الحوار المتمدن - موبايل


المواجهة بين مصر وأثيوبيا

محمد حسن خليل

2021 / 4 / 8
مواضيع وابحاث سياسية


تصل المواجهة بين مصر وإثيوبيا حول قضية مياه النيل وسد النهضة إلى مرحلة حاسمة بإعلان إثيوبيا عن ملئ السد في الفيضان القادم (يوليو – أغسطس) منفردة بدون تشاور مع تعرض كل من مصر والسودان لمخاطر جمة تشمل عواقب نقص المياه المختلفة على توافر مياه الشرب والزراعة وتعرض سد الروصيرص والسد العالي لمخاطر جمة.
وتحاول إثيوبيا التغطية على الجريمة قيد الإعداد بكمية هائلة من الكذب والافتراء وتشويه كل من التاريخ والوضع القائم، فتدعي أنها محرومة من مياه النيل بسبب اتفاقيات جائرة تمت في ظل الاحتلال الأجنبي، تقصد اتفاقية عام 1902 لتقاسم المياه بين إثيوبيا ومصر والسودان. ومن هنا تنبع أهمية توضيح الحقائق المتعلقة بالموضوع.
إثيوبيا من دول الوفرة المائية بموارد مائية إجمالية سنويا حوالي عشرة آلاف متر مكعب من المياه لكل فرد، حيث يبلغ عدد السكان 110 مليون، وتتمتع سنويا بمصادر مياه متجددة من الأمطار حوالي 936 مليار متر مكعب، بالإضافة لحوالي خمسين مليار متر مكعب من النيل الأزرق وروافده داخل إثيوبيا بالإضافة إلى مثلهم من الأنهار الأخرى في إثيوبيا، فضلا عن استغلال بحيرة تانا ووفرة المياه الجوفية التي يتغذى خزانها المتجدد من الأمطار الهائلة.
أما مصر فهي من دول الفقر المائي حيث لا يحصل سكانها المائة مليون سوى على 55 مليار متر مكعب سنويا تأتى أساسا من النيل ومعظمها من إثيوبيا في موسم الفيضان، وبالتالي فنصيب الفرد من المياه لا يتجاوز 550 مترا مكعبا سنويا. لهذا تبلغ المساحة المزروعة في إثيوبيا حوالي خمسة وثلاثين مليون هكتار من الأرض الزراعية بينما هي العشر في مصر، أي نحو 3.5 مليون هكتار. وتبلغ أعداد الماشية في إثيوبيا 110 مليون رأس تعيش على المراعي التي تتغذى على مياه الأمطار، بينما تبلغ في مصر ثمانية ملايين رأس فقط تعيش على موارد المياه من النيل مصدر مصر من المياه.
ومع ذلك لا تطالب مصر إثيوبيا بقطرة واحدة من المياه زيادة على المليارات الخمسة والخمسين، حصتها التي أقرتها الاتفاقات الدولية عام 1902 و1959، ولكنها إثيوبيا التي تحاول تبرير حقها منفردة في تقليص تلك النسبة المتواضعة لصالحها. لهذا فليست المشكلة في عدم عدالة توزيع المياه أو هضم حقوق إثيوبيا فيها.
إثيوبيا تحتاج إلى السدود من أجل توليد الكهرباء من أجل التنمية، وهو الهدف الذي لا تعترض عليه مصر إطلاقا. إذن من أين يأتي الخلاف؟ ينبع الخلاف أولا من أن إثيوبيا تدافع عما تسميه حقوق السيادة في حقها وحدها في التحكم في مياه النيل باعتبارها دولة المنبع، بل وتعترض على أي اتفاق "ملزم" لها بأي شروط، ولكنها تتفاوض فقط لتحديد خطوط استرشادية لا تلزمها بأي شيء. تستند مصر إلى حق جميع الدول المتشاطئة في التحكم المشترك في مياه النهر بما لا يضر بأي من تلك الدول، خصوصا مع الأهمية الحاسمة للإدارة المشتركة لصالح جميع السدود على نفس النهر سواء في إثيوبيا أو السودان أو مصر.
ولا توجد أمثلة دولية على تطبيق مثل ذلك النوع من الاتفاقات المجحفة التي تطالب بها إثيوبيا، والتي تأتى على حساب دول المسار أو المصب للأنهار لصالح استبداد دول المنبع، إلا في سلوك غلاة الدول العدوانية مثل تحكم تركيا في دجلة والفرات على حساب سوريا والعراق، وتحكم إسرائيل في مياه نهر الأردن بتحويلها لري صحراء النقب على حساب حصة الأردن من المياه، وتحكم أمريكا في النهر المشترك بينها وبين المكسيك!
ويقتصر مطلب مصر فيما يخص حق إثيوبيا في توليد الكهرباء على المطالبة بأن تشتمل معدلات ملئ بحيرة السد على ما لا يضر بمصلحة مصر المائية، وكذلك على التعاون الفني في الإدارة المشتركة لعمل السد بالتنسيق مع السدود الأخرى على النهر كما سبق القول للحفاظ على حق جميع الدول في توليد الكهرباء وسلامة عمل السدود فيها كلها، وكذلك على مراعاة معدلات الملء في سنوات الفيضان المنخفض حتى لا يؤدى الإصرار على الملء بنفس المعدلات زمن الفيضان المنخفض لحرمان دول المسار والمصب للنهر من كل من المياه وقدرات توليد الكهرباء.
