الحوار المتمدن - موبايل


الحصان الأزرق

سارة سامي
كاتبة وشاعرة عراقية

2021 / 4 / 7
الادب والفن


الحِصانُ الأزرق

قصة قصيرة

.
.
.

تعالَتْ أصواتُ الصِّغار في المدينة

-لقد وَصَلوا .. لقد وَصَلوا

أطلَّت من نافذَتِها خِلْسَةً تتأمَّلُ الزُّقاقَ فرَأَتْ عربةً بحصانٍ أزرق ماثلةً أمام باب المَذْخَر. لم يمضِ وقتٌ قصيرٌ حتَّى ترَجلَّ مِنها رجلٌ مُلتحٍ طويلُ القامةِ عريضُ المنكبين ببزةٍ حمراء عاليةِ القيافة.
بحركةٍ بانورامية دارَتْ عيناها حول سِرْبِ العربات الَّتي ما إنفكَّتْ تتوالى خلفَ عربتِه. كانت عرباتٍ مُلونَّة تقودُها أحصنةٌ مُزيَّنة. لَمَحها و هي بشُبّاكها ساهمةً تلتهمُ المنظرَ بعينيها. حين إلتقَتْ عيناهُما أشاحَتْ ببصرِها عنهُ و أغلقتِ الستائِر.

إقتربِ الصِّغارُ من العرباتِ و تجمَّعوا حول الحِصانِ الأزرق. كان حِصاناً غريباً يتوهجُّ بأشعةِ الشَّمس و في الظلِّ تفوحُ منه رائحةٌ كأنَّها المِسك. و كأنَّ الشمس و هي تلفحُ جلده تُحوِّلُ رمادَ ذرَّاته رحيقاً و شذا.
برأسِ الحصان تقولبَ لِسانٌ زهري و آخر أخضرَ لتظفرهُما مع بعضِهِما ألسنةٌ بألوانِ الطَّيف الشَّمسي فيتكونَ من حفلةِ إلتقائِهِم على رأسهِ قرناً من قوسِ قُزح.

- إنَّها حلوى.. إنَّها تتحولُ بيديَّ الى حلوى!

صرَخَ أحدُ الاولاد بعد أن مَسَح على جلدِ الحِصان و تكاثَفَ الشَّذا بيديهِ بلوراتٍ من السُكَّر. فتشجعَ غيرهُ من الصِّغار على لمسّ الحصانِ و لملمةِ البلوراتِ من على جِلده مما أفزَعهُ و أربكه فتعالى صهيلهُ فلاذَ الأولادُ بالفِرار.

حين سَمِعَت صهيلَ الحصانِ أطلَّت من نافذتها مُجدداً لترى النَّاسَ قد إحتشدوا من بعد أن أخبرهُم الصِّغارُ عن الحِصانِ الغريبِ الَّذي حلَّ بمدينتهم.

كلٌّ جاء لتقصِّي أخباره فمنظرُ العرباتِ ذاتِ الأحصنةِ المُلونة و الحُوذي ذي البزَّةِ الحمراء لفَتَ إنتباه من كان يقفُ في الأبوابِ و النَّوافذ.

إلا إنَّها أسدلَتْ على نافذتِها وإنصرفَتْ عن تأملِّ ما كان يدورُ خارج منزِلها و ألقت بنفسِها بحُجرةٍ مُضيئة حيثُ تصْطَفُ رُفوفٌ طويلة بأوانيها و دوارِقِها و بجوفِها أنواعُ الأعشابِ و الأزاهير المُجففة، لتنغمس في صُنع عقارٍ نافعٍ لجارتِها العجوز.
في تلك الأثناء سمعَتْ ضَوضاء فوقَ سطحِ منزلها فتَسارَعَتْ الى هُناك لتُشاهِد جَمعاً غَفيراً من الفراشات المُلوَّنة يَسرِقن خُيوط ثِيابها و فساتِينها المُعلَّقة تحت أشعَّةِ الشَّمس.

- ما هذا؟ ماذا تفْعَلْنَ بثِيابي؟

صَمَتَتْ و تَركتهُم يستولونَ عليها فقد أثارها الفُضول لمعرفةِ ماذا ستفعلِ الفراشات بما خاطَهُ خياطو المدينة و زركَشَتهُ جواريها من أقمشة مُلونة لَماعة.

