الحوار المتمدن - موبايل


الثوب الملون أكثر بهاء قراءة في أزمة التخوين والإقصاء الدائرة

أميمة الشريف

2021 / 4 / 7
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم


في هذا الزمن الذي أصبح فيه العالم قرية صغيرة، واقتربت المساحات المتباعدة، عصر السماوات المفتوحة، الذي ساهم في اقتراب الكثير من الأفكار، والتعرف على كثير من الأشياء، وتوضيح الرؤى، والاحتكاك الإيجابي بين الثقافات، في عصر السوشيال ميديا التي ساهمت في كثير من الاقتراب والاغتراب في آن واحد، تنتشر آفات مجتمعنا بشكل أسرع، وتنفضح عيوبنا بشكل أكبر، مما يدعونا إلى وقفة قصيرة للتأمل ونقد الذات ربما صادفت تلك الدعوى قبولا لدى البعض، أو حتى استهجانا لدى الآخرين، لكنها دعوة صادقة بهدف توسيع رقعة من الود والتسامح التي تتآكل وتزيد الفجوة يوما وراء آخر.
دفعني لكتابة تلك السطور، حالة الاستقطاب الشديد والحاد، التي يمر بها مجتمعنا والذي لم نشهده من قبل، والذي ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في تسليط الضوء عليه، ففي كل موقف أو أزمة نمر بها في بلادنا تزيد الانقسامات، وتنطلق دعاوى التخوين، وكأن الأصل أن نجمع على رأي واحد، وهو أمر غريب عجيب لم يتحقق على مر العصور، فلغة الحوار أصبحت مفقودة، وتحولت ساحات التلاقي إلى أرض خصبة للمعارك وتبادل الاتهامات، واختزال البعض المختلف رأيا أو فكرا، وفي كثير من الأحيان تحدث صدمات حقيقية للبعض، أو حتى خسائر في العلاقات الإنسانية التي هي ثرواتنا في تلك الحياة.
تحولت ساحات السوشيال ميديا إلى مبارزات، وبدلا من استخدامها للترويح عن النفس باتت عبئا ثقيلا، ففي كل يوم يتآكل رصيد العلاقات والاحترام بين الناس لمجرد الاختلاف في "وجهات النظر" حتى على أبسط الأشياء، وهنا يعنيني موقف بعض من يطرحون أنفسهم كنخبة مثقفة في مجتمعاتنا، من يتعالون على الناس ويتهمونهم بالجهل، ويلقون عليهم تبعات تقصير تلك النخب نفسها تارة، ويتبادلون الاتهامات مع من يخالفهم الرأي وتخوينهم ويصل الأمر إلى توزيع صكوك الوطنية وسحبها تارة أخرى، ولا أدري من أين لهم كل هذا الصلف، والتعالي وهم المنوط بهم الدفاع عن هؤلاء الذين يصبون عليهم جام غضبهم وهو أمر غريب أيضا وغير مفهوم ولا مبرر، فربما يحق لهم الغضب بعض الوقت من مواقف الناس وهو أمر إنساني لكن لا يحق لهم التعالي والاتهام التي تصل إلى العجرفة في كثير من الأمور، وادعاء أنهم وحدهم يملكون الحقيقة الكاملة وعين الصواب.
في حقيقة الأمر ما نحن فيه هو نتاج طبيعي لأزمة مجتمعية كبيرة تعرضنا لها من تجريف الوعي وانحسار القيم المجتمعية منذ عقود، فقد مرضنا بالتصنيفات، وإنزال الأحكام القطعية التي لا تقبل مجرد النقاش ومقارعة الفكرة بالفكرة والتوصل لمساحات اتفاق وأيضا احترام الاختلاف في الرأي ففي مجتمعاتنا حتى بعض من يتشدقون بقبول الاختلاف هم من يقيمون الدنيا ولا يقعدوها ويحيلون الاختلاف الصحي إلى ألد الخصام، وفي ذلك يحضرني مقولة المهاتما غاندي الذي قال فيها " الإختلاف في الرأي ينبغي ألا يؤدي إلى العداء، وإلا لكنت أنا وزوجتي من ألد الأعداء" فالاختلاف في الرأي هو بكل الأحوال ظاهرة صحية فقد جبل الكون على التنوع والاختلاف، وهو ما يدعو إلى تجديد الفكرلصالح المجتمع وهنا أنا لا أنكر على أصحاب العقيدة أو الأيديلوجيا الواحدة الاتفاق على كثير من الأمور التي تمثل جوهر تلك العقيدة بل بالعكس فأنا أويد ذلك بشدة لكن كثير من الأمور لا ينبغي أن تظل نغمة واحدة فريدة هي المسموعة وإلا فإننا سنظل ندور في فلك ضيق لا سبيل للفكاك منه والاحتكاك بالعالم من حولنا ونفي جدلية التأثير والتأثر فيما يحدث من حولنا وهو أمر سيؤدي بنا لإلى الاندثار وليس التقوقع والانغلاق فحسب.
