امنع مياه النيل عن مصر ابدا ) ابى احمد لم يكن يعرف العربيه وطريقه ترديد الحلفان من السيسى للرئيس الاثيوبى سبب لمصر انتكاسه وفضيحه عربيه ودوليه , هذا هو كوارث حكم العسكر القاصر عقليا القمعى الجاهل


2 - الرد على الأستاذ على سالم تعليق رقم 1
عبدالجواد سيد ( 2021 / 4 / 5 - 07:07 )
نعم أتفق معك أستاذ على حكم الفرد كارثة ومن بين الأفراد وكوارثهم ليس هناك من هو أسوء من السيسى رمز الجهل وضيق الأفق المطبق ولكن أهم من كل هؤلاء هم السيساوية الذين ساعدوه على أن يفعل بنا كل مافعل من دمار وخراب على كافة الأصعدة فيما يخص سد االنهضة أأمل أن يكون دخول السوادن بقوة ضد محاولة الهيمنة الإثيوبية ذو أثر إيجابى أتمنى ذلك وشكراً على مرورك الكريم كل التحية والتقدير

اخر الافلام

.. معن الجبوري: الحراك السياسي قبل الانتخابات يؤشر إلى العمليات


.. الصوت المعجزة.. في ذكرى وفاة الشيخ محمد رفعت


.. شاهد: مأرب اليمنية تتحضر لاستقبال عيد الفطر على وقع التصعيد




.. الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يطالبان الإسرائيليين والف


.. ولي العهد السعودي يستقبل أمير قطر بجدة في ثاني زيارة له إلى