الحوار المتمدن - موبايل


هناك.... حيثُ كنّا ندافعُ عن الوطن

عادل عبدالله

2021 / 4 / 18
الادب والفن


هناك ..... حيث كنّا
ندافع عن الوطن

- الفصل الأول من الرواية -


-1-

(شاعرٌ، مثقفٌ، هادئ، يقرأ الكتب معتزلاً عن الجنود، كلّما سنحتْ له فرصة لذلك).
هذا هو مضمونُ التقرير الحزبي الذي رفعه أحدُ الرفاق عنّي بعد تكليفه بذلك من قبل المسؤول الحزبي لوحدتي العسكرية .
كانت مجموعةُ الأعراض الشخصية (المشينة) تلك، كافيةً في عُرف ضابط استخبارات مدرسة تدريب الدروع في أبي غريب، لإثارة الشكوك حول خطورة بقائي لفترة طويلة في وحدته.
غير أنّ ما ورد بشأن سيرتي المريبة هذه، لم يكن في حقيقته سوى أخبار وشائعات فحسب، لذا، ومن أجل أنْ يقطع الشك باليقين، أرسل الملازم "عبد الغني" كتاباً سريّاً وعاجلاً الى منظمة حزب البعث في المنطقة التي أسكن فيها، لبيان رأيهم في سلوكي وعائلتي وتوجهي السياسي.
ولّما جاء ردّ المنظّمة عاجلاً هو الآخر، مطابقاً لتصورات وشكوك الملازم عبد الغني، أرسل على الفور بطلبي للتحقيق معي.
لم يكن هناك من مجال يسمح لي بإنكار مضمون السؤال الواضح المباشر الذي توجه به الي، حين قال:
- هل سبق لك أنْ أعتُقلتَ من جهة حكومية بجريمة سياسية؟
قال ذلك وهو يحدّق في حزمة الأوراق التي فرَشَها على منضدة مكتبه والتي كانت تتضمن بالتأكيد تقارير منظمة الحزب في منطقتي.
أجبته على الفور،
- نعم سيدي، كان ذلك في عام 1980 وهي مسألة قديمة، خرجتُ بعدها من المعتقل دون أنْ تثْبُت لمديرية الأمن العام مسألة تهمتي السياسية.
قال:
- كم مرة جرى اعتقالك.؟
قلت له - مرتين وبالتهمة ذاتها.
قال: ما هي؟
قلت : الاشتباه بانتمائي للحزب الشيوعي العراقي.
هلّلت أسارير الملازم عبد الغني، وشعر بالزهو والفخر لقابليته على انتزاع اعترافي من دون جهدٍ كبير منه، أعني من دون اضطراره الى تعذيبي، كما اعتاد أنْ يفعل ذلك في حالاتٍ كثيرة شبيهة بحالتي.
قال : "حسنا، بما أنك لم تتعبنا كما يفعل الآخرون، لذا فلن نتعبك نحن أيضاً، إذهب اليوم الى بيتك، مساعدةً منّي إليك..ثم التحق لوحدتك غداً، لتجد أمر نقلك حاضراً إنْ شاء الله، إنّها أوامر القيادة السياسية يا أخي، ولا أحد يستطيع التلاعب بها، أو تغييرها."
أدّيتُ التحية العسكرية بتهذيب ظاهر، وغادرتُ غرفته، من دون أنْ أسأله الى اين سيتم نقلي غداً، على الرغم من أنّ هذا السؤال كان يختصر أمنياتي كلّها في تلك اللحظات العصيبة.

لم أخبر عائلتي بتفاصيل ما حدث، إنّما اكتفيت بالقول لهم، بأنّ هناك نقلة جماعية تشمل الوحدة كلّها، ستجري غداً، وربما ستكون الى الجبهة.

