الحوار المتمدن - موبايل


رسائل معدنية متبادلة: العراق وكوردستان هما الضحية

آزاد أحمد علي

2021 / 4 / 19
مواضيع وابحاث سياسية


آزاد احمد علي
عاما بعد آخر، وصدمة بعد أخرى، وعقب كل رسالة متبادلة جديدة، وخلف كل حدث سياسي، تتبخر الأحلام التي نسجتها سرديات المعجبين الأوائل بالعالم الآخر، عالم الغرب الديمقراطي المنقذ والملهم، هذا العالم المخادع الذي ينكشف سر تواطئه المزمن مع الاستبداد وقوى الأكاذيب الثورية المتعطشة للسلطة حدثا بعد آخر. مناسبة هذه استذكار (خيبة الاعجاب) هو ما تعرضت له أربيل مصادفة بعد وصولي إليها. ففي ليلة ما قبل القصف (13 نيسان) هبطنا في مطار أربيل، كانت الأجواء هادئة، وكان المطار نظيفا ومنظما، جرت فحوصات الكورونا للمسافرين بسلاسة. وهذه أول سمات أربيل، التي تعد أحد أكثر المدن أمانا على مستوى العالم، بحسب معايير خاصة بأمان المدن، كما تعد من المدن الصاعدة على مستوى العراق وجوارها. لكن لماذا هذا الاستهداف المتكرر لها، وخرق سمواتها خلال الأشهر الأخيرة؟ فإن كان استهدافا عسكريا موجها بشكل أساسي لقواعد التحالف الدولي، فهي منتشرة في العديد من مناطق العراق، علما أنه تم الهجوم على العديد منها في مناطق عراقية مختلفة، مع ذلك تظل للنقاط العسكرية في محيط أربيل إغراءاتها ودلالاتها السياسية، فسواء استهدفت قاعدة أمريكية، أو قنصليتها، فالهجمة في المحصلة هي على كل مكونات إقليم كوردستان العراق، فالقذائف تطلق على تجربتها قبل أي وجهة أخرى، وتستهدف القذائف نهوض أربيل في حقول التنمية، التعايش والاستقرار الذي يفترض أن يزيد من رصيد كل العراق في نهاية المطاف.
لكننا إذا نظرنا بحدقة أوسع، وحاولنا القراءة بصيغة أعمق، فمنطقة الشرق الأوسط كلها تعاني الاضطراب، والصراعات العسكرية تتفاقم فيها عاما بعد آخر، لذلك الإصرار على أن تظل أربيل آمنة في إقليم مشتعل من اوله الى آخره، هو محض افتراض أقرب الى النرجسية منه الى الواقعية، خاصة أن أربيل باتت لاعبا سياسيا وعسكريا فاعلا على مستوى العراق والشرق الأدنى.
وبقراءة أكثر تعميما، ثمة تدشين لمرحلة سياسية جديدة، وربما لنظام جديد يكاد أن يكون مدخلا للانتقال من حرب باردة استكملت ملامحها، لتعبر نحو حرب ساخنة، وإن بصيغ وأدوات مستجدة. وأحد مؤشرات هذا المدخل، هي سرعة وتواتر هذه الرسائل المتبادلة، وهي رسائل لم تعد ورقية ولا دبلوماسية بين اللاعبين الإقليميين والدوليين، وانما باتت رسائلا صلبة، رسائل معدنية، ساخنة ان جاز التعبير.
فقبل عدة أيام وبالتزامن مع اجتماع فينا بصدد الملف النووي الإيراني، أعلنت الجهات المختصة في إسرائيل استهدافها لبارجة شبه عسكرية إيرانية تتموضع في البحر الأحمر، ولكن أي استهداف؟! (تم لصق لغم على الجدار الخارجي للبارجة تحت الماء، بدون ذكر أي تفاصيل عن درجة الأضرار)، فكانت مجرد رسالة ساخنة، تبعتها رسالة أكثر سخونة تمثلت في تفجير جزء من مفاعل نطنز الإيراني، وقبل هذين الحدثين بأشهر وسنوات يتم استهداف أجواء ومنشآت المملكة العربية السعودية بالصواريخ والطائرات المسيرة عن بعد. فالرسائل المعدنية العديدة التي يتم ارسالها من قبل هذا الطرف للآخر هي أحد ملامح هذه المرحلة، وهي في الجوهر أحد نتائج وخصائص الاضطراب في النظام الإقليمي في الوقت نفسه. هذه الحالة المضطربة تظل ذات علاقة وثيقة بالدور المتخامد للولايات المتحدة الأمريكية. فمنذ استلام شخصية غير تقليدية قادمة من خارج المنظومة السياسية التاريخية