الحوار المتمدن - موبايل


هل الصين دولة اشتراكية أم دولة رأسمالية ؟

حزب الكادحين

2021 / 4 / 15
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم


‏ على شبكات التواصل الاجتماعي، في الاحتجاجات أو في وسائل الإعلام، نسمع أحيانًا أن الصين ‏دولة اشتراكية، أو أحيانًا أنها شيوعية، ومنذ الاختفاء الغامض لجاك ما ‏‎(Jack Ma)‎، الملياردير ‏والمدير التنفيذي لشركة علي بابا، انتشرت هذه الكلمات أكثر فأكثر. في حين أن هذه التصريحات تأتي ‏في معظم الأحيان من البرجوازية المعادية للشيوعية بشكل علني، يمكننا أيضًا سماعها من الأشخاص ‏الذين يسمون أنفسهم شيوعيين و/أو ثوريين. وهكذا، فإن‎ ‎حركة الشباب "الشيوعيين" في فرنسا ‏‎(MJCF)‎‏ والحزب "الشيوعي" الفرنسي‎ (PCF) ‎يدعمان صراحة النظام الصيني، ويصفه بعض ‏أعضاء هذه المنظمات بأنه اشتراكي. لذلك ماهي طبيعة النّظام الصّيني حقا ؟ في هذا المقال سنقوم ‏بتحليل النظام الصيني للإجابة عن هذا السؤال‎.‎
ما هي الاشتراكيّة ؟
‏ أولا، علينا تحديد ما هي الاشتراكية. الاشتراكية هي إذن مرحلة الانتقال بين الرأسمالية والشيوعية. ‏وبالتالي فهي لا علاقة لها بالحزب الاشتراكي (الفرنسي)، الذي لا يحمل من الاشتراكية سوى الاسم ‏ولكنّه ينسجم تمامًا مع إطار النظام المؤسساتي البرجوازي الفرنسي. وتتدخّل الاشتراكية بعد استيلاء ‏الثوار على السلطة، فهي إذن مرحلة تطور للمسار الثوري‎.‎
‏ بشكل ملموس، خلال المرحلة الاشتراكية، يتم إضفاء الطابع الاجتماعي على وسائل الإنتاج، أي كل ‏ما يستخدم بشكل مباشر أو غير مباشر في إنتاج السلع (المصانع، الأدوات، وسائل نقل البضائع، ‏الأراضي الزراعية، الشركات التجارية، إلخ). وهذا يعني أن هذه الوسائل التي امتلكتها البرجوازية في ‏إطار النظام الرأسمالي قد تمت مصادرتها وأصبحت مجمّعة. وهكذا، في إطار المجتمع الاشتراكي، ‏تتغير غاية إنتاج البضائع تمامًا: في ظل الرأسمالية، تستغل البرجوازية العمال وتبيع البضائع التي ‏ينتجونها من أجل تحقيق أقصى ربح وتراكم رأس المال. وفي ظل الاشتراكية، يتم إنتاج السلع من أجل ‏استخدامها الحقيقي، ولأي غرض تستخدم، ولما يسميه كارل ماركس "قيمة الاستخدام" وليس من أجل ‏الربح‎.‎
‏ وهكذا تخلّص الاشتراكية الإنتاج من الطلب على الربح والربحية، فالمهم هو الإنتاج لخدمة مصالح ‏الشعب. في إطار الاشتراكية، وبما أنّه تمّت مصادرة وسائل الإنتاج من البرجوازية وتجميعها، فإن ‏البروليتاريا هي التي تملك السلطة وتتحكم في أجهزة الدولة. إنّه انقلاب كامل للسلطة، لأنه في إطار ‏النظام الرأسمالي، تحتفظ البرجوازية بالسلطة والبروليتاريا هي الطبقة المسيطَر عليها، وهي تخضع ‏لحكم البرجوازية، بينما في ظل الاشتراكية، على العكس من ذلك، فإنّ البروليتاريا هي التي تمسك بزمام ‏السلطة وتصبح البرجوازية هي الطبقة المسيطَر عليها. وهذا ما يسمى "دكتاتورية البروليتاريا"، وهي ‏دكتاتورية تمارسها غالبية الشعب والعمال وعائلاتهم ضد أقلية المستغِلين، ضد الطفيليات المضادة ‏للثورة التي كانت تملك في الماضي مفاتيح السلطة وتستغلّ البروليتاريا‎.‎