في صباح اليوم التالي ذهبت الى مكتب الوحدة لاستلام (كتاب نقلي) فوجدته جاهزاً بالفعل، غير انهم لم يسلّموه لي، بل أعطوه الى جندي آخر عرفتُ من هيأته الوقحة وبندقيته التي كان يحملها بطريقة غير عسكرية، انه (المأمور) أي الشخص الذي سيتكفل بايصالي الى وحدتي العسكرية الجديدة.
بادرني المأمور بالسلام عليّ و قد بدا لي أنه يعرفني، كما أعتقدتُ.
- صباح الخير، كتابكم جاهز، وقد ذهب (الانضباط) ليحضر بقية المنقولين معك.
- صباح الخير أخي..أجبته مصافحاً يده،
ثم سألتُه بخوفٍ شديد حرصتُ على إخفائه، السؤال الذي لم يفارقني منذ أمس، حتى اليوم للحظة واحدة.
- الى أين سيجري نقلنا؟
قال من دون أنْ ينظر الى المظروف المختوم الذي يحتوي كتاب نقلنا.
- الى الفوج الثالث من لواء المشاة الآلي السادس والاربعين.
قلت له..
- في أيّ قاطع من الجبهة هو؟
- قال: انه في قاطع مندلي، في منطقة إسمها (كيسكا).

لا أعرف سبب الارتياح المفاجئ الذي شعرت به بعد معرفتي للوجهة وللقاطع، وللوحدة التي سأنتقل اليها، وربما كان ذلك، لأنها قريبة من بغداد جدا، بالنسبة الى القواطع العسكرية كالعمارة او البصرة او اربيل او السليمانية.
هكذا انشغلت بأحاديث عرضية مع المأمور ريثما يحضر الانضباط والجنود الذين كان يفترض نقلهم معي.
قلتُ للمأمور- لقد تأخر صاحبنا..
فأجاب بلهجة المطّلع على كلّ شيء..
- من سيُنقل معك إثنان.. هما، (علاء عسكر، وطارش سوادي)
ثم اضاف بسخرية واضحة، هل تشرّفت بمعرفتهما من قبل؟
لفَظَ المأمورُ إسْمَيٍ الجنديين بجزع ظاهر وفي أداء يشير إلى أهميتهما البالغة.
قال:
- إنهما سجينان موقوفان منذ سنتين هنا، وقد ابتلينا بهما، ولا سجن في الجيش العراقي كله يقبل إيواءهما، لذا قرّر الآمر، إطلاق سراحهما ونقلهما الى الجبهة، بعد أنْ وعداه برغبتهما في خدمة الوطن خدمة شريفة صالحة، كما زعما.
ضحكتُ في سرّي ضحكة ممزوجة بالمرارة، و حدثتُ نفسي:
((نعم ... ان المجرمين والسياسيين من غير البعثيين هما من فئة واحدة في عرف السلطة، لذا فلا غرابة في نقلي استناداً الى تهمتي السياسية مع عتاة المجرمين الذين يتم الان نقلهم معي، بالاستناد الى جرائمهم)).

