الحوار المتمدن - موبايل


المياه وحروب المستقبل

محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث

(Mohammad Abdul-karem Yousef)

2021 / 4 / 7
مواضيع وابحاث سياسية


أدى استنفاد موارد المياه الصالحة للشرب إلى إرسال إشارة إنذار في جميع أنحاء العالم فيما يتعلق بظهور موجة جديدة من الصراعات العالمية المستقبلية سعياً لاحتلال خزانات المياه المتاحة في العالم . الماء شرط لا غنى عنه للوجود البشري، وبالتالي ، فإن ندرة الماء تعرض بقاء الجنس البشري للخطر . الماء شريان الحياة لكافة الأنواع البشرية . لسوء الحظ ، دفع النمو السكاني السريع والنمو الصناعي المرافق والتغير الجذري في المناخ العالمي العالم إلى شح في المياه . ويعاني عالمنا اليوم من نقص حاد في مياه الشرب العذبة ، وقد أدت هذه الندرة بالذات إلى اندلاع صراع بين القوى العالمية لاحتلال أكبر قدر ممكن من المياه في العالم . وبالنسبة لهم هذا النوع من الصراع هو صراع من أجل البقاء، الأمر برمته مسألة حياة أو موت. وإيمانا من العلماء بقيمة هذه السلعة وندرتها في الحياة ، فقد أطلقوا عليها اسم "الذهب الأزرق" و "نفط القرن الحادي والعشرين" ؛ و تنذر ندرة المياه بتضخم قيمة المياه العذبة وأهميتها لشعوب العالم كافة.
سيحل "الذهب الأزرق" وفقًا لبعض الخبراء ، محل "الذهب الأسود (النفط) في القرن الحادي والعشرين ؛ وبما أن العالم قد شهد حروبًا شرسة بحثًا عن النفط ، فمن المحتمل الآن أن يشهد جولة أخرى من الحروب على المياه. وقد سلط فريدريك لاسير ، الأستاذ في جامعة لافال في مقاطعة كيبيك، ورئيس مرصد الأبحاث الدولية حول المياه (ORIE) ، الضوء على هذه الحقيقة بالذات ، حين قال: " فيما يخص النزاعات على المياه ، إن ندرة تدفقها ليس ضمانًا للمستقبل في عالم يتأثر بتغير المناخ و ارتفاع عدد السكان بوتيرة لم يسبق لها مثيل ."
إن ندرة مياه الشرب العذبة هي العامل الرئيس الذي قد يشعل الشرارة الأولى لحروب المستقبل ، وما الصراعات المحلية والاقليمية الجارية حاليا في أكثر من مكان في هذا العالم إلا نذير بما قد يحدث في المستقبل القريب.
تشير الدراسات والاحصائيات والبحوث الجارية حاليا ، أن استخدام المياه قد تضاعف ثلاث مرات خلال الخمسين سنة الماضية . ويذكر البنك الدولي أن 80 بلدا يعاني حاليا من نقص في المياه ,ان حوالي 2.8 مليار نسمة يعيشون في مناطق عالية الخطورة ناحية توفر المياه وسلامتها . ويتوقع زيادة العدد إلى ما يقارب 3.9 مليار نسمة وهذا الرقم مخيف جدا لأنه يشكل نصف سكان العالم ، وبحلول عام 2030 قد يتدحرج هذا السيناريو ليصبح خطيرا ومنذرا بحدوث الكوارث.
يضاف إلى ذلك ، ما يرد من شركات مشاريع المياه ، إلى أن واحد على تسعة من السكان لا يستطيعون الوصول إلى مياه الشرب النظيفة ويتركز 37% من هؤلاء الناس في مناطق قريبة من الصحراء في أفريقيا . وعلى المستوى العالمي ، تعاني المشافي من الأسرة المليئة بالأمراض الناجمة عن سوء المياه. والشيء المثير للقلق أكثر من أي شيء آخر هو أن الدول النامية تعاني من 80 % من الأمراض المرتبطة بسوء المياه.
من جانب آخر ، تذكر شركات المياه المشتركة ( القطاع العام والقطاع الخاص ) أن نسبة المياه القابلة للشرب تبلغ 2.5% من حجم المياه في العالم يتركز 0.3 % منها في الأنهار والبحيرات . وتتوقع ناشيونال جيوغرافيك أنه في عام 2025 قد يعاني 66% من سكان العالم من شح في المياه الناجم عن التغير في المناخ والاستخدام الزائد للمياه.