من سطحِ منزلها بقِيَت عيناها تُتابِعُ أسراب الفراشات و ثيابُها المُلونَّة تطيرُ بأنحاءِ المدينة فشابَهَت ألوانَ قوسِ قزح بعد زخةِ مَطر.

لمحَ النَّاسُ قوسَ الفراشات و بقيوا يتهامسون من الدَّهشة. فلم يُلوِّن غَمامَ مدينتِهِم من قبلُ سوى الأبيضِ الرمادي فجاءت الفراشاتُ كقناديلَ مُزَيَنة تبعثُ البهجةَ بمدينةٍ كادَتْ تنطفئ.

فَقَد شاعَ عن هذهِ المدينة أنَّها أُصيبتْ بِلعنة. كانت النِّساءُ ترتدي السَّواد طيلة العام دونَ أن يُعرف سببٌ او مدعىً لذلك. لكن الأقاويل تكررت بأن ساحرةً شمطاء قد سحرت بزَّازي المدينة مُحوِّلةً كُلُّ قماشٍ مُلوَّنٍ بدكاكينهم أسودَ الَّلون.
كانت الساحرة تعشقُ السواد و تحبُّ أن تراه بكلِّ مكان إلا إنَّ قدراتها العجيبة لم تُسعفها لأكثر من أن تسحر الأنسجة و أن تُلبِّدَ السمَّاء بالغيم.

علَّقت الفراشات ثيابَ بُراق السَّماء على المنائرِ النَّائمة فإستيقظتْ من غفوتِها. و نَثَرتِ اللؤلؤ والزُمرد من أذيالِ الفساتين على الحُقول المُنبسطة فأنبتت قمحاً و ذُرة. و سَكبت لمعةَ الأقمشة على البُحيرات فتعبدَّت أبصالَ و زنابقَ ماء. حتى دكاكينُ المدينة بَطُل عنها السِّحر و عادَت لأقمشتِها الألوانُ و الزَّخارف.

فرحَ الناسُ بالتغييرِ الذي حصل بمدينتهم. فقرروا أن يحتفلوا فنَصبوا سُرادِقاً كبيراً بساحتها، و أعدُّوا لمهرجانٍ كبير و سباقٍ للخُيول.
تجمَعَتِ الأحصنةُ المُلونة من سربِ العربات و بدأ السِّباق.
راهَنَ الحُوذي على الحِصانِ الأزرق. و راهَنَ النَّاسُ على أحصنةٍ أخرى. كلٌّ حسب ما إرتأى و تصوَّر. تسابقتِ الخيول و صَدَحَ صوتُ الحوذي من تحتِ شُرفة بُراقِ السَّماء:

- لقد أسرجتُ كُلَّ خُيولي نحوك. سألتكِ بالشُموسِ و الأقمارِ ألا ترديني!

لكنَّها لم تسمعه.

وَسَط جَلجلةِ الحُشود و وَقْعِ حوافرِ الخيل تسارَعتِ الخُطى و تسارعَ التصفيقُ و التهليل، فتسارعِ نبضُ الحوذي، ليتناوبَ بصرهُ بين مكانين. تارةً على الحِصانِ الأزرق و أخرى على شُرفةِ بُراقِ السَّماء.

حتى وقَعَتْ عيناه على حِصانِه و هو يخسرُ السِّباق!
لقد خَسِر الحِصانُ الأزرق و خَسِر معهُ الحوذي الرِّهان. فلم يكن رُغم زُرقته و جماله فَرَساً أصيلاً بل حِصاناً خُرافياً ليس لهُ إلا أن يهِبَ الحلوى من طبقاتِ جِلده لكلِّ من لامَسَهْ.

بقلم: س. س.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مي زيادة.. فراشة الأدب التي انتهت إلى مشفى المجانين


.. نمشي ونحكي | حلقة جديدة مع الشاعر السعودي ناصر الفراعنة


.. بيت القصيد | الشاعرة اللبنانية سارة الزين | 2021-04-17




.. الليلة ليلتك: بيار شاماسيان قبل المسرح وين كان؟ وشو بيعرفوا


.. نكهة الشرق العربي.. في الأكل والسياحة والسينما