في هذه الاثناء، أقبلَ الجندي الانضباط، مع اثنين من الجنود عرفتُ أنهما (علاء وطارش)
كان الفرحُ باديا على الجنديين وكانا يتحدثان بينهما ويضحكان بصوتٍ عالٍ، ربّما، لأنهما كانا يعتقدان أنّ ساحة المعركة التي سينتقلان اليها ستوفر لهما وسطاً نفسياً أمثلَ لتفريغ عنفهما الداخلي، العنف الذي كانت آثاره بادية للعيان على وجهيهما، من خلال رؤيتي لآثار السكاكين وشفرات الموسى التي خدّدتْ مواضعَ عديدة منها، او ربما كان فرحهما ناشئا من اعتقادهما، أنّ الجبهة -على أية حالٍ كانتْ- مكانٌ أفضل لهما من السجن، على الأقل أنهما طليقان.
عرّفني المأمور على رفيقَيْ رحلتي الى الجبهة ثم صعدنا جميعاً في سيارة (الواز) التي انطلقت بنا على عجالة لتصل بعد ساعات ثلاث تقريباً- لم نتبادل خلالهن إلا أحاديث تافهة - الى مقر الفوج الثالث من لواء المشاة الآلي السادس والاربعين في مدينة مندلي المتاخمة للحدود الشرقية للعراق، حيث جرى تنسيبنا على الفور الى السرّية الثالثة من الفوج نفسه، هكذا أخبرنا رأس عرفاء الوحدة، مضيفاً بخوفٍ و حذر..
"- إنّ المكان الذي ستذهبون اليه، خطر قليلا، لذا فعليكم أنْ تكونوا حذرين"
وعندما سأله علاء، عن موعد ذهابنا اليه، قال رأس عرفاء الوحدة:
- ستذهبون عندما يحلّ الظلام حتماً، لأن الطريق الى منطقة كيسكا مكشوف للعدو في النهار، ونحن نبحث عن سلامتكم.
أطلق علاء ضحكةً مدوّية في وجه رأس عرفاء الوحدة معلقاً بسخرية واضحة:
- نعم إنكم تخافون علينا حقاً..
عرفتُ على الفور، بأنّ سكوت رأس عرفاء الوحدة على سخرية علاء من عبارته، انما كان بدافع الخوف منه واتقاء شرّه.
اضاف رأس عرفاء الوحدة، مُغيّراً وجهة الحديث،
- اذهبوا الآن لترتاحوا في أيّ مكان تشاؤون، لكن أريدكم أنْ تكونوا هنا، قبل حلول الظلام، ستكون سيارة (الزبل) التي ستنقلكم الى السرية جاهزة، توكلوا على الله.

ذهبتُ في وجهةٍ مغايرة لوجهة صاحبَيّ، متعمّدا ذلك، لظنّي بأنّ من سيراني معهما سيعتقد بانني أنتمي الى صنفهما ،أعني مجرماً محترفاً تم اخراجه من السجن، ونقله الى الجبهة للخلاص منه، واتقاء شرّه.

في الساعة السابعة مساءً تقريباً، أي قبل حلول الظلام بقليل، وجدتُ صاحبَيّ بانتظاري، ووجدتُ سيارة الزبل الضخمة المكشوفة واقفةً أمام مطبخ الوحدة من أجل تحميلها بأرزاق جنود السرية الثالثة، من رز ومرق وصمون وفواكه وثلج ومواد أخرى معلّبة في الصناديق.
خرج رأس عرفاء الوحدة من المطبخ فسلّم علينا جميعاً وقال للمأمور الجديد الذي سيصحبنا بلهجة آمرة.
- هذا كتاب تنسيبهم الى سريتكم، سلّمهم الى عريف (طارق) وعُدْ الينا مساءَ غدٍ كعادتك.