‏ في إطار المجتمع الاشتراكي، يتم التخطيط للإنتاج على مستوى المجتمع بأسره لخدمة أفضل لمصالح ‏الشعب. بشكل ملموس، هذا يعني أنه بانتظام (كل خمس سنوات على سبيل المثال) يتم نشر خطة إنتاج ‏بهدف تطوير المجتمع وتحسين الظروف المعيشية للشعب وبالتالي إنتاج ما يحتاجه السكان - ونحن لا ‏نتحدث هنا فقط عن الاحتياجات الأساسية، ولكن أيضًا عن الترفيه وكل ما يجعل الحياة ممتعة-‏‎.‎

‏ فالاشتراكية، بالتالي، ليست سوى مرحلة من مراحل تطوّر الثورة، لأن الثورة في ظل الاشتراكية لم ‏تحقق بعد كل أهدافها. في النهاية، وكما يعلمنا كارل ماركس، لا يمكن للشيوعية الحقيقية أن توجد إلا ‏على نطاق عالمي، عند قيام جميع شعوب العالم بالثورة، والإطاحة بنظام بلدانهم وتأسيس الاشتراكية ‏بدلا منه. عندها فقط يمكن للدول، في شكلها الاشتراكي، أن تختفي تمامًا لأنه لم تعد لها أيّ فائدة، ويمكن ‏للشيوعية أن تسود على نطاق عالمي‎.‎
ماذا عن الصين؟
‏ في عام 1949، أدى انتصار الثورة في الصين، ووصول الحزب الشيوعي الصيني إلى السلطة، ‏بقيادة ماوتسي تونغ، إلى تمهيد الطريق لتطور الاشتراكية في البلاد. من عام 1949 إلى عام 1953، ‏تمت مصادرة ممتلكات كبار ملاك الأراضي وأعيد توزيع أراضيهم على أكثر من 300 مليون فلاح، ‏كانوا حتى ذلك الحين محرومين من الأرض. منذ عام 1953، تم اتخاذ خطوة جديدة في الصين حيث ‏تم تجميع الأراضي المعاد توزيعها بشكل جماعي. من 1958 إلى 1960، سمحت القفزة الكبيرة إلى ‏الأمام أيضًا للصناعة الصينية بالتطور على نموذج اشتراكي (مصانع جماعية). جعلت هذه القفزة ‏الكبيرة إلى الأمام من الممكن، على المدى الطويل، تحسين الظروف المعيشية للشعب الصيني بشكل كبير ‏بفضل التصنيع، كما يتضح من متوسط العمر المتوقع في الصين، والذي ارتفع من 35 سنة في عام ‏‏1949 (وصول ماوتسي تونغ إلى السّلطة) إلى 65 سنة في عام 1976 (وفاة ماوتسي تونغ)، ومحو ‏الأمية الذي ارتفع خلال نفس الفترة من 15٪ إلى ما بين 80 و90٪. والأهم من ذلك، أن القفزة الكبرى ‏إلى الأمام وضعت السياسة - وبالتالي، في الدولة الاشتراكية، مصالح العمال - في مركز قيادة تنظيم ‏الإنتاج. بالإضافة إلى ذلك، رافق التصنيع تطورات مهمة للغاية للعمال الذين استطاعوا الاستفادة بشكل ‏حقيقيّ من الحق في السكن والرعاية الصحية المجانية. وأدّت الثورة الثقافية، من عام 1966 إلى عام ‏‏1976، إلى زيادة تطور الاشتراكية في الصين من خلال زيادة مشاركة الجماهير الشعبية في تنظيم ‏الحياة اليومية، سواءً في مكان الإقامة أو مكان العمل أو مكان الدراسة، كما يتضح من السلسلة الوثائقية ‏‏"كيف حرّك يوكونغ الجبال ؟" التي أنتجت إبان الثورة الثقافية وبثت عام 1976‏‎.‎
