الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


و بقيت عالقاً بالذاكرة ، طوال النهار .

يوسف حمك

2021 / 4 / 16
الادب والفن


لحظاتٌ كثيرةٌ في مكان عملي هادئةٌ ، يتلاشى الضجيج فيه تدريجياً ، ليتموضع الصمت مكانه .
و لما كان الهدوء يوقظ المشاعر الدفينة في دهاليز صدورنا ، ففي عمق السكون نبدأ بقلب صفحات الذاكرة ، لنشتم عبق أيامٍ مليءٍ بالابتسامات ، فتغمرنا فرحةٌ قد لا تطول ، كونها الشجون و الحسرات و الأفراح في تزاحمٍ و تدافعٍ دوماً .

كانت عقارب الساعة قد تجاوزت السادسة قبيل بزوغ الشمس ، و صباحي كان مفخخاً بالهم و بعض القلق ، حينما أقبلت فتاةٌ تحمل ملامح من تكون ضمن أولويات حافظة ذاكرتي ، و الأسبقية لها بالنسبة لاهتماماتي .

دخولها المتجر كان بمثابة شبه اقتحامٍ . شرعت أتفحص خلسةً و بعنايةٍ فائقةٍ حقول وجهها الناضجة بالملامح المريحة التي تغسل الهموم ، و تزيل القلق . مع المقارنة بملامح الغائبة عن العين و الحاضرة في الذهن دوماً .

الملامح كانت قريبةً على مرمى بصري ، و الوقت كان كافياً لأن أحشد جل تركيزي ، فتتضح التفاصيل أكثر . و أنا أستعيد وجهاً صبوحاً غائباً منذ زمنٍ بمؤازرة خيالٍ واسعٍ .
بدا التطابق مماثلاً ، و التجسيد كان شبيهاً جداً .

وجهٌ عليَّ جديدٌ ، لكنه مستأنسٌ ، تراءى لي كأنه اعتياديٌ ، و في عداد المألوف مندرجٌ .
ابتسامةٌ عريضةٌ ارتسمت على شفتيَّ ، و اندفعت من داخلي موجةٌ عارمةٌ من المشاعر الدفيئة الهاطلة بوابلٍ غزيرٍ من الوداعة و اللطف و الدماثة .
نفحاتٌ هائلةٌ من الانعاش النفسيِّ ، اقتنصتها من واحة وجهها الغنية بمعايير الجمال و الرقة و خفة الدم ، قبل أن تتآمر عليَّ بالانصراف .

تركتني وحيداً بعد أن أغرقتني في وساوس الحيرة و الخلط بين الماضي و الحاضر .
وظَّفت وجهها لقلب الحاضر ماضياً ، و إلغاء الواقع على حساب الخيال ، و إن كانت ماثلةً أمامي بوجودٍ فعليٍّ .
نجحت بربط برهةٍ من الوقت الحاضر بسياق الزمن الماضي . بحيث باتت اللحظات العتيقة محوريةً ، و إن تداخَلَ الزمنان معاً و تشابكا في النهاية .
انصرافها لم يكن انتحاراً لتلك اللحظات الممتعة ، بل إن ومضة سحنتها جعلتني أقضي النهار كله على قيد حلم الزمن الآبق .

ظلت عيناي غارقتين بتفاصيل وجهٍ ودودٍ وديعٍ قابعٍ في أقبية الذاكرة منذ أعوامٍ ، و بدأ يحوم حولي بكل الأرجاء .
و تفجَّرت لهفةٌ مجنونةٌ ، تحاول ابتلاع المسافات الطويلة بشراهةٍ ، لسحب الزمن خلفاً .
القلب أمسى مرهقاً بحنينٍ صادقٍ ، و ضاق به ذرعاً . فما كان ليهدأ إلا بعناق الغائب البعيد .
وجع ودي لها رائعٌ ، و ألم أشواقي إليها مستأنسٌ ، و حنيني لها بعد ملء القلب فائضٌ متدفقٌ .

الإحساس بفقد من تحب قاسٍ . و الأقسى عندما يكون المغيث للاستنجاد هو الغياب ، و الذهن من التفكير بها لا يحيد .
و الأشد حيرةً حينما تكون الروح المنهكة بلهفة العناق على يقينٍ ، إن اللقاء بالغائب البعيد لا يكون بإبداع العقل ، و لا باختلاق الذكاء ، و لا بماردٍ يخرج من المصباح السحريِّ بمجرد لمسه لتلبية الرغبة . بل مرهونٌ بالحالة النفسية للظروف ، أو طبقاً لمزاج المجهول .

غيابها يتنامى في حنايا القلب إلى حضورٍ دائمٍ ، و يجثم على الصدر ، فيكاد يكتم الأنفاس .
إتيانها عصيٌّ ، و مجيؤها عنيدٌ . و القلب بوهج صفيح الشوق الساخن محترقٌ .

مؤلمٌ أن تحتسي نوبات الحنين من كأس الفراق ، و أنت تحاول لملمة أشلاء الصبر المبعثرة منعاً لتراخي الزمن في سيره ، أو احتضار الوقت .
إنه اللايقين المزعج عندما يكون موعد تحقيق المبتغى غامضاً تحت رحمة الإجهاض ، و الفرج يحتفظ بحق اللقاء خلطاً بين الممكن و المستحيل ، فيتراكم الكدر في أقبية الصبر الذي يبلغ مرحلة الاحتضار ، لو لم تسعفه جرعة مصلٍ من الأمل .


و في ذات السياق ، لكن خارج نطاق العواطف و الاشتياق ، يقول الفيلسوف اليونانيُّ أرسطو : “ الذكريات و سيلةٌ لتخيل المستقبل ، و ليست مجرد تدويناتٍ لحياتنا في الماضي "

أي للذكريات منفعةٌ لبناء المستقبل ، كونها تعتبر منهلاً لإمدادات البيانات و المعطيات التي تدعم التأمل و التفكير في دراسة الخطط و المشاريع المستقبلية ، من خلال التدرج الذهنيِّ بين الماضي و الحاضر لصنع الإبداع للأيام اللاحقة .
و لكن على النقيض من التقوقع و الانعزالية ، و هيمنة الماضي على العقول و التزمت الفكريِّ ، و تقديس الإرث السلطويِّ .
و الأخطر شيوع ذهنية التحريم باسم الأديان و الأعراف البالية ، و التفسيرات السلفية في ظل اختفاء الحواجز و الحدود الجامدة بين الحضارات ، و نحن قطعنا شوطاً أولياً من الألفية الثالثة .
و يا لهول تلك العقول العقيمة !!!!!!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الفرح اللى حضره كل النجوم.. عمرو دياب وتامر حسنى بيغنوا سوا


.. الفنان السوري هاني شاهين: -أنا ومدامتي عايشين عالزعتر والزيت




.. -إذا بدك تحكي فلازم تحكي الحقيقة-.. اليوتيوبر يمان نجار يردّ


.. الموسيقار نادر عباسى: أنا ضد منع أى شخص من الغناء وانتشار ال




.. عمرو دياب يغني مع حميد الشاعري وتامر حسني ومصطفى قمر «جلجلي»