كان الظلام قد حلّ في هذه الاثناء وكانت سيّارة الأرزاق قد توغّلت مسافة ما باتجاه الشرق، في أراضي منبسطة حيناً ومرتفعة أحياناً، من دون أنْ نلحظ أنّ هناك ما ينبئ عن خطرٍ ممكن في هذه الاراضي الواسعة.
بعد قليل صاح بنا المأمور، الذي كان يجلس في مقدمة السيارة، وكنا في حوضها الخلفي..
- كونوا حذرين جداً، لقد دخلنا في المنطقة الخطرة، قال ذلك بعد أنْ أطفأ السائق مصابيحَ سيارته التي أخذت تمشي ببطء شديد متوغلة بالاتجاه الشرقي للمنطقة.
كان دويُّ القنابل يُسمعُ من مكانٍ بعيد جداً، و كانت السيارة التي تقلّنا تذهب باتجاهه، فاستنتجنا دونما مشقةٍ، بأنّ مكان السرية الثالثة الذي ستقودنا السيارةُ اليه، هو نفس هذا المكان الذي نسمع الآن من بعيد أصوات سقوط القذائف عليه.
كانت معرفتي هذه مُحصّلةً استناداً الى وضوح صوت انفجار القنابل و اقترابنا من أماكن سقوطها كلّما توغلت السيارة مسافة أكثر باتجاهه، أي باتجاه مواضع السرية الثالثة، وما هي إلّا دقائق حتى أصبحنا بالضبط في موضع الأرض التي تسقط القنابل الإيرانية عليها، أي المساحة التي تمتد السرية الثالثة على أرضها.
حشرنا أنفسنا على أرضية حوض السيارة بين المواد الغذائية الخاصة بتموين السرية، وكنّا نسمع صوت الشظايا تتطاير من فوقنا أو تصطدم أحياناً في أجزاء مختلفة من بدن السيارة.
كان صاحبا رحْلَتي، المجرمان مذعورين مثلي، حين سألتهما إنْ كانا قد خدما في إحدى جبهات القتال من قبل.
أجاب أحدهما بالنفي، حين قال الآخر، لقد كنا نلوذ بالسجن ونتخذهُ ذريعةً لبقائنا بعيدين عنها، وقد أمضينا أربع سنوات على تلك الحال، كلّما أطلقوا سراحنا، افتعلنا بفعل مبيّت جريمة ما، من أجل أنْ نعود الى السجن ونتقي شرّ الجبهة، غير أنّ حظنا العاثر لم يسعفنا هذه المرة فاخرجنا من مكاننا الآمن بين السجناء ولم تعد حِيلنُا تنفع للبقاء فيه.

توقفتْ سيارةُ الأرزاق في مكان منخفض يقع بين ثلاثة تلول اصطناعية، بدا لي انها كانت مخصصة لوقوفها، فأخذ صراخ الجنود يرتفع من كل مكان،
- (لقد جاءت الأرزاق)
هرع الجنود من ملاجئهم الى موضع السيارة غير آبهين بالقصف المدفعي الذي كان يسقط في أماكن متفرقة من مواضع السرية.
كان مأمورنا قد كلّم العريف (طارق) بشأن كتاب نقلنا مشيراً الينا نحن الثلاثة جميعاً باشارة واحدة، فهمت من خلالها، انه قال له باننا جميعاً مجرمون عتاة، وقد تمّ إخراجنا من السجن و نقلنا الى الجبهة اتقاءَ شرّنا.
وبعد أنْ تولّى العريف طارق توزيع الأرازق على حظائر السرية، أشار الى ملجأ قريب قائلاً، هذا هو "حانوت" الوحدة، ستنامون فيه هذه الليلة ويتم توزيعكم على الحضائر في صباح غد.
لم أنم ليلتها، مثلما لم ينم صاحباي اللذان أحسستُ أنهما لم يكونا مذعورين مثلي، بسبب القصف العنيف الذي كان يضرب موضع السرية من الجهات كلها.

في صباح اليوم التالي.
أصرّ المجرمان علاء وطارش على بقائهما في حظيرة واحدة، على الرغم من أنّ التعليمات كانت تقضي بتفريقهما، غير أنّ العريف طارق لم يجد بُداً من الإذعان الى رغبتهما خوفاً من بطشهما به. أمّا أنا فتمّ تنسييبي الى الحضيرة الثالثة، المتألفة من سبعة جنود فقط، هم، جاسم وعليوي وعبد الرزاق ونايف ومحمد وصلال وأبو جويدة، وهو لقب له وليس اسمه..