‏ فقط، منذ عام 1976، حققت الصين انعطافا خطيرا، وبالتالي عادت إلى الاقتصاد الرأسمالي. هذا ‏الانعطاف لا يأتي من فراغ، بل هو نتيجة صراعات خطية مكثفة داخل المجتمع الصيني، بين الجناح ‏اليميني للحزب الشيوعي الصيني، الراغب في العودة إلى الرأسمالية والخط الأحمر للحزب الذي يرغب، ‏على العكس من ذلك، في مواصلة بناء الاشتراكية من أجل السير نحو الشيوعية. وهكذا، خلال الثورة ‏الثقافية، حاول ماوتسي تونغ وأنصار الخط الأحمر الآخرين تنحية أنصار الخط اليميني جانبا من أجل ‏انتصار الثورة الاشتراكية. على العكس من ذلك، نظم أنصار الخط اليميني أنفسهم كقوة حقيقية مضادة ‏للثورة. في عام 1977، مستغلاً وفاة ماو مؤخرًا، نجح دنغ شياو بينغ، الذي أطيح به من السلطة خلال ‏الثورة الثقافية، في تنفيذ انقلاب واستولى على السلطة. وهو ينتهج سياسة تصفية جميع مكاسب فترة ‏ماو، وصفه الإعلام البرجوازي بأنه "إصلاحي براغماتي"،‎.‎
‏ مع دنغ شياو بينغ، البرجوازية هي التي استعادت السلطة مباشرة في الصين. وهكذا، منذ عام ‏‏1978، انفتحت الصين على الاقتصاد الرأسمالي العالمي، على سبيل المثال من خلال إنشاء منطقة ‏اقتصادية خاصة في شينزن. وقد سمح ذلك للقوى الإمبريالية العظمى في ذلك الوقت (فرنسا، المملكة ‏المتحدة، الولايات المتحدة، ألمانيا، كندا، اليابان، إيطاليا) بالاستثمار بشكل كبير في الصين، لاستغلال ‏البروليتاريا الصينية التي، بالإضافة إلى أنّها وجدت نفسها محرومة من السلطة، يجب أن تكون من الآن ‏فصاعدًا مجبرة على العمل مباشرة من أجل تكديس الأرباح لكبار أرباب الشركات الإمبريالية. على ‏عكس الأفكار الاشتراكية، يروّج دنغ شياو بينغ للنجاح الفردي وريادة الأعمال الرأسمالية، لا سيما من ‏خلال عبارتين مشهورتين: "البعض يجب أن يثري أولاً !" و "أن تصبح ثريًا أمر رائع ‏‎!‎‏".‏
‏ في عام 1989، سحق القمع المظاهرات الكبرى في ميدان تيانامين بهدف معارضة عودة الرأسمالية. ‏منذ تسعينيات القرن الماضي، في عهد جيانغ زيمين، خلفُ دنغ شياو بينغ، انتهت الموجة الثانية من ‏الإصلاحات الاقتصادية إلى تدمير الإنجازات التي حققتها الثورة الاشتراكية بقيادة ماوتسي تونغ ‏والجماهير الشعبية الصينية. تمت خصخصة العديد من الشركات، واشترى المدراء أسهمها، وأصبح ‏العديد من العمال زائدين عن الحاجة. لم يكن هناك عودة إلى الوراء منذ ذلك الحين، لا في عهد هو ‏جينتاو ولا في عهد الرئيس الصيني الحالي شي جين بينغ. على العكس من ذلك، استمرت الرأسمالية في ‏التطور في الصين منذ أن نقلت الشركات الرأسمالية في الدول الإمبريالية الكبيرة إنتاجها إلى الصين ‏خلال التسعينيات من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين بسبب انخفاض تكاليف ‏العمالة الصينية بفضل قانون العمل المرن للغاية الذي قدمته الدولة الرأسمالية الصينية‎.‎