كثير من الأحداث والأزمات كانت وراء كتابة هذه السطور وربما كان آخرها وهو ليس الحدث الأخير بالطبع ذلك الجدل الذي أثاره التفاعل مع موكب نقل المومياوات ما بين مؤيد ولديه الحق والأسباب ومعارض ولديه الحق ولوجهة نظره كل الاحترام لولا أن البعض من الإقصائيين هواة انتهز الفرصة لإطلاق صراخ فيسبوكي يضع المؤيدين في مصاف الخونة ويخرجهم من دائرة الوطنية أو على أقل تقدير يبعدهم من دوائر المعارضة ولهؤلاء مانحي صحوك الوطنية ومنعها أردت أن أتوجه ببعض الرسائل القصيرة والتي ربما تجد صدى لديهم وأذكرهم بمقولة الإمام الشافعي الرائعة التي يقول فيها "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب" فلولا الاختلافات والتنوع ما كان لهذا الكون خصوصياته وتفاصيله فهناك استحالة أن يكون الجميع من نفس اللون فالثوب الملون أكثر جمالا ورونقا
من الأمور الغريبة أيضا التي تزامنت مع تلك الأزمة وبسببها الحديث عن هوية مصر رغم أهميته فمصر العربية اليوم هي محصلة تاريخ طويل من الحضارات ومزيج متداخل من الحقب صنع ماهي عليه اليوم تتكامل لتصنع تميزها
أما مسألة أن من أيد الموكب ليس معارض فمن هو المعارض ياسادة وما هو الدور الذي يقوم به؟ وبداية لا أظن أن المعارضة هدف في حد ذاتها نعم مصر مليئة بالمشاكل الجسام التي نحاول أن نقول كلمتنا فيها ولا أخفيكم أننا جميعا نعارض من وراء شاشات الكمبيوتر ولوحات مفاتيحة وإلا فما هي نضالات المزايدينز ذلك الواقع المرير الذي نمر به والعجز عن القيام بفعل ما لصالح ما نؤمن به منأفكار ومبادئ خلق حالة من العنترية الفيسبوكية جعلت من البعض مناضلين ونظرا لأننا أدمننا المجاملات فقد ساهمنا دون إدراك في تفاقم الحالة وحضرنا العفريت لكن عجزنا عن صرفه فخرج المارد علينا يوزع الصفات ويرى في نفسه من لا يخطئ ولا يزل ولابد أن نكون جميعا من حواريه ونتبع ما يشير علينا به في حين أننا عارضنا النظام ولازلنا نعارضه وأذكرهم بحادث اغتيال 21 مسيحي مصري في ليبيا عندما وجهنا أقذع الانتقادات للنظام وعندما قام النظام برد فعل رأيناه مناسبا وأذيع عن أن القوات الجوية نفذت فجر اليوم التالي ضربة جوية على مواقع القتلة شكرنا موقفه وذلك لا يجعلنا مطبلين للنظام ولا مهللين له فضلا عن موقفنا من مسألة سجناء الرأي وغلاء الأسعار والتعاطي مع أزمة كورونا وبيع تيران وصنافير وكارثة مياه النيل وغيرهم فلسنا من المتملقين لا لهذا النظام ولا لأي نظام
تلك الحالة المرضية العضال نتجت كما أشرت سابقا نتيجة تغييب الوعي وتجريف الثقافة وتجفيف منابع الفكر في بلادنا فلم نتعلم كيف ندير الاختلافات فيما نجيد تحويلها إلى خلافات وانقسامات وفي بعض الأحيان فإن الأمر يتعدى ذلك إلى التنابذ والتناحر
تشدق البعض بالحديث عن قبول واحترام الآخر المختلف، وعن حرية التعبير، على سبيل الوجاهة الاجتماعية وادعاء ما لا يؤمن به والنتيجة أننا في أول موقف يختفي الإدعاء ويبرز أسوأ ما في طرق الخلاف لم نتعود على إدارة حوار ناجح ومحترم يمكن أن يضيف ويثري المعرفة ويغذيها أو على الأقل كل من طرفي الحوار يحتفظ بمكانه ونتصافح ونظل أصدقاء فامتلأت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بوصلات الردح والسب والقذف والتكفير لمجرد أن هناك فكرة أخرى طرحت ولنا فيما جرى عقب وفاة المفكرة المرحومة نوال سعدواي مثل على ما أقول
ورغم الفوائد العظيمة شبكات التواصل الاجتماعي وعصر المعلومات لكن الوجه الآخر برز وبوضوح في مثل تلك الأمور فقد ساعدت تلك الشبكات على خلق عدد كبير من أنصاف المثقفين والمدعيين الذين يدعون العلم ببواطن الأمور وخفايا الصدور وأن لديهم وحي من السماء يرشدهم وحدهم للطريق وبمثل هؤلاء تنهار الأمم
في الختام كان هذا مجرد تأمل لحالنا جميعا ودعوة صادقة للتفكير السليم والتسامح أكثر مع أنفسنا ومع الغير فليس بيننا أنبياء يوحى إليهم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. واشنطن تنتقد منع وصول المساعدات لإقليم تيغراي بشكل كامل


.. صراخ هستيري في #تل_أبيب بسبب سقوط صاروخ على جسر | #منصات


.. في 24 ساعة.. 1200 طبيب مصري يتطوعون لعلاج جرحى #غزة | #منصات




.. عاجل | الاعتداء على مراسل #سكاي_نيوز_عربية فراس لطفي #بالقد


.. السبب الحقيقي خلف إيقاف مخرج #نسل_الأغراب #محمد_ سامي |#منصا