بعد مضي أسبوعين على وجودي في السرية الثالثة، ألِفتُ المكان وقذائفه وممراته الصخرية وأنفاقه الآمنة، والجهات التي يأتي القصف والقذائف منها.
تعرّفتُ أيضا على نوع من الملاجئ اسمها (المحروسة)، وهي ملاجئ ليس لها من شيء يميزها عن سواها من ملاجئ السرية الأخرى سوى خلوّها تماماً و لسبب مجهول مطلقاً، من العقارب والأفاعي، التي كانت تقيم وتتنزه مطمئنة في الملاجئ الأخرى كلها.
حاولتُ في الأيام الأول أنْ أفتعل الشجاعة، لأنني تبينتُ على نحو أكيد بأنّ الرعب والخوف ينخران الجسد والنفس بلا رحمة، حتى أصبحت شجاعاً بالفعل، وحين أقول انني قد أصبحت شجاعاً ، فانما أعني بذلك، قدرتي على الذهاب لجلب الأرزاق خلال ساعات القصف او مشاركتي من دون رغبة مني في المعارك الصغيرة التي تحدث يومياً بيننا وبين الايرانيين الذين لم يكونوا يبعدوا عن المواضع المتقدّمة للسرية الثالثة سوى سبعين متراً فقط، هي الوادي العميق الذي يفصل بين التلال التي تحتلها قطعات الجيشين، العراقي والإيراني، حيث كان ذلك الوادي السحيق مليئا بالجثث فضلا عن كونه مرتعاً للألغام والقنابل غير المنفلقة والشظايا التي كانت تعبّد أرضيته بأجمعها.

بعد مضيّ أكثر من شهر واحد على وجودي في هذا المكان اللعين - شهرٍ تعرفتُ خلاله عن قرب أو عن بعد أحياناً على كل منتسبي السرية من الجنود والضباط - اكتشفت من خلال السؤال وفضول تقصّي المعلومات، أنّ القسم الأعظم من منتسبي السرية- الجنود على الأخص- هم إمّا من السياسيين غير البعثيين او من عتاة المجرمين.
غير أنّ مثل هذا التفريق بين الفئتين- أعني المجرمين والسياسيين- هو تفريق أقمته أنا وحدي بالاستناد الى فهمي الخاص لطبيعة الفرق الأخلاقي والنفسي والثقافي والفكري لكل من تلكما الفئتين، أمّا مثل هذا التفريق الذي أتحدث الآن عنه، فيبدو أنْ لا وجود له، لا في ذهن النظام السياسي ولا في الذهنية العسكرية التي جرى تلقين منتسبيها بمعلومات صارمة موثوقة، مفادها، أنْ لا فرق على الإطلاق بين المجرمين العتاة الذين يقتلون الناس ويأذوهم ويسرقون أموالهم ويتعدون على حقوقهم، وبين السياسيين من غير البعثيين، أولئك اللذين يحاولون الإطاحة بنظام الحكم العراقي الإسلامي الوطني الملتزم، ومثل هذا الاستنساج الذي توصلتُ اليه، والذي كانت الوقائع المكانية والتفاصيل البشرية تدلّ عليه بما لا يقبل اللبس، قادني بشكل مباشر الى استنتاج آخر جديد مفاده:
