الحوار المتمدن - موبايل


قراءة تأملية في قصيدة : يحتشد فوق ناصية الرصيف...حداد أقدامنا الحافية-للشاعر التونسي القدير جلال باباي

محمد المحسن

2021 / 4 / 8
الادب والفن


(القصيدة تكتبني-جلال باباي )
قد لا يحيد القول عن جادة الصواب إذا قلت أن الشاعر كغيره من الشعراء لا في تونس فحسب،وإنما على امتداد الوطن العربي،يعيش حالة من القلق النفسي،والغربة والضياع الذي يفجر في دواخله هذه الثورة وذلك التمرد،تمرد على كل شيء،حتى على قلمه الذي هو الوسيلة التي يحفر بها ما تنبجس عنه أحاسيسه ومشاعره..سيما في زمن مرتهن لوباء لعين ينخر جسد العالم في نخاع العظم (كورونا)..
وإذن؟
إن الغربة التي يعاني منها الشاعر إذا،رغم أنه يعيش بين ظهراني أهله وصحبه،ويتمتع بصحبتهم في ربوع وطنه،ما هي الا حتمية من حتميات الغربة النفسية التي أفرزتها جراحات الأمة العربية على امتداد مسافاتها وتباين أقطارها،فهي غربة الحرف والكلمة واللغة والمصير المشترك كما يقول شاعرنا القدير جلال باباي أنها غربة الضياع والتمزق الذي ينتابنا اليوم،
وهاهو شاعرنا يدفعنا إلى "محتشد" الكلمات حفاة..ونكاد نكون عراة..فأصغوا إليه جيدا:

يحتشد فوق ناصية الرصيف...حداد أقدامنا الحافية
قمر هذا الشهر متجهٌم ،
أناس الليل مكمٌمة وجوههم
أرض النهار مقبرة
الكورونا تعبث بالمارٌين
وباعة التوابل المتجوٌلين
بعيدًا عن ذاك الضوء الخافت،
تحتضر غيمات في الأعالي
يحتشد فوق ناصية الرصيف
حداد أقدامنا الحافية
موصدة غرفة الروح
عليلة تلك السماء بلا قبٌرات
و وطني مرهق
ينتظر صحوة أخرى ،
أتينا من بعيد
نركض بهتافات الشهيد
نطوف الأمكنة الساكنة
كنٌا نعدً مأدبة رحيل مختلفة
كنٌا نسابق الضباب
بغمغمتين ومجداف
كنٌا نحدٌق جدٌا إلى أمٌهاتنا
ونمعن في الضٌحك ،
هنٌ سعيدات بقلوب من حرير
يعطٌرن الطريق
بوردة "فالنتاين" الحمراء
يلففن قمر فبراير
في وسادات الأطفال
يتكشٌفن على حجاب برزخ
يعجٌ بالنور
يليق بنا هذا العشق الصادق
يتماوج على أطراف جسدي
شجن مزمن ،
اختفت بطاقات التهنئة
غابت القبلات ،
خجلهنٌ الناعم
اخفته الكمٌامات،
ستبقى حرارتهنٌ
مقيمة على شفاه ممطرة
سأبقى مخلصا
لأمٌي التي أحببت
ففي أصابعي
يلتصق عبقها.
جلال باباي
(17فيفري 2021)

إشراقات اللغة الشعرية لدى الشاعر جلال باباي:
ونعني باللغة الشعرية ما تعارف عليه النقاد من استخدام الشاعر لمكونات القصيدة اللفظية ذات التداعيات والدلالات الإيحائية،وهو ما اتفقوا عليه بالمدلولات الانفعالية للكلمة،ولا يعنينا في هذا المقام ما قال به بعض النقاد من مفهوم للغة الشعرية بأنها الإطار العام الشعري للقصيدة،والتي يقصد بها مكونات العمل الشعري من ألفاظ وصور وخيال وعاطفة وموسيقا ومواقف بشرية.. وعليه ،فقد تميزت لغة شاعرنا بالشفافية والوضوح،فهو بعيد عن لغة التعتيم والتهويم في سرف الوهم واللاوعي،تلك اللغة التي تلفها الضبابية القائمة والرمزية المبهمة،فلغته ناصعة واضحة لا غموض فيها،وتعبر عن مضامينه بأسلوب أقرب فيه إلى التصريح المليح منه إلى التلميح،هذا يعني أن الشاعر ذو مهج تعبيري سلس،وقاموسه الشعري لا يحتاج إلى كد ذهني وبحث في تقاعير اللغة،وأنا إذ أصرح بهذا إنما أغبط شاعرنا على الرؤى الواضحة والألفاظ المعبرة بذاتها..
تجليات اللغة في أفق الإبداع:
اللغة هي الموروث،والإبداع معركة داخل ساحة هذا الموروث، والتجديد هو البحث عن صيغة تفترضها القصيدة. اللغة هي الأنا الجمعي،والأسلوب الشعري هو الأنا الفردي ،والعملية الإبداعية هي عملية تموضع الذات.
لغة القصيدة (يحتشد فوق ناصية الرصيف...حداد أقدامنا الحافية) واقعية وهذا -في حد ذاته– موقف محمل بالإثارة والثورة والتفجير،ولا تعني الواقعية هنا الابتذال والركاكة،وإنما تشكيل لغوي يمزج بين اللغة المحكية الفصيحة واللغة المثالية المنتقاة بعناية فائقة،وهذا ما جعل قراءتها سهلة قريبة من الذوق العام،وتنفد إلى الأعماق فتؤدي فعلها ببلاغة وإحكام.
تثير القصيدة الشعور والإحساس لدى القارئ بالقضية الشعرية التي يطرحها الشاعر،لهذا جاءت العاطفة صاخبة ومدوية،وذلك لتدفق شحناتها الملتهبة في قالب فني جميل.
إن الإلهام عند شاعرنا (جلال باباي) ليس ضرباً من ضروب الخيال،وإنما هو معاناة وتجربة مع الكتابة.
لقد ارتقى بنا الشاعر جلال باباي من المستوى الإفهامي العادي إلى المستوى التأثيري، فالشاعر أبدع في تحويل اللفظة من أداة إيضاحية في اللغة الشائعة إلى أداة إيجابية في اللغة الشعرية،وبلغ ببراعة واقتدار درجة التوازن الضروري بين الأصالة والمعاصرة باستعماله اللغة الواقعية البسيطة مع احتفاظه بعناصر الأصالة فيها،وحقق بذلك شيئين هما: الابتعاد عن الغموض الذي سقط فيه أغلب شعراء القصيدة الحديثة،والتعبير عن قضية معاصرة.
ختاما أقول: حاول الشاعر حينا أن يتحفنا بما جادت به قريحته،وأن يحلق بنا في خيالاته العلوية،ويصهرنا في أتون ثورته الداخلية المعطاءة حينا آخر،ولا يسعنا إلا أن نتمنى له ديمومة الإيداع ونأمل منه المزيد..
ولك مني يا جلال..تحية إكبار وإجلال..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مي زيادة.. فراشة الأدب التي انتهت إلى مشفى المجانين


.. نمشي ونحكي | حلقة جديدة مع الشاعر السعودي ناصر الفراعنة


.. بيت القصيد | الشاعرة اللبنانية سارة الزين | 2021-04-17




.. الليلة ليلتك: بيار شاماسيان قبل المسرح وين كان؟ وشو بيعرفوا


.. نكهة الشرق العربي.. في الأكل والسياحة والسينما