الحوار المتمدن - موبايل


في قراءة معاصرة للحياة السياسية في سورية في زمن الخمسينات

عيسى بن ضيف الله حداد

2021 / 4 / 7
مواضيع وابحاث سياسية


بمثابة تابعة: في السرد المتقدم كنت قد عرضت الماضي كما عايشناه، أي من منظار الماضي. في التابعة الآتية، سأحاول باقتضاب إجراء قراءة معاصرة لمحطات أساسية لذلك الماضي، أي النظر إليه من منظار اليوم.. ولمّا كان الناظر هو ذاته، ربما سيكون معيار الخطأ أقل في حال لو جاء النظر للماضي من منظار ناظر لم يعايشه قط..
في اللحظات التاريخية الهاربة – من المؤكد أن التاريخ يفصح في تتابع مساره عن لحظات حاسمة، فإن تم التصرف فيها بطريقة جريئة، فإنه من الممكن تغيير مساره اللاحق.. على سبيل الأمثلة:
اللحظة التاريخية الملازمة للحرب العالمية الأولى: تميزت تلك اللحظة، بكون النظام العالمي، مازال يسير في طريق التشكّل، وأن قوى الهيمنة- المنتصرة، كانت بصدد العمل على تضميد جراحها..
في تلك الشروط التاريخية أدرك أتاتورك عبر بصيرته الإستراتيجية، أن اللحظة التاريخية غدت مواتية لإنقاذ تركيا من محنتها الماثلة في هزيمتها، ولو لم يبادر لاستثمارها (أي اللحظة التاريخية) لما أتيح له تحقيق مشروعه وإنقاذ بلده من التقسيم والخضوع للهيمنة، من قبل النظام
العالمي السائر في طريق التشكّل لحظتها..
على نفس المنوال، يمكن تطبيق مفهوم اللحظة التاريخية المواتية، على مبادرة لينين في إشعال فتيل الثورة البلشفية، التي أنقذت روسيا من مأزقها التاريخي، كبلد مستضعف ومتخلف..
والسؤال: لو توفر لفيصل ووالده الشريف الحسين رؤية تاريخية واستراتيجية مكافئة لرؤية أتاتورك لتغير مسار التاريخ العربي الحديث.!
اللحظة التاريخية في أعقاب الحرب العالمية الثانية والمثال الصيني: أدرك ماو تسي تونغ خصائص تلك اللحظة، فأطلق المسيرة الثورية الطويلة لملايين الفلاحين الجياع، وبها أنقذ الصين من مأزقها التاريخي واستطاع وضعها في موقع المساهمة بتشكيل العالم المعاصر..
 في حرب فلسطين - من الواضح بجلاء أن فلسطين لم تكن آنذاك محتلة، وإن كانت الصهيونية تمتلك فيها بعض البؤر الاستيطانية، وهذه البؤر كانت بواقع الحال هشة.. كما كان عالم بعد الحرب العالمية الثانية في طور التشكّل، والدول العظمى ما زالت تضمد جراحها، وليس بوسعها التدخل لفرض هيمنتها..
كان من المتاح والحال هذه، أنه لو قيض للعرب ممارسة حرب طويلة الأمد، بالاعتماد على ما توفر لدى العرب آنذاك من قوى عسكرية– بتواضعها مع المساهمة الشعبية المسلحة الواسعة.. لتم إجهاض المشروع الصهيوني إلى الأبد.
هكذا أضاعت تلك الأنظمة العربية اللحظة التاريخية المواتية، عندما قبلت بالهدنة.. الأمر الذي أتاح المجال للصهيونية لاسترداد أنفاسها المتعبة، في شروط تقدم مسيرة نظام الهيمنة العالمي في درب تشكله الذاتي..
من دواعي هذا التعليق، هو بالضبط دحض المحاولات الرامية في اللحظة الراهنة لخلط الحابل بالنابل، من أجل ذر الرماد في العيون في تحديد على من تقع المسؤولية التاريخية الأساسية في ضياع فلسطين..
دور البترول في معركة قضايا العرب - يذكر أكرم الحوراني في مذكراته (ص 2108 الجزء الثالث)
قال فارس الخوري تعليقاً على دور البترول في المعركة: لو سبق العرب أن أثبتوا وجودهم في ميدان البترول أيام بحث قضية فلسطين عام 1948 لاضطر الغرب أن ينتهج سياسة أخرى.. وأضاف: أنه تقدم بمذكرة للمندوب الأمريكي في الأمم المتحدة عام 1948 لوح فيها بقطع البترول العربي فاستولى عليه الذعر، ثم عاد بعد يومين وسأله باسم من تتكلم؟ الاتصالات التي أجرتها حكومتي مع الدول العربية نفت لجوء العرب على قطع البترول عن الغرب..
والسؤال: لماذا لم يستثمر العرب هذا السلاح كما يجب،
في تلك اللحظات العصيبة في معارك فلسطين (و غزو العراق تالياً..).. ألم تستعمل أمريكا وحلفاؤها سلاح الاقتصاد في كل بدا لهم من عدوان ومخططات...! ثم ألم يظهر الواقع أن استعمال هذا السلاح يرفع من قيمة مردوده الاقتصادي...!