إنّ هذا المكان الذي تنتشر السرية الثالثة على أرضه، هو منفى للجنود غير المرغوب بهم، بل هو محرقة لهم، أو هو مكبُّ نفاياتٍ بشريّة يُلقى فيها على الدوام كلّ أولئك المجرمين من سياسيين غير بعثيين ومجرمين مفسدين آخرين، انه بمعنى ما (مزبلة) تُلقى فيها كل يوم تقريباً مجموعة من الجنود المجرمين يجري استبدالها بعد موتهم بمجموعة اخرى، حيث كان معدل الموت اليومي في هذا المكان لا يقل أبداً عن ثلاثة جنود يومياً.
ثلاثة جنود يموتون هنا، ليجري تعويضهم بثلاثة آخرين من المذخر البشري الاحتياطي للجنود الذين كانوا ينتظرون في المقرات الخلفية للّواء نقلَهم الى هذا المكان ليواجهوا قَدَرهم الأخير هنا، حيث حرصتْ القيادة السياسية للعمليات العسكرية على أنْ يوكلَ أمر مراقبتهم و رعايتهم الى فئة من الضبّاط و المراتب المخلصين الذين ثَبُتَ ولاؤهم و وانتماؤهم للحزب و عدالة القضيّة التي يحاربون من أجلها.
هذه اذن هي الحقيقة الخفية لمنفانا المُهْلِك وهي حقيقة تتأكد صحتها كل يوم تقريباً، إذْ ما الذي يمكن أنْ يعنيه أنْ اعثر في هذا المكان ذاته، على أحد أعضاء اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي في منطقة بغداد الجديدة، او أجد اثنين من الأكراد كانوا منتمين الى حزب العمال أو أتعرّف على (ناجي الفحل) أو (عصام قامة) أو (مؤيد ابو شامة) ؟
الطريف في الأمر، أنّ الضباط الذين كانوا يقيمون في ملاجئ حصنية، افترضت مرةً أنّ قنبلة هيروشيما نفسها غير قادرة على اختراقها، أقول: إنّ هؤلاء الضباط كانوا على علم لا يداخله شكٌّ بالماضي المشين لكل جندي موجود هنا، مجرماً أكان أم سياسياً مجرماً، من خلال التعليمات والاوامر والتقارير التي كانت تردهم عن كل جندي منفي موجود هنا، لذا فلم يكونوا يتعاملون مع أيّ منّا، إلّا بوصفه مجرماً، ولم يكن هناك من شيئ يردعهم او يضطرهم الى معاملتنا بالحسنى إلاّ موقف الخوف الذي كان يفرضه عليهم بعض الفتوات والاشقياء الموجودين معنا، ولأنني لم أكن منتميا الى هذه الفئة من الأقوياء، رضختُ مكرها الى قدري في تحمل القسط الأكبر من الشغل والحزن والواجبات المضنية.
وعلى الرغم من معرفتي أنّ الهروب من الجبهة كان أحد الحلول المتاحة لي – كما فعل الكثير من أصدقائي المنفيين- إلاّ أنّ مثل هذا الحل لم يكن مقنعا بالنسبة لي، ربما خشية من عيون المنظمة الحزبية الذين أصبحوا يعرفون عائلة المواطن العراقي أكثر من معرفته المواطن بعائلته.

