الحوار المتمدن - موبايل


صدفة

نزار الحصان

2021 / 4 / 7
الادب والفن


“أجمل ما في الصدفة إنها خاليةٌ من الإنتظار" محمود درويش
الى ..... ك. س. في ذكراها السنوية
إن أهم الأحداث التي حصلت معي وتركت أثراً عميقاً في حياتي كانت مجرد صدفة, لذلك قررت أن أهيئ الظروف المناسبة لهذه الصدف كي تتكرر جالبة لي السعادة .
هنا تبدأ الحكاية المثيرة,ولكن لابد من مقدمة :
مستندا لمقولة(أوغست دي مورغان)
"ما يمكن أن يحدث سوف يحدث إذا قمنا بعدد كافٍ من المحاولات".
بحثت طويلا في هذه الظاهرة, قرأت كتب السند والهند والغرب والشرق , و وجدت أن الكل يحتفي بالصدفة وليست شيئاً خاصاً بي.
في الديانات السماوية تسمى "القــدر" وهي تحمل المعنيين الإيجابي والسلبي, بل وهي إحدى أركان الايمان ,مع العلم أننا دائما ما نستخدمها في المفهوم الشعبي للدلالة على النهايات المأساوية .
في الماركسية يفسرونها كقانون ديالكتيكي معقد يصل بعد مجموعة من التراكمات الكمية والنوعية ليُكوٌن ما يطلق عليه "الحتمية التاريخية" ..... كلام منطقي وكبير!!!! دعمه الكثير من الفلاسفة والوجوديين ,الذين أكدوا أن "الصدفة" هي مبدأ ترابط لا سببي "
أما الآخرون فأضافوا أسبابا مثل التخاطر و قانون الجذب وبعضهم ربطها بحركة الكواكب وعلم الفلك .
ولكني أميل أكثر الى الجانب الصوفي البسيط، فهكذا أجمل, هل يحتاج لقاءَ صديق قديم في شارع ما الى كل هذا الجدل الماركسي, ومراجعة قوانين التطور والنشوء لدارون ,والغوص في تجارب ماندل؟؟!!
....فقط رأيته ..تعانقنا ...تحدثنا عن ذكريات ومضى كل في سبيله وسنخبر الآخرين كيف التقينا "صدفة".
الصدف تحدث "صدفة", فلا نقول أن فلاناً وفلانة انفصلا صدفة, بل نقول صدفة تعارفا وهذا أيضا شيء جميل, ولكن ليس دائما, فغالباً ما يحمل هذا التعارف نهاياتٍ سيئةٍ كما حدث معي .
فقد تعرفت على ( ك. س.) صدفة في أحد اللقاءات الإجتماعية, وصدفة كما في الأفلام الهندية حدث أننا نستقل قطارا بنفس الإتجاه, فجلست بجانبها و تحدثنا طويلا .
وصدفة إكتشفتُ أني أحب موسيقى الجاز مثلها. وردّدتُ لها كما قال فولتير "الصدفة ....هي صاحبة الجلالة "
ويا "للصدفة "أيضا فقد جمعتنا الكثير من الإهتمامات المشتركة واننا نزور نفس الأماكن والأنشطة وأنا أفضل مثلها كل قوائم الطعام التي تحب .
ردّدتُ أمامها مرارا : فعلا ما أجمل الصدفة .
قالت :
"الصدفة هي الإلتقاء لواقعتين لا يوجد بينهما رابط، وإن كان لكل منهما سببه".
فكرتُ ,لابد أنها هي أيضا مثلي مهتمة بأسباب الصدفة وتبحث عنها.
ولكن إلامَ ترمي من وراء هذه العبارة يا ترى ؟؟؟ سألتها،
قالت: أنا أؤمن بالقدر, فإن له الكلمة الأخيرة دوما .
سأقول لكم سراً, في الحقيقة هي تعجبني منذ زمن طويل, لقد هيأت نفسي لمثل هذه الصدفة لأجعلها "حتمية تاريخية" حسب (كارل ماركس) .
فمنذ أربعة أشهر وأنا أتتبعها, وأسأل في الخفاء عنها, وكنت أنتظر الفرصة فقط لأقدم نفسي لها ليبدو الأمر "صدفة".
عندما وصلنا الى محطتها حيث منزلها ,هَمّت بالنزول ,فقلت: يا للصدفة هذه المحطة التي يجب أن أنزل بها أيضا.
ابتسمت بخبث وقالت :لا داعي ...فأنا "بالصدفة" أيضا عرفت أنك منذ أشهر تراقبني وتسأل عني.
وأضافت :القدر كائن ينصب الفخاخ على حين صدفة.
صَمَتُّ ، يالحظي السيئ... يا لسوء مخططاتي ,وليذهب كامير و يونج و مورغان ....وكل من ورطني الى الجحيم.
ترجلتْ من القطار وتركتني وحيدا َ,وقفتْ على الرصيف ملوحةً لي بيدها مودعة و ابتسامتها كابتسامة منتصرٍ مزق أشرعة السفن الغازية.
كنت أنظر اليها بقلب على أبواب الإحتشاء و كلي أسى لفشلي في تدبير "الصدفة".
ولكن .... وللصدفة أيضا ... وقبل أن أشير لها بيدي ,دفعها رجل سكير عابث تحت عجلات القطار .
يا إلهي ..... لقد صَدَقتْ.
نعم إن للقدر كلمته الأخيرة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مي زيادة.. فراشة الأدب التي انتهت إلى مشفى المجانين


.. نمشي ونحكي | حلقة جديدة مع الشاعر السعودي ناصر الفراعنة


.. بيت القصيد | الشاعرة اللبنانية سارة الزين | 2021-04-17




.. الليلة ليلتك: بيار شاماسيان قبل المسرح وين كان؟ وشو بيعرفوا


.. نكهة الشرق العربي.. في الأكل والسياحة والسينما