سورية في حقبة الخمسينات - رؤية نقدية للممارسة السياسية للنخب القائدة في سورية في تلك الحقبة.. في رؤية فاحصة للممارسة السياسية التي انتهجتها النخب القائدة لمسيرة البلاد، يمكن لي وضع العرض المقتضب الآتي:
اليمين السوري المتمثل الأحزاب التقليدية وبالتحديد حزب الشعب والوطني- في تقديري، لم يكن الهاجس السياسي الأساسي لذلك اليمين إلا الحلول محل الانتداب الفرنسي في الهيمنة على شؤون البلاد. حيث مارس السلطة بدون برنامج واضح.. تجلّى ذلك على مستوى مختلف الأصعدة.. مما جعله يقع في مطبات كثيرة..
على الصعيد الدولي: توجه هذا اليمين منذ البداية في علاقاته بشكل أحادي إلى المعسكر الغربي. في حين كون هذا المعسكر قد وقف من وراء النكبات التي حلت في البلاد، من سايكس بيكو إلى وعد بلفور.. وما تلي.. والأكثر من ذلك، ظهور تورط رموز كبيرة من الحزبين في علاقات مشبوهة مع أجهزة المخابرات لدول هذا المعسكر. فضلا عن مذكرات فوزي القاوقجي وآخرين (راجع، الصراع على سورية لباتريك سيل ومراجع أخرى غربية):
كان الأجدر بتلك القوى، أن تعمل على قيام علاقات سياسية متوازنة مع المعسكرين، مما يقوي لديها موقع الحوار لكل منهما.. (وهذا ما سلكه البعث وعبد الناصر في السياسة الخارجية)..
على الصعيد العربي: دخلت كل من هذه القوى في صلات محاور مع الأنظمة العربية، على الرغم من تخلف تلك الأنظمة عن الأوضاع السائدة في سورية عنها على كافة المستويات. البعض من هذه القوى ارتبط بعلاقات وطيدة مع المركز السعودي والبعض الآخر مع المركز العراقي.. الخ. وقد أظهرت الأحداث دخول رموز من هذا التيار في صلات مشبوهة مع هذه المراكز وتلقي رشاوي مالية منها.. في حين كانت تستلزم مصالح البلاد العليا وضع سياسة متوازنة في العلاقات العربية- العربية، على أسس التخلص من الهيمنة مما قد يسهم في تأسيس سليم للنظام العربي العام..
على الصعيد الداخلي: لم يظهر اليمين السوري اهتمام واقعي بالمسألة الاجتماعية. إذ ركز همه الأساسي في مجال التنمية الاقتصادية بحيث تكون الفوائد حصراً للطبقة الرأسمالية، دونما إظهار أي اهتمام بالتنمية الاجتماعية.. بقي الريف على حاله كما جاء عليه في العصر العثماني- لا كهرباء ولا ماء ولا طرق معبدة وقليل من المدارس - كما ظهر في سردي لمعالم الحياة في القرية - (بطبيعة الحال لم يكن قط من شأن سلطة الانتداب الفرنسي الاهتمام بشؤون الريف).
أما بصدد الإصلاح الزراعي، فقد كان الغائب الأكبر عن العقل المسير لنخب اليمين السياسي، في حين قد طبق في الغرب من قبل أنظمتها البرجوازية.. (وحتى في إيران من قبل نظام الشاه).
في المسألة الديمقراطية: النظام الديمقراطي وسيلة بحد ذاته، لكي يعبر الشعب عن رأيه في تقرير مصيره.. وللممارسة الديمقراطية أصول ومعايير من شأنها تأمين الآليات الكفيلة بإيصال الصوت الحقيقي للشعب..
بهذا الصدد، يظهر واقع الممارسة السياسية عدم حرص اليمين السوري في تطوير شأن الممارسة الديمقراطية، إنما قد جعل منها مجرد وسيلة وقناة لإحكام سيطرتهم الدائمة على مقادير البلاد.. ولم يعدم تعاون رموز كثيرة منهم مع نظم الديكتاتورية ووضع العثرات والعقبات أمام مسيرة النظام الديمقراطي الناشئ، بل والتآمر مع الأجنبي
كما ظهر بين أعوام 54 و58.. وفق ما قد جاء في عرض السرد..
لا أستبعد، بل من المؤكد، أن اليمين السوري قد اندفع إلى جانب قوة اليسار القومي العربي في مسار الموافقة على الوحدة مع مصر، مستهدفاً التخلص من قوة اليسار القومي العربي، من حيث كان اليسار على قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى السلطة.. وحينما ظهر الخيار الاشتراكي لنظام عبد الناصر.. انقلب اليمين على نظامه وجاء بالانفصال..