هكذا قررت البقاء في هذا الجحيم صابرا محتسبا أعلل نفسي بالإيمان بقدر الله تارة، وبنظرة الوقار والاحترام التي كان يعاملني بها جميع أفراد السرية من الجنود بمن في ذلك عتاة المجرمين منهم، حيث كانوا يتطوعون في كثير من الأحيان لأداء الواجبات الخطيرة نيابة عني، او إكراهي على البقاء خارج الصف الأول من المقاتلين الأبطال حقا أولئك الذين كانوا يشتبكون يوميا في قتالٍ ضارٍ مع طلائع الجنود الإيرانيين في المنطقة.
باختصار شديد، كان لهذا "المكان – المنفى" ثلاثة خصائص أصيلة تميّزه على الدوام، الأولى منهن هي:
أنّ الرجلَ الأول في هذا المكان لم يكن آمر السرية أو أيّة شخصية عسكرية أخرى ضمن حدود مسؤولياتها، إنّما كانت المكانةُ معقودة حصراً لمسؤولها الحزبي، و هو هاهنا عسكريّ بلا رتبة يحرص الضبّاط و المقرّبون على التعامل معه بحذرٍ و وقارٍ شديدين، إنّه "أبو زينة" ذلك الرجل الضخم الذي يقيم في ملجأ حصين بين ملاجئ الضباط، الملجأ الذي يحرص الجنود على زيارته للانتصاف لهم و أخذ حقّهم كلّما جار عليهم ضابطٌ أو مسؤول في تأخير أجازة – مثلاً - أو حصّة من الأرزاق قليلة.
أمّا الخصيصة الثانية فهي ما يتمثّل بالقول الواثق: بأنّ جميع منتسبي السرية – على اختلاف أصولهم و عقولهم و أخلاقهم – كانوا رجالاً شجعان - سواء أتعلق الأمر بوقائع الإشتباك مع العدو أم بعزّة النفس و رفض الظلم الذي يفرضه الضباط على بعض الجنود أحيانا- بل إنّ بعضهم كان فائق الشجاعة، باسلاً مغامراً، متمرّدا، لا يهاب الموتَ و لا يخشاه، و لأن واقعَ حالٍ كهذا يدعو الى التفكير فيه و معرفة علّته، أمضيتُ إحدى نوبات خفارتي باحثا عن السبب و المبدأ العام لهذا الواقع، بعد أن أكّده على نحو قاطع، بل و كشف عن سرّه، رفضُ أحد الجنود المخالفين الذهاب الى ملجأ " أبو زينة" بعد تبليغه رسميا بأن المسؤول الحزبي و آمر السرية ينتظرانه هناك.
و لأنّ هذا الجندي المتمرّد كان من بين أفراد حضيرتي، سألته عن سبب امتناعه، قائلاً له: ألا تخشى العقوبة؟
فأجابني بضحكةٍ مدوّية: عن أيّة عقوبة تتحدّث أستاذ؟ و هل هناك من عقوبة في العالم كلّه أشدّ و أقسى من عقوبة وجودنا في هذا المكان؟ إنهم لا يملكون يا أخي سوى نقلي أو سجني، و كلا الأمرين أرحم من وجودي هنا، بل أنه مكافأة كريمة ستقرّ عيوني بها.
هذا هو الحدث الذي قادني الى السؤال المباشر عن معنى أن يكون الإنسان جباناً أو ذليلاً او مظلوماً في مكانٍ يمكنُ أن يموتَ فيه في أية لحظةٍ من لحظات يومه؟ هل كانت الحياةُ، أعني مبدأ حفاظ الإنسان على حياته، هو العامل الذي يجعل من الناس جبناء، يقبلون على مضض بالذل و الظلم و الأذى، إكراماً لنعمة بقائهم على قيد حياةٍ آمنةٍ مستقرّة؟
إذا كان الأمرُ كذلك، أعني رهينا بالحفاظ على حياة مسالمة آمنة، فهل ينبغي على الإنسان الاحتفاظ بهذا الموقف ذاته في مكانٍ يؤثثُ الموتُ فيه تفاصيله كلّها، مكانٍ لا أمل في على الإطلاق و لا مقدمات واقعية تشير الى بقائه حيّا لساعة قادمة أو ليوم قادم جديد.
يبدو لي أن الشجاعة معادلة مرنة طرفاها الموتُ و الحياة، معادلة كلّما رجحتْ فيها كفّةُ الموتُ و تفاصيله على الحياة، تطلّب الأمر من الانسان أن يكون شجاعا، و العكس صحيح، أعني كلّما كانت رغبةُ الانسان في الحفاظ على حياة آمنة مستقرة كبيرة، توجّب عليه التنازل عن بعض شجاعته حفاظا عليها.
أمّا الخصيصة الثالثة فهي : إنّ الأخوة والمحبة الصادقة والمصير المشترك الذي يوحدنا، هو العلّة الفاعلة و السبب الأكبر الذي يجعلنا شجعانا ومضحّين أكثر من أي شيء آخر يمكن أنْ يفسر صمودنا البطولي وبقاءنا هناك، في هذه المحرقة المستعرة أبدا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فنانة فلسطينية ترسم على رماد الغارات


.. تعلمهم الحاسوب واللغات والفنون القتالية..داخل مخيمات النزوح


.. الفنانة سما الشيبي تلأم في أعمالها جراح الحرب والمنفى




.. فنانون يتضامنون مع محمد سامي مخرج مسلسل -نسل الأغراب-


.. شاب يقلد الزعيم عادل إمام في مسرحية شاهد ماشفش حاجة