لأمريكا، أي الرئيس أوباما عام 2008، بدأ التصدع في عالم القطب الأوحد، ومعه تراخت قبضة القطب الأوحد على العديد من أصقاع العالم وخاصة الشرق الأوسط. لقد كان أوباما من زاوية ما بمثابة (غورباتشوف أمريكا)، وإن بصيغة مختلفة من حيث الأهداف، السياقات، الزمان والمكان. وجاء الشخص الأكثر غرابة ليحكم أمريكا، فمع ترامب (عام 2016) انقلبت منظومة السياسات التقليدية الأمريكية وتشعبت مساراتها نحو زوايا مجهولة، وما إدارة بايدن الراهنة سوى إدارة ترميمية ملحقة بهما، على الأقل من حيث ضياع الخط التقليدي وتفاصيل بعض الاستراتيجيات في السياسات الأمريكية. في ظل تراخي قبضة أمريكا تنمرت كل من إيران وتركيا، وترافق مع عملية التراخي الأوروأمريكي تطور كبير في الصناعات الحربية لكلتا الدولتين، وخاصة في حقلي الطائرات المسيرة (الدرون) والصواريخ الموجهة، اللذان غيرا توازن القوى العسكرية في الشرق الأوسط.
فبقراءة متأنية للمشهد السياسي والعسكري، يمكن القول أنه أربيل ليست هي المستهدفة فقط، ولا الكورد تحديدا، وانما الديمقراطية الناشئة والنظام الإقليمي الذي تم اخراج العرب منه، فلم تعد لأي دولة عربية دورها المنسجم والمتناسب مع ثقلها وموقعها الجيوبوليتكي، بما فيه مصر.
لذلك يظل أحد أهم أسباب استمرارية تبادل هذه الرسائل القاسية هو الاضطراب في النظامين الإقليمي والدولي، والذي يتصرف بموجبه وعلى أنغامه كل من إيران وتركيا، وتتحركان كقوتين دوليتين، في حين أن أمريكا ودول الاتحاد الأوربي يتصرفون بتحفظ شديد وكأنهم قوى اقليمية انحسرت أدوراها. وقد تمهد هذه الرسائل لاضطراب كبير قادم حتى تتموضع كل دولة وقوة دولية ضمن دائرة نفوذها الجيوبوليتيكي، وتلتزم حدودها. وليس من باب التهويل إن قلنا بأن الرسائل المتبادلة بين أمريكا وروسيا، وكذلك كل من إسرائيل وإيران وتركيا لا تتضمن بين طياتها أي مصلحة لشعوب المنطقة، وهدفها الأول ضرب ما تبقى من (نظام عربي)، وكذلك تهميش دور حكومة العراق الفدرالي، ودفع ديمقراطيتها الفتية وبنى الدولة فيها نحو المزيد من الفشل والإفساد.
أما ما هو مثير للدهشة هو تكرار عبور هذه الرسائل المعدنية سماء أربيل، متجهة لجهات ولعواصم بعيدة، فعلى المرسلين أن يقرأوا بتمعن الجغرافيا والمسافات، وحتى شيء من التاريخ، صحيح أن صندوق بريد أربيل مهم، لكن لها سعة، وكذلك درجة تحمل لها حدود. فليس من السهل تقويض تجربة إقليم كوردستان، ولا بد لحكومة إقليم كوردستان وللقيادة السياسية فيها أن تبحث في إيجاد طريقتها الخاصة والمناسبة للرد غير المعدني على هذه الرسائل القاسية والطائشة حسب كل المعايير. وان جاء بيان دول الحلفاء في التضامن مع إقليم كوردستان، لكنه موقف غير كاف، ولابد من خطوات واضحة للحفاظ على تجربة العراق كلها، تطوير وصيانة النظام الفدرالي فيها، ووضع حد قاطع ونهائي لتدخل كل من حكومتي طهران وانقرة في الشأن العراقي واحترام سيادة العراق وخصوصية إقليم كوردستان العراق، والا ستقط آخر الأقنعة عن وجه دول التحالف الغربي غير الجميلة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الانتخابات الليبية.. ومحاولات العرقلة | #غرفة_الأخبار


.. إثيوبيا عازمة على التعبئة الثانية لسد النهضة موسم الأمطار ال


.. أزمة الحكومة اللبنانية.. ومصير المبادرة الفرنسية | #غرفة_الأ




.. الهلال الأحمر الفلسطيني: ارتفاع إصابات مواجهات الأقصى إلى 20


.. شاهد.. مشاركة العسكريات الروسيات في استعدادات للعرض العسكري