مقاربة أولية في المسألة الديمقراطية في حقبة الخمسينات كمقومات وآليات: حالياً يسود الهرج والمرج كثيراً بصدد الديمقراطية في سورية في تلك الحقبة.. ولما كانت هذه المسألة تشكّل بحد ذاتها إشكالية مطروحة على مستوى الراهن والمستقبلي أضع بصددها ما يلي:  في منظوري لم تكن الديمقراطية آنذاك أكثر من مشروع يفتقد الأسس والمعايير السائدة في النظم الديمقراطية، مما جعل شأنها يتهاوى بعفوية: على سبيل المثال: كان لبعض الأحزاب والشخصيات السياسية صلات وتمويل من قبل الأجنبي، وهذا ما ترفضه الديموقراطية..
 لم يكن ثمة حدود لمدى الإنفاق المالي في فترة الانتخابات وهذا ما يُخضع مسار ومصير النظام الديمقراطي لسيطرة المال..
 المواطنة، لا ديمقراطية فعلية دون مواطنة حقيقية. فوجود مرجعيات مزاحمة للمرجعية الوطنية: كالمرجعيات
الملية والمذهبية والعشائرية والمحلية والأثنية يشكل تهديداً كامناً للديمقراطية..
 وضع الأرياف والبوادي: كان الفضاء الريفي بكليته خارج عملية التحضر، فقد كان بدائياً، لا كهرباء ولا ماء ولا طرق ممهدة ومعبدة.. ناهيك عن الحضور القوي للنظام الإقطاعي في البلاد وسيادة العلاقات العشائرية..
والسؤال: هل يمكن تطبيق نظام ديمقراطي في ظل نظام اقتصادي- اجتماعي من هذا النمط.. وهل استطاعت أوربا تأسيس نظام ديمقراطي حقيقي قبيل تصفية النظام الإقطاعي ووضع أسس النظام الاقتصادي الرأسمالي وتحديث البلاد.!
 مسألة المرجعية الجامعة - الهوية: إن لم تكن مسألة الهوية محسومة كمرجعية، تصبح الديمقراطية في مهب الريح.. في هذا السياق يظهر الواقع والتاريخ، أن العروبة كمرجعية ثقافية- لا عرقية هي وحدها القادرة على ضم الجميع في حاضنتها.. مثل هذا النمط من المرجعيات هو السائد الواقعي على صعيد الأمم والقوميات.. فالعروبة الثقافية تستوعب الملل والمذاهب والأديان والأثنيات: فالكردي والشركسي والأرمني والبربري الناطق بالعربية والمتدين بالإسلام، هو عربي بمقدار ما يكون عليه الآخر.. ولا يضير هذا من الاحتفاظ بلغته الأثنية.. هذه إرادة التاريخ والواقع.. تماماً كابن الألزاس وكورسيكا والبيرينه والبريتون في فرنسا.. ينطبق الأمر على الملحد والمسيحي والمسلم، الشيعي والسني والعلوي والدرزي والإسماعيلي..
كان النظام الديمقراطي في سورية من الهشاشة بمكان، أن سمح لكل من هب ودب في التآمر على مصير البلاد.. (أنظر باتريك سيل – الصراع على سورية)..