وهناك تقارير تذكر أنه في كل دقيقة يموت 15 طفلا نتيجة مياه الشرب الملوثة. ويمت قسم أخر من الفقراء بسبب شح المياه ، في حين يستهلك الأغنياء كميات كبيرة جدا منها. إن معضلة استهلاك المياه تلقي بظلالها على ماهية الصراعات المستقبلية حول المياه.
ستقود ندرة المياه المتزايدة إلى أن المياه ستصبح محركا أساسيا لانعدام الشعور بالأمن والأمان ويمهد الطريق لحروب المياه في المستقبل إلا في حالة وحيدة وهي اتخاذ الحكومات الكونية اجراءات تمنع نشوب مثل هذه الحروب . علينا أن نتجنب حروب المياه المستقبلية ، ويجب أن لا تكون ندره المياه مصدرا للصراعات والدماء والخراب المستقبلي أو الحروب بالوكالة .
هناك مشكلة أخرى تؤجج مشكلة المياه وهي الشركات التي تحوله إلى سلعة بعبوات صغيرة بهدف تحقيق الربح السريع . وهناك أيضا مشكلة خصخصة مصادر المياه وتسليمها لمجموعة صغيرة من الشركات الاستثمارية التي تتحكم بالمياه ومصادرها في أكثر من مكان من هذا العالم . المؤسف أن شركات استثمار المياه تصور المسألة برمتها على أنها أحد الأسباب الناجمة عم شح المياه في العالم ؛ في حين يرى المراقب النزيه أن هناك ثغرات كثيرة في هذه الرؤية الاستثمارية .
يقول ديفيد بويز ، الخبير البريطاني في الشؤون المائية :" يجب أن نجانب الحرص الشديد في عدم تحويل المياه إلى سلعة تباع كأي سلعة أخرى في السوق. هناك قضايا أكثر أهمية يمكن تطبيقها في توزيع المياه مثل ترشيد إدارته واتخاذ الخطوات البيئية السريعة لمنع شح المياه بالإضافة إلى اتخاذ العديد من القرارات المتعلقة بالثقافة الفكرية والاجتماعية. عندما نحول المياه إلى سلعة ونضعه بين قوى السوق الفاعلة فإننا نتخلى عن مورد حيوي وهام وملك للمجتمع ونستبدله بالربح تمهيدا لفقدان السيطرة عليه. "
لقد تم خصخصة المياه في الدول الفقيرة أكثر من الدول الغنية حتى الآن والسبب في ذلك يعود إلى البنك الدولي الذي يستخدم قروضه كأداة ضغط لإجبار الحكومات على خصخصة قطاع المياه مقابل الحصول على القروض.
اللافت للنظر ، هو أنه ما كان لهذه الشركات الكبرى أن تتمدد وتستحوذ على مصادر المياه في الدول الفقيرة لولا البنك الدولي والمؤسسات المالية الكبرى وبنك التطوير الأسيوي والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار. وقد لعب البنك الدولي والمؤسسات المالية دورا كبيرا في اقناع قادة دول مثل جنوب أفريقيا ، والارجنتين والفلبين وأندونيسيا لتحويل منشآت المياه إلى منشآت تجارية كجزء من سياسة البنك الدولي للخصخصة وتطبيق اقتصاد السوق الحر.
للأسف ، هناك بوادر نشوب حروب عالمية في بعض المناطق في العالم . هناك بوادر توتر مستعر بين باكستان والهند وهناك مشكلة ذوبان الثلوج بسرعة فوق جبال هيمالايا والتي ستسبب بالتدريج نقص تدفق المياه في نهر الغانج و السند وبراهمابوترا ، وقد يسبب هذا النقص الجفاف في شبه القاره الهندية .
إن السيطرة على المياه المتبقية في السند ستشعل نار الحرب في منطقة كشمير حيث يتدفق النهر بقوة ، وتعتمد باكستان بقوه على تدفق مياه السند لتأمين الموارد للزراعة ومياه الشرب. ويبدو أن أي محاولة من الهند للسيطرة على مياه السند أو إعاقة تدفقه قد تؤدي إلى نشوب حرب نووية مه جارتها الباكستان .