وإذا تم ملء سد النهضة بإثيوبيا بالطريقة والمعدلات التي تسير إثيوبيا فيها فسوف يؤدي ذلك إلى تقليص حاد لنصيب مصر من المياه مما يؤدى إلى تقليص المساحة المنزرعة من أرضها بنحو 1.8 مليون فدان من أراضي الوادي، أي نحو 20% من مساحة أرضها الزراعية، بل نحو ثلث مساحة أراضيها الخصبة في وادي النيل. كما سوف يؤثر على عمل السد العالي وكذلك على توليد الكهرباء منه. وبالمثل فسوف تؤدي تلك السياسة الإثيوبية إلى توقف سد الروصيرص في السودان عن العمل، وخسارة مساحة ليست بالقليلة من الأراضي المزروعة فيها.
طوال عشر سنوات من التفاوض حول موضوع سد النهضة وإثيوبيا تماطل وتزيف الحقائق من أجل استكمال بناء السد وفرض أمر واقع. وقد حانت اللحظة الآن بالنسبة لها التي تعلن فيها عن بدئها بملء السد وفق رؤيتها وبمعدلاتها، وعلى حساب الحقوق التاريخية في المياه لمصر والسودان، على حساب تجويعهم والإضرار الجسيم بمصلحتهم في التنمية وتوليد الكهرباء هم أيضا من سدودهم.
ومما يفضح النيات السيئة لمخطط إثيوبيا تصريحات مسئوليها من قِبَل سفيرها في إسرائيل التي تفاخر بأنهم سيحولون مصر إلى صحراء، وتصريحات المتحدث باسم الخارجية الإثيوبي في الإمارات بأن إثيوبيا تدافع عن حقها في توليد الكهرباء للاستفادة أيضا من تصديرها، وكذلك عن حقها في بيع المياه! وتلك الأهداف غير البعيدة عن خطط إسرائيل في تعاونها مع إثيوبيا والرامية إلى تعطيش مصر، ثم طرح حل المشكلة ببيع المياه لمصر، ولإسرائيل عبر الأراضي المصرية كشرط لحل المشكلة المائية لمصر.
لهذا صرحت مصر بأنها لن تقبل بتقليل حصتها من مياه النيل قطرة واحدة، وأن جميع الخيارات مفتوحة أمامها من أجل ذلك. ومن المعروف أن القانون الدولي يبيح الحرب في حالات قليلة معدودة منها العدوان على الموارد المائية للشعب وتهديده في شربه وأكله وزراعته. كذلك من المعروف أن سياسة البلطجة الإثيوبية والاستهانة بمصالح الدول المتشاركة مع إثيوبيا في مجرى النهر لا يمكن إلا أن تدفع بتلك الدول إلى الرد الحاسم والقوي.
عرضت مصر على إثيوبيا الاقتسام العادل لمياه النيل وفق القواعد المستقرة طوال القرن العشرين والذي لا يضر إطلاقا باحتياجات إثيوبيا المائية، كما لم تنكر مصر إطلاقا حق إثيوبيا في توليد الكهرباء ولا حقها في التنمية. بل أكثر من ذلك عرضت على إثيوبيا أن تتشارك مع إثيوبيا مشاريع للتنمية المشتركة في مجالات التعليم والصحة والمرافق والمشاريع الإنتاجية بالمعونة المصرية، كما عرضت عليها إمدادها بالكهرباء المتوفرة لدى مصر بأكثر من احتياجاتها حتى تتمكن إثيوبيا من تحقيق الاكتفاء الذاتي من مشاريعها الخاصة لتوليد الكهرباء عندها. ولكن إثيوبيا قابلت كل تلك المشاريع بالرفض.
تذرعت مصر بالصبر وحاولت مد حبال التفاوض للحد الأقصى، ووسطت الاتحاد الإفريقي ولم يأتِ ذلك بنتيجة، بل وللأسف لم يصرح الوسطاء حتى بحق مصر في أن يكون الاتفاق مع سد النهضة ملزما لجميع الدول الموقعة عليه وليس اختياريا واسترشاديا! وكذلك رفضت إثيوبيا طرح مصر بتوسيع نطاق التفاوض لكي يكون بمشاركة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وأمريكا بجانب الاتحاد الأفريقي، ورفضت إثيوبيا كل ذلك. والوضع في منتهى الخطورة، والاختيارات مفتوحة لمواجهة عنيفة أيا كانت الأشكال التي سوف تتخذها، فلن تعرض مصر شعبها للعطش وبوار الزراعة ونقص توليد الكهرباء، ويبقى على العالم بأجمعه مواجهة الصلف الإثيوبي في حرمان مصر من حقوقها المشروعة.
7 إبريل 2021








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سلطات كردستان: استهداف مطار أربيل لم يسفر عن أي خسائر


.. الحريري يصل إلى موسكو لبحث تشكيل الحكومة


.. جلسة للبرلمان لمناقشة رفض قانون المحكمة الدستورية




.. مخاوف غربية متصاعدة من حشود عسكرية روسية على الحدود


.. قصة مؤ_لمة.. من الحلقة بساحة الفنا إلى التــ_ـــسول :عايش كن