الحوار المتمدن - موبايل


-الانسايوان- والطبيعة: مقاربتان عقليتان؟/4

عبدالامير الركابي

2021 / 5 / 3
مواضيع وابحاث سياسية


يدخل الغرب على عكس ماهو شائع، لحظة انقلاب وتازم كينونه اقصى مع الانقلاب الالي البرجوازي، وهو مايتجلى على الصعيد العقلي الادراكي لبنيته وماطرأ عليها، وعلى الظاهرة المجتمعية بالعموم، مادامت الرؤية التحولية ماتزال غائبة بعد. ومعلوم ان العقل البشري يظل عاجزا عن استكناه الظاهرة المجتمعية، والتعرف على طبيعتها ومكنونها ابتداء، وانه كان اوربيا يعاني مثل هذا النقص يوم حدث الانقلاب الآلي، ماكانت قد جرت ملاحظته ومحاولة استدراكه اللاواعي، بدليل ما قد صور على انه نوع من حل للمعضله المذكورة أعلاه، مع مايعرف ب "علم الاجتماع" المكتشف في القرن التاسع عشر، مع نظرية "ماركس" و"ماديته التاريخيه"، وهو ماقد جرى تعظيمه كمنجز، من ضمن تعظيم الظاهرة الغربية، وقوة حضور منجزها الهائل في الميادين المختلفة.
وكمثال له ان يلقي اضاءه كافية على مانريد ابرازه، ناخذ الماركسية وعمل مفكرها الاكبر ماركس كعينه استدال تتمتع بصلاحية الدلالة الاشمل، ونحن نعرف بان ماركس لم يكن هو مكتشف "صراع الطبقات"، وهو فعليا ليس بحاجة لان يكون هو من اكتشف لأول مرة هذا النوع من "الازدواج المجتمعي" الانشطاري بصيغته الافقية، أي صيغته الأولية مقابل صيغة الانشطار المجتمعي العمودي الاعلى، فهو بالذات قد ركز اهتمامه على ما هو اخطر، بحيث جعل الازدواجية الانشطارية الطبقية آلية ودينامية اشتراطية مواكبة لوجود المجتمعات، كما بشر، لابل قد حتّم، نهايتها، وهذا بحد ذاته مخطط ليس بالعادي، ولاهو بالقليل اذا ماوضع ضمن سياقه داخل الاليات الازدواجية المجتمعية الاعم، والأكثر انطباقا على الحقيقة المجتمعية، ومآلاتها، وقوانين تصيّرها، او ماقد اطلق عليه هو دياكتيك حركتها، الذاهب من الشيوعيه، الى الشيوعية، ابتداء ونهاية.
وتلك كانت المرة الأولى والمناسبة الفاصلة غير العادية، التي تفصح فيها "الأحادية المجتمعية" عن درجة ومستوى من احتمالية تجاوزها احاديتها، فالعقل البشري قبل ذلك لم يكن يقر سوى بالاحادية و"الوحدانيه" المجتمعية، وتلك خاصية هي نقيصة أساسية من النقائص الملازمه لعلاقة العقل بالظاهرة التي يتشكل ضمنها ويتصير، ذاهبا الى مابعدها بعد اعقالها، لكن ماركس هو نفسه يمثل في الوقت ذاته نموذجا من نماذج القصورية المنوه عنها، حين تتجلى معه وبه، باعلى صيغة، وأكثرها قربا من النهاية، وطاة وثقل موروث الأحادية ابان لحظة فارقة من لحظات التطور المجتمعي.
فمنظر الاصطرعية الطبقية والثورة، يقرر هيمنة الانشطار الطبقي، في الوقت الذي يكون فيه هذا الجانب من جوانب العملية المجتمعية، وفي موضع بعينه من المعمورة، قد صار غير قائم فعلا، او لنقل لم يعد فعالا كما كان ابان الاطوار والمراحل السابقة على المرحلة الراهنه الالية المصنعية البرجوازية، والسبب هو العنصر الجديد الطاريء والحاسم، متمثلا ب "الالة" التي لم يعد بالإمكان بموجبها، ومع انبثاقها الحالي، ان لايعاد النظر أولا وقبل كل شيء في المتغيرات المترتبة عليها، والمتوقع نشوئها بعد حضورها، ودخولها العملية الإنتاجية، العنصر الثاني من عناصر المجتمعية مع "التجمع البشري".
والمسالة الهامة هنا هي تلك التي يمكن تتاتى من السؤال: اذا كانت المجتمعات هي "التجمع + انتاج الغذاء" بالصيغة اليدوية الأولى التأسيسية، فماالذي يمكن ان يطرأ او يحدث للمجتمعات بنيويا ياترى، اذا انقلب وتغير احد طرفيها الأساسيين، وصارت اليدوية من الماضي لنصبح امام مجتمعية ( انتاج آلي + مجتمعات كانت يدوية ) المعادلة جديده حتما، وهي ليست اقل من ان توحي بنوع من الانقلابيه الشاملة داخل"الظاهرة" التي نحن بصددها، بما في ذلك ومنه، الطبقات والصراع الطبقي الذي هو ظاهرة "يدوية"، بما ينبغي ان يضعه ولو افتراضا، في باب الخاضع للتغير، مادمنا بصدد انقلاب يفترض انه واقع لاعلى مظهر من مظاهر المجتمعية، بل على المجتمعية كظاهرة ككل.