من جانب أخر ، إذا استمر النمو السكاني في الباكستان يتسارع بنفس القدر الحالي ، وإذا استمر انخفاض معدلات الهطول المطري فإن ذلك يهدد مصادر المياه ويزيد من ندرتها وشحها . يتوقع الباحثون أن يتضاعف عدد سكان الباكستان خلال 35 سنة القادمة وبالتالي يتضاعف مقدار الحاجه للمياه . أيمكن أن يتصور الإنسان العاقل مدى سوداوية النظرة المستقبلية لما قد يجري في العالم وخاصة الباكستان التي تعاني في الأساس من ندرة في المياه.
وفي الشرق الأوسط هناك مشكلة نهري دجلة والفرات ، وهي من المناطق المرشحة للصراعات المستقبلية خاصة وأن تركيا تبني السد تلو السد للتحكم بمياه النهرين ومنع تدفقهما إل كل من العراق وسورية .
وإذا استمرت تركيا في حبس مياه الفرات ودجلة فإن ذلك سيزيد من القحط ومساحاته في كل من سورية والعراق وبالتالي قد تحدث شرارة النزاع للتقاسم العادل للثروة المائية بين البلدان التي يمر فيها النهرين.
هناك مشكلة أخرى في اليمن ، حيث يجري صراع مدمر في البلد منذ عشر سنوات تقريبا في بلد يعاني كثيرا من الجفاف وندرة المياه وتهدده بالانهيار. لقد عانى اليمن سنوات طويلة من سوء الإدارة تركت البلد في تصنيف أكثر البلدان ندرة بالمصادر المائية مع بنية تحتية ضعيفة ومخزونات مستنزفة ومعدلات عالية من ندرة المياه وعدم كفايتها. قد تكون العاصمة اليمنية صنعاء أول عاصمة في العالم ينضب منها الماء بحلول عام 2025.
من جانب أخر ، وإذا نظرا إلى حوض النيل ، نجد أن مشكلة المياه قائمة قدم النهر وقد حاولت مصر لقرون عديدة السيطرة على منابع النيل سياسيا وعسكريا كونه الشريان المائي الحيوي الوحيد في البلاد وتستعمله مصر في الماء والنقل والطعام وإذا نظرا إلى خارطة جريان النهر نجد أن السكان يلتصقون به من الجانبين في حين أن باقي البلاد صحراء قاحلة . ومنذ أن بدأن أثيوبيا ببناء سد النهضة بدأت الخلافات تدب بين مصر وجارتها الجنوبية وبدأت المشكلات تنشأ بشأن تقاسم مياه النهر بيم الدول التي يمر بها .
المشكلة الكبرى لمصر هي أنه كلما استفادت أثيوبيا والسودان والسودان الجنوبي من مياه النهر نقصت حصة مصر منه . وتجري الدول المتشاركة في مياه نهر النيل حاليا مفاوضات صعبة بهدف التقاسم العادل للثروة المائية لنهر النيل ، وفي حال فشل المفاوضات هناك فرصة مؤكدة لنشوب الحرب .
باختصار ، هناك دول مرشحة لخوض صراعات مستقبلية حول المياه أكثر من غيرها للسيطرة على الذهب الأزرق وهي إيران وأفغانستان ومصر وليبيا والنيجر والصومال والعراق وسورية وهناك قلق متزايد في مناطق أخرى من العالم تعاني الكثير بشأن المياه المستقبلية مثل الهند وباكستان والصين والولايات المتحدة لأنها مخزونها من الذهب الأزرق بدأ في النضوب.
وفي الختام ، وإذا كنا ندرك جميعا حجم الخطر القادم وثقله على الأجيال القادمة ، فمن واجبنا جميعا أن نحمي الكوكب وسكانه وأن نعالج قضايانا الحياتية بحكمة الشيوخ وطموح الشباب وأن نزيل أسباب التوتر وأنا لا نكرر دروس الذهب الأسود. يستطيع الإنسان أن يعيش من دون ذهب أسود لكنه لا يستطيع أن يعيش ثلاثة أيام من دون ذهب أزرق . يجب أن نجعل الماء أداة سلام لا أداة حرب .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ماكرون يؤكد على -حوار صريح ومنفتح مع روسيا- مبديا الاستعداد


.. الهجمات الإلكترونية.. والمخاطر النووية


.. دراسة أميركية تؤكد قدرة الكلاب المدربة على رصد الإصابات




.. رولاند أبي نجم: خطورة الاختراقات الإلكترونية أنها قد تؤدي إل


.. صفقة دفاعية ثنائية بين إسرائيل واليونان بقيمة 1.65 مليار دول