‏ مكّنت عمليات النقل هذه الصين من تطوير اقتصادها على نطاق واسع وبالتالي إنشاء شركات صينية ‏كبيرة، مثل علي بابا أو شاومي أو حتى هواوي. هذه الشركات، التي تنتج المليارات، تسمح لرؤسائها ‏التنفيذيين ومساهميها بتكديس ثروات ضخمة، مثل‎ Ren ‎، الرئيس التنفيذي لشركة‎ ‎هواوي‎ ‎الذي تتجاوز ‏ثروته الشخصية 3 مليارات دولار. اليوم، تستثمر الصين، من خلال شركاتها الكبيرة (العامة والخاصة) ‏بشكل كبير على الصعيد الدولي، وبالتالي تصدّر رأس المال، وهو، بحسب لينين، إحدى الخصائص ‏الأساسية للإمبريالية. منذ عام 2019، تجاوزت حصة الشركات الخاصة في الصادرات الصينية حصة ‏الشركات العامة‎.‎
‏ علاوة على ذلك، من المهم توضيح أن الشكل القانوني للشركة ليس عنصرًا كافيًا لتحديد ما إذا كانت ‏مجمعة أم لا. أمّا في الواقع، فإنّ الماركسية تدعو إلى تجميع وسائل الإنتاج، وليس مجرد تأميمها. ‏وهكذا، في الواقع، في الصين، فإن الشركات المملوكة للدولة هي مؤسسات رأسمالية وتعمل على هذا ‏النحو: فهي لا تدار بشكل ديمقراطي من قبل العمال ولكن من قبل أصحاب الأسهم (وفي مقدّمتهم الدولة ‏الرأسمالية)، فهي تحقق ربحًا يستولي عليه التنفيذيون في الشركة ( التي على رأسها رئيس تنفيذي) على ‏حساب العمال وهم يستثمرون في الخارج لمصالح البرجوازية الصينية. على سبيل المثال، يمكننا ‏الاستشهاد بشركة‎ Tencent ‎، والتي، على الرغم من امتلاكها الشكل القانوني لشركة عامة، فقد ‏سمحت لمؤسسها‎ Ma Huateng ‎‏ بتجميع ثروة قدرها 13.4 مليار دولار. يمكننا أيضًا الاستشهاد ‏بـSinopec ‎، وهي مجموعة نفطية صينية ضخمة، تستغل حقول النفط في الكاميرون ونيجيريا ‏لصالح الإمبريالية الصينية‎.‎
بعيدًا عن الطابع الرأسمالي لتنظيم الإنتاج في الصين، من المهم جدًا ملاحظة أن الدولة الصينية تتمتع ‏بكل خصائص الدولة الاشتراكية الفاشية. في الواقع، تعتبر الشركات في الصين مهمة للغاية. هذا يعني ‏أنه من أجل حل المشاكل وسحق الصراع الطبقي، لا تمرّ الدولة الصينية عبر البرلمان بل تتفاوض ‏مباشرة مع الشركات التي تمثل مصالح أصحاب العمل من ناحية ومصالح العمال من ناحية أخرى، في ‏مختلف القطاعات. وهذا يسمح للدولة بتهدئة العلاقات الاجتماعية وكسر وحدة الطبقة العاملة من خلال ‏محاولة خلق وحدة مصطنعة بين العمال ورؤساء نفس قطاع النشاط، في نفس الشركة‎.‎
‏ وبالتالي، فإنّ الصّين لا تتمتع بأيّ حال من الأحوال بخصائص الدّولة الاشتراكية، وسيكون من الكذب ‏قول ذلك. ومع ذلك، فإن‎ ‎الحزب "الشيوعي" الفرنسي يدافع عن هذا الخط (بدون لفظ كلمة "اشتراكية"). ‏في الواقع ، خلال زيارة للصين في عام 2019 ، أكد فابيان روسيل، السكرتير الوطني للحزب ‏الشيوعي الفرنسي ، أن الصين في عهد شي جين بينغ قد انتهجت سياسة "تهدف إلى إعادة توزيع الثروة ‏المنتجة بشكل أفضل". ولكن أيضًا أن مشروع طرق الحرير الجديدة - وهو مشروع مهم جدًا للنظام ‏الصيني، بما أنّه يهدف إلى توسيع قوتها الإمبريالية – فتح "أفقا للتعاون المتوازن، وتحقيق السلام ‏والأمن الجماعي".‏