هل تبقى الطبقات والصراع الطبقي مع ظهور الالة، الامر بدا لماركس على العكس وبداهة، وكانه تاجيج لظاهرة يدوية، ضمن اشتراطات زادت تبلورا اليوم، وهو بالطبع كان يعيش في القرن التسع عشر، مع لحظة الاحتدام الانقلابي الانتاجوي والطبقي، وبما انه هو شخصيا كتكوين عقلي، "يدوي" الأدوات على مستوى المقاربة العقلية، ولايمكنه ان يكون ممتلكا لغيرها في لحظة ماتزال في بدايتها، وقبل ان تترسخ كينونة وتجربة، مع التفاعليه الضرورية العقلية والحياتيه، ماجعل من المتوقع له ان يتصرف كمراقب متفحص، عدته الاختبارية وقياساته العقلية، من غير زمن مايبحث فيه.
ويبدا حضور الخاصية او الخلفية المعرفية الاختبارية اليدوية وطغيانها في غير اوانها وزمنها، أولا وابتداء، من معاملة المتغير الهائل الالي، على اعتباره هو نفسه اليدوي، او وكانه امتداد لماسبق، خاضع لنفس مفاعيله، مع الاستبعاد اللامنطقي، و المجافي لابسط مقومات النظر العقلاني الذي يريد، ويذهب الى الإشادة والتنوية التعظيمي بالمتغير الالي، مع نفي وعدم افتراض ماينجم عنه، ويتعلق به ويتولد من انقلاب بديهي وحتمي، مابعد يدوي مجتمعيا.
يمكن بالمقابل ان نعيد رسم مخطط السردية المجتمعية مابعد الالية، لنعيدها الى الأصل تشبها عاما، مفترضين مرحلة نشوء وتشكل مجتمعي ثان، يعيد تكرارا نوع مسار جديد، مختلف حتما، مع انه يذكر بذلك الذي عرفته المجتمعات ابان تشكلها اليدوي الأول، وهو ماكان يفترض، ان لم يشترط، انتظار حلول الفعالية الالية، وعملها، وانعكاساته على البنية المجتمعية وشكلها، مع كل مايمكن ان يرافق عمليه من هذا القبيل من متبقيات وهيمنه المفاهيم اليدوية السابقة من ناحية، والاساسية التي ظلت تتولد عن طبيعة علاقة العقل بالمجتمعية تاخرا ونكوصا، يحول دون الإحاطة بمكنونها ومضمرها، ومامودع بين تضاعيفها، وفي قلب بنيتها الأصل، ومثل هذا النوع من النظر او السرد البديل، من شانه ان يسقط اول مايسقط، تلك النزعة الاستعجالية الادعائية باسم العلم والثورة الكبرى الشامله، القائلة بإمكان، او وجاهة الحكم على الظاهرة المجتمعية الراهنه، لابل وادعاء القول الفصل بصددها، وبالذات بما يخص حقيقتها وممكنات مسيرها ومآلاتها.
بهذا يصير مكان الماركسية بالذات، عدا عن كل المنظور الغربي البرجوازي الليبرالي ومختلف طبعات ايديلوجياته، التي هي شكل انتكاسة منظوره الفلسفي، وتوقفه عن الفعل، بما يضع الغرب الأوربي بموقع ومكان لاعلاقة له بذلك الذي يروجه عن نفسه بظل تعذر المنافس، او الرؤية الاشمل المجتمعية، والأخطر ان الغرب يسيد على مدى القرنين المنصرمين واكثر، رؤى جوهرها مناقض ومتخلف عن مقتضيات الحالة التي نشات فيه، وانتقل اليها ماديا، مع موروثه من الرؤي والاعقال الأحادي اليدوي، الذي يلقي باطراد على حالة انتقالية مجتمعية بعينها، منظورات ورؤى، ومن ثم اشكال فعل وممارسة، لاتتناسب مع طبيعتها، ولا مع نوع ماتتطلبه وصارت تقتضيه من انقلابيه عقلية.
فالمجتمعات الغربية الانشطارية الطبقية الأحادية نمطا، مع تقدمها الديناميكي داخل صنفها، صارت بالأحرى منذ الانتقال الالي،تحولية"، وخاضعه لاشتراطات التحولية المجتمعية بدلالة الاختلال الإجمالي الذي طرا عليها مع الالة، وماتتسبب به من تخلخل انتاجوي، من مظاهره الرئيسية حضور الإرادة البشرية وفعلها في توجية العمليه الإنتاجية والطبقية من ناحية، وظهور طبقة مجتمعية جديده فعالة على المستوى الكوكبي، فعلها حاسم بالقياس للطبقات البروليتارية والبرجوازية، وكل هذا مع تداعياته المتولدة عن التناقض بين الوعي الزائف، المرتكز الى الطور اليدوي الأحادي، والجوهر الانقلابي الالي تحولي الطابع، والاخذ بالمجتمعات اجمالا، ومن هنافصاعدا، الى مابعد مجتمعية، جعل تاريخ الغرب المسمى بالحديث تاريخيا تفاقميا تازميا انتقاليا وكوارثيا، الى مