الحوار المتمدن - موبايل


الصور والتشكيل في ديوان -منسي على الرف- عامر بدران

رائد الحواري

2021 / 4 / 19
الادب والفن


الصور والتشكيل في ديوان
"منسي على الرف"
عامر بدران
الجميل في الأدب أنه يقدم التعب/اليأس بصور جميلة، وهذا الجمال يمتع القارئ مع إيصال فكرة الألم له، اللافت في هذا الديوان قدرة الشاعر على الرسم والتشكيل والخروج على ما هو مألوف، فهو يخترع حركات وأفعال ومشاهد مدهشة، فعلى سبيل المثل يقوم في قصيدة "لو كنت أقدر":
" لو كنت أقدر أن أحرك وحدتي
لجررتها، من مكتبي، نحو السرير
ونمت مخمورا علي،
وما انتبهت إلى الجهات" ص11، إذا ما توقفنا عن هذه الصورة سنجد أن الوحدة مؤنث، وهو يريدها للمذكر/للسرير، لكنه هو الرجل/الذكر لا يقدر عليها، فبدت الأنثى/الوحدة متمردة على الشاعر وأيضا هو أعجز من تطويعها.
ونلاحظ أنها موجودة في مكان مذكر/مكتبي، ومكان تطويعها أيضا جاء من خلال مذكر/السرير، لكن مفهوم المكتب محتشم، بينما السرير فاحش، فبدت الأنثى/الوحدة أقوى من كل الذكور المحيطين بها، ومن ضمنهم الشاعر.
وهذا العجز لا يقتصر على الحركة بل يطال مشاعر الشاعر وأحاسيسه، يقول في قصيدة أقترب الآن من الخمسين":
"...
ما طعم الحب،
وهل في القلب مكان لامرأة أخرى؟
وماذا أفعل إن جاءت،
وأنارت في القلب عماه؟
وكيف أجيب إذا نادتني:
"عماه" ص18،
نلاحظ أن الشاعر مهتم بالأنثى/بالمرأة، لهذا يذكرها، أليست هي أهم عناصر الفرح/التخفيف التي يلجأ إليها وقت الضيق؟، لهذا أقرنها ب"وأنارت"، لكن مشاعره تحول دون الوصول إليها، ونلاحظ أن الشاعر يضع المرأة في مكان مذكر/القلب، بمعنى ما زال يعيش حالة الذكورة وما تحمله من سطوة وقوة، لكن عجز مشاعره تحول دون الوصول إليها، ففي الصورة الأولى كان عجزه (حركيا)، وفي الثانية (تفسيا)، وهذا ما يعمق جراحه أكثر.
حالة اليأس تتفاقم أكثر عند الشاعر، حتى أنه يبدو كسيح لا يقوى على الحركة، يقول في قصيدة "أكسل مني":
ليل لا يبصر ما أبصر.
لا يسمع فرقعة الخيبة في رأسي
لا يمتد لأغفو.
لا يقصر،
كي أخرج ممتنا لصباح آخر،
أو يأكلني الندم
ليل أكسل مني،
يصحب جسدي فيه الألم" ص22، القسوة في هذا المقطع لا تقتصر على الفكرة فحسب، بل تطال الألفاظ أيضا وتكرار حرف "لا" أربع مرات، كما أن طغيان ذكورية الألفاظ فيه:" ليل (مكرر)، رأسي، يمتد، يقصر، أخرج، يأكلني، الندم، يصحب، جسدي" فهيمنة ألفاظ المذكر السلبية انعكست على المؤنث "فرقعة، الخيبة" لتكون مثلته في الشدة والقسوة.
حالة العجز الجسدي يقدمها الشاعر بطريقة مذهلة ولافتة في قصيدة "وطواط":
"مقلوبا مثل الوطواط
على سقف مغارته
مقلوب،
وأفكر بمهارته،
الأرض سمائي،
لكن
لا يمطر للأعلى مائي" ص23، الإيحاء الجسدي يكمن في الفظ المؤنث "مغارته" والذي يعجز الشاعر عن سقيه/ا "بمائي/ه"، وإذا ما توقفنا عند الألفاظ المذكر: "مقلوبا، الوطواط، سقف، مقلوب، يمطر، مائي" سنجدها تتفوق بعددها على المؤنث، الذي اقتصر حورها على: "الأرض، سمائي" لكن هناك جمع/تزاوج بين المذكر والمؤنث في "مغارته، بمهارته" وهذا يشير ـ بطريقة غير مباشرة ـ إلى رغبته بالجماع ـ لكن يفاجئنا الشاعر بعجزه، عجز مائه على الإمطار.