‏ هذا موقف انتهازي للحزب "الشيوعي" الفرنسي الذي يأمل، من خلال الدفاع عن النظام الصيني، أن ‏يجتذب حظوة الأخير وبالتالي زيادة مساهمات الدولة الصينية في عيد الإنسانية من أجل إنقاذ الجريدة ‏التي تحمل الاسم نفسه (الإنسانيّة) من إفلاسها. لكن هذا الموقف الانتهازي - الذي يمثل توضيحًا جيدًا ‏لما حدث للحزب الشيوعي الفرنسي، وهو حزب انتهازي، اشتراكي ديمقراطي، تخلّى تمامًا عن أي ‏توجّه ثوري - خطير ويجب محاربته. إنّ واقع البروليتاريا الصينية ليس بأي حال من الأحوال واقع ‏البروليتاريا في دولة اشتراكية: فالأجور منخفضة جدًا ولا تسمح مطلقًا بمستوى معيشي مرضٍ، ‏والشركات تُدار بهدف الربحية وتراكم رأس المال، والدولة بالكامل يسيطر عليها الحزب الشيوعي ‏الصيني الذي يمثل، منذ نهاية السبعينيات، مصالح البرجوازية الصينية بشكل مباشر، والعمال الذين ‏ينظمون أنفسهم لمحاربة النظام من أجل التقدم نحو الثورة الاشتراكية يسجنون ويتم قمع الإضرابات ‏بقسوة، لصالح مفاوضات الشركات. كان هذا هو الحال في عام 2014 عندما أضرب عشرات الآلاف ‏من الكادحين الذين يعملون في مصانع تنتج أحذية نايك ‏‎ (Nike)‎وأديداس‎ (Adidas) ‎للمطالبة ‏بظروف عمل أفضل. وبهذه المناسبة، لم تتردد الدولة الصينية في اعتقال العديد من المضربين وإرسال ‏الشرطة لضربهم، والدفاع المباشر عن مصالح شركتي‎ ‎أديداس ونايك.‏
ومع ذلك، في عصر الإمبريالية، وبشكل أكثر تحديدًا انهيار الإمبريالية، لا يكفي التأكيد على أن الدولة ‏الصينية رأسمالية. ففي الواقع، هي أيضًا دولة إمبريالية، بل إنّها إحدى القوى الإمبريالية الرئيسية في ‏العالم (بعد الولايات المتحدة). في الواقع، الإمبريالية، حسب لينين، هي مرحلة تطور الرأسمالية التي ‏وصلت فيها الاحتكارات الرأسمالية الكبرى إلى مستوى من التطور بحيث يكون دورها في الحياة ‏الاقتصادية حاسمًا. من هناك تنشأ استثمارات كبيرة في الخارج، على أراضي البلدان المهيمَن عليها، من ‏أجل الحصول على المواد الخام لهذه البلدان، من أجل استغلال المزيد والمزيد من القوى العاملة ومن ‏أجل الحصول على حصة في السوق. لذا، إذا نظرنا إلى قائمة أكبر خمس عشرة شركة في العالم من ‏حيث حجم الأعمال، يمكننا أن نرى أن من بينها ثلاث شركات صينية، مما يؤكد وجود احتكارات ‏رأسمالية صينية كبيرة. المنطق هو نفسه من حيث القيمة السوقية، لأن شركتين من أكبر عشر شركات ‏في العالم وفقًا لهذا المعيار هما شركتان صينيّتان (علي بابا وتينسنت)‏‎.‎