سورية والعسكر: الجدير بالنظر لا أنطلق قط من رفض أي دور للعسكر.. فقد أظهر التاريخ بروز دور موضوعي في لحظات ما.. كمثال: أتاتورك في تركيا، ديغول في فرنسا، عبد الناصر في مصر.. ثورة العسكر اليساريين في البرتغال التي قد أطاحت بنظام سالازار..
كان من الممكن أن يكون للعسكر في سورية دوراً موضوعياً، وهذا ما حدث بالضبط، بين عام 54- 58.. وكان من الممكن أن يكون أفضل لو أتيح على سبيل المثال للعقيد عدنان المالكي البقاء على قيد الحياة..
في هذا الصدد يقول باتريك سيل في اغتيال العقيد عدنان المالكي: أدى اغتيال الملكي إلى إزاحة القائد الذي كان باستطاعته أن يفرض رأيه على طبقة الضباط، ولم يبق ثمة شخصية مميزة في الميدان، وبدلاً من وجود زعيم واحد، أصبح هنالك ـأكثر من عشرين. وكان كل منهم يتوقع أن تجري استشارته قبل اتخاذ أي قرار (الصراع على سورية- ص 318). كان يمكن لهذا الرجل أن يساهم بفعالية في إنقاذ سورية من ما جرى فيما تلى من دور العسكر في الحياة السياسة في سوريا. مرة أخرى هربت اللحظة التاريخية من أمامنا.
في مسيرة بناء الوحدة مع مصر واللحظة التاريخية الهاربة: أجل كانت الخطوة نحو الوحدة ضرورة موضوعية للبلدين وللمنطقة، غير أن الخطأ المركزي تجلّى في المعادلة الآتية: مصر دولة منظمة حول قيادة مركزية يترأسها عبد الناصر، في مقابل سورية المشتتة التي لم يكن لها رأس أو محور مركزي يسيرها..
في هذا الصدد توفرت جملة من الشروط الموضوعية لكي يكون البعث قائداً للسلطة، بيد أن تردد قيادة الحزب هو الذي بدد هذه الإمكانية.. من بين هذه الشروط: تمتع البعث بشعبية كاسحة، ومجموعة عسكرية قوية مخلصة، وحزب ممتد في كافة المدن والأرياف، بل والوطن العربي..
كان بوسع الحزب استلام السلطة والتقدم إلى الوحدة على خطى ثابتة.. غير أن سلوك قيادة الحزب هو الذي فوت الفرصة على تلك اللحظة التاريخية.. هكذا تقدمت سورية للوحدة مشتتة، بل وكان من بين أدواتها السياسية عناصر ملغومة ومتآمرة على قضية الوحدة والوطن.. ليس من العجب أن جرت الأمور على نحو ما حدث.. انفصال ونكسات تالية متتالية له وعنه.. مرة أخرى تجلّت اللحظة التاريخية الهاربة..

البعث في حقبة الخمسينات، مقاربة عامة ومقتضبة: تأسس حزب البعث في 7 نيسان 1946، وهو أحدث الأحزاب السورية عمراً، ولم يمض عقد من الزمان حتى أصبح اقوى الأحزاب في سورية، وليس في سورية فقط فقد انتشر على مدى الساحة العربية قاطبة، وكان له دوراً مهماً في اسقاط النظام الديكتاتوري الشيشكلي 1954.. كما تمتع ما بين 1954 – 1958 بدور مؤثر على مستوى الحياة السياسة السورية، معارضاً حيناً وحيناً مشاركا في الوزارة حسب ظروف التطورات السياسة في سورية، وكان له الدور الريادي في انجاز الوحدة المصرية السورية، ومن أجل الوحدة أعلنت قيادة الحزب عن حل تنظيمه في سورية استجابة لشروط عبد الناصر الذي أراد الدولة بلا أحزاب سياسية واستجاب الجميع.. وتلكم هي الوقفة السلبية، التي أسهم بها الجميع..
في حقيقة الأمر، أن الكتل العسكرية الوطنية السورية بحماسها العاطفي واندفاعها العفوي هو ما دفع الأحزاب لحل تنظيماتها، على أن يكون الاتحاد القومي هو البديل للجميع..
وكما أعلم، كان لدى حزب البعث منظورا فيدراليا كنظام للوحدة المنشودة، بيد أن الكتل العسكرية السورية، والزخم الشعبي الجارف جعل من الاستحالة بمكان بعرض المشروع الفيدرالي.. مما بنى دولة الوحدة على أرضية رخوة.. وسهل مرور مؤامرة الانفصال..

من سؤال إلى تساؤل: ما مدى تأثير النتائج التاريخية المترتبة على مجمل قضايانا العربية عندما فشلت تجربة الوحدة، أما كان ممكناً أن يتغير مسار التاريخ العربي لو أن سلطتها وبُناتها وحماتها صانوها من الوقوع في مأزقها وسقوطها فريسة أعدائها...! أجل أنها لحظة تاريخية هاربة، تطل برأسها علينا مرة أخرى..
فيما يشبه اليقين لدي، لو أقدم عبد الناصر على رفض الانفصال، وأعلن عن مشروع تعديل النظام السياسي للجمهورية العربية المتحدةـ.. لكان بوسع الثورة الشعبية العارمة وبمساعدة القوى الوطنية الوحدوية في الجيش، في اجهاض حركة النحلاوي، وتم انقاذ الوحدة بشروط جديدة.. وها هنا في مرة أخرى، خذلنا اللحظة التاريخية على وقع من حضورها..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مصادر تتوقع أن يصف بايدن مذبحة الأرمن بالإبادة الجماعية


.. الولايات المتحدة تنفي تمويل الحملة الانتخابية للرئيس التونسي


.. موجز الأخبار - السادسة مساء 22/4/2021




.. بسبب خطأ فني .. ظهور بوتين خلال بث كلمة ماكرون في قمة المناخ


.. الأخبار في دقيقتين