وإذا ما توقفنا عند ألفاظ المقطع سنجده غارق في السواد والقاتمة: " مقلوبا، الوطواط، مغارته، مقلوب، لا" وهذا ما يعزز فكرة السواد/العجز التي يمر بها الشاعر.
تكرار صور العجز تشير إلى وصوله حالة القنوط، يقول في قصيدة " عود ثقاب":
"أنا عود ثقاب
أحتك بخصرك ثانيتين،
فتولد نار من رأسي.
وحين أرى أثري يتبدد
مثل سراب،
أتراجع
كي أحرق نفسي" ص45، يظهر لنا الإيحاء جسدي من خلال تشبه الشاعر نفسه بمذكر "بعود ثقاب"، الذي يشتعل بسرعة وينتهي بسرعة، كما أن استخدامه ل"أحتك بخصرك" يشير إلى العلاقة الجسدية، والتي تنتهي بسرعة، "ثانيتين/ يتبدد"، وتختفي تماما/سراب، وهذا ما يجعله يتقهقر/يتراجع ليقدم على فعل ينهي فيه وجوده وعجزه: أحرق نفسي".
قبل مغادرة المقطع، تستوقفنا بدايته: "أنا عود ثقاب" ونهايته "أحرق نفسي" فبدا الشاعر وكأنه ليس كائن بشري، بل "عود ثقاب، وهذا ما أكده عندما أعطا نفسه فعل العود "أحتك، نار" فهو يتماثلا تماما مع عود ثقاب، لكنه يفاجئنا بخروجه على "عود ثقاب" حينما قال: "أحرق نفسي"، فعود الثقاب" يحرق نفسه بواسطة الآخرين، لكن الشاعر يحرقه لنفسه بنفسه، كرد فعل/احتجاج/رفض/تمرد على واقعه العاجز.
ونلاحظ هيمنة الفاظ المذكر: "عود، ثقاب، أرى، أثري، يتبدد، سراب، أتراجع، أحرق" وتفوقها على المؤنث: "بخصرك، ثانيتين، نار" وهذا ما جعل المقطع أكثر قسوة وسواد، فضعف حضور المؤنث/المرأة جعل عالم الشاعر يخلوا من النعومة/الهدوء فبدا المقطع سوداوي بامتياز.
تماثل أدوات/كلمات الشاعر مع الفكرة، يشير إلى قدرته على الابداع وتجاوز ما هو مطروح، يقول في مقطع "ساق":
"مثل مالك الحزين
أقف على ساق واحدة للحب.
إن تعبت طرت" ص123، فرغم أن الفكرة عميقة، إلا أن المسافة بين الكلمات قليلة، وتخدم فكرة الذهاب السريع والمفاجئ/طرت، كما أن فكرة الوحدة حاضرة في: "حزين، أقف، ساق، واحدة، تعب، طرت"، فنجد علاقة بين هذه الألفاظ التي تخدم فكرة الوحدة/الحزن.
وإذا ما قسمنا المقطع إلى المذكر "مالك، الحزين، أقف، تعبت، طرت" والمؤنث "ساق واحدة" نجد هيمنة المذكر، والذي دائما ينهي المقطع بقسوة وألم، مما يبرئ المؤنث ويجعله بعيدا عن السواد والألم.
أما طريقة تقديم الشاعر المؤنث فنجدها في "ذاكرة":
"قالت:
سأنسيك نساءك"
ومن يومها امتلأت ذاكرتي برجالها" ص81، الجميل في هذه المقطع العلاقة بين فكرة الفراغ في "سأنسيك"، وفكرة الامتلاء "برجالها"، فهيمنة الذكور على الإناث انعكست على خاتمة المقطع القاسية، بحيث تم (تشويه) ذاكرت/ه بالرجال وقسوتهم ووجودهم، فكل البياض الذي جاءت من خلال: "قالت، نساءك، امتلأت، ذاكرتي" تشوه وأمسى سوادا.
الديوان من منشورات وزارة الثقافة الفلسطينية، الطبعة الأولى2020.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الفنانة أروى في حلقة رائعة جداً مع أمل طالب في التحدي مع أمل


.. يوميات رمضان من غزة مع الشاعر الفلسطيني سليم النفار


.. فنان يكشف لـ «دراما كوين» مساندة كريم عبد العزيز له في الاخت




.. المنتج والمخرج ايلي معلوف ضيف Go Live الجمعة الساعة 7 مساء م


.. يوميات رمضان مع الفنان الكردي السوري خيرو عباس