أمّا بالنسبة للاستثمارات الصينية في الخارج، فالدولة تمتلك مخزونا كبيرا من الاستثمارات الأجنبية ‏المباشرة في الخارج. وتعمل اليوم الدولة الصينية على زيادة استثماراتها في الخارج بشكل كبير، خاصة ‏في إفريقيا ولكن أيضًا في آسيا والشرق الأوسط. هذا يسمح للصين بزيادة حصتها في السوق بشكل كبير ‏في العالم. وهكذا، على سبيل المثال، في أفريقيا، بين عامي 2000 و2017، ارتفعت حصص السوق ‏الصينية من 3٪ إلى 18٪. في الوقت نفسه، تعمل الدولة الصينية على تطوير سياسة القروض السامة ‏التي تهدف إلى وضع اليد على المواد الأوّليّة والبنية التحتية، في إفريقيا، ولكن ليس هذا فقط. في الواقع، ‏بين عامي 2005 و2017، تم إقراض 137 مليار دولار من الدولة الصينية إلى الدول الأفريقية، ‏بهدف معلن هو تمويل مشاريع تشييد البنية التحتية، ومع ذلك، تحتوي هذه القروض عمومًا على بنود ‏ضمانات تنصّ على أنه في حالة التخلف عن التسديد - وهو أمر مرجح جدًا نظرًا لانخفاض الجدارة ‏الائتمانية للدول التي تقرضها الصين - يمكن السداد مباشرة من خلال المواد الخام أو البنية التحتية. ‏وهكذا، في عام 2015، اضطرت سريلانكا، بعد أن اقترضت عدة مليارات من الدولارات من الصين ‏لتمويل بناء ميناء ضخم في جنوب الجزيرة، إلى التنازل عن السيطرة على الميناء للدولة الصينية لمدة ‏‏99 عامًا، مما سمح بذلك للإمبريالية الصينية أن تضع يدها على بنية تحتية كبيرة للميناء تقع على ‏طريق مشروع طرق الحرير الجديدة‎.‎
وهكذا، في حين أن الإمبريالية هي التناقض الرئيسي في هيكلة حركة العالم، فإن النظام الصيني، الذي ‏تحكمه مباشرة البرجوازية الاحتكارية الصينية، يطور قوته الإمبريالية ويظهر أكثر فأكثر كأحد الأعداء ‏الرئيسيين للعديد من شعوب العالم، تجد نفسها تعيش في بلدان تحت هيمنة الإمبريالية الصينية. لذلك فإن ‏الموقف الثوري حول هذا الموضوع هو عكس الموقف الانتهازي للحزب "الشيوعي" الفرنسي وجزء ‏كبير من حركة الشباب "الشيوعيين" في فرنسا، لأنه يتألف تحديداً من شجب الإمبريالية الصينية وليس ‏دعمها على أساس أن الدولة الصينية دولة رأسمالية أعيد طلاؤها باللون الأحمر. هذا هو الموقف الذي ‏نحتفظ به في "قضية الشعب"، لأننا، كصحيفة تدافع عن الثورة الاشتراكية باعتبارها الحل الرئيسي ‏لمشاكل العالم، نضع أنفسنا في صف البروليتاريا الصينية وكذلك إلى جانب الشعوب التي تسيطر عليها ‏الإمبريالية الصينية، وليس إلى جانب نظام شي جين بينغ وكبار الأعراف الصينيين الذين يزدادون ثراءً ‏على حساب العمال الصينيين والعديد من شعوب العالم قاطبة‎.‎
‏--------------------------------------------------------------------‏
المصدر: قضيّة الشعب ‏‎(La Cause du Peuple)‎، 23/2/2021. ‏
ترجمة طريق الثّــورة، نشريّة سياسيّة ناطقة باسم حزب الكادحين








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. غزة: مقتل 33 فلسطينيا على الأقل جراء الغارات الإسرائيلية في


.. قصف جوي إسرائيلي يدمر مكتب زعيم حركة حماس في غزة


.. الرياض: ندعم الشعب الفلسطيني انطلاقا من عدالة قضيته




.. كلمة وزير الخارجية المصري بمجلس الأمن


.. عاجل.. كلمة المندوب الإسرائيلي أمام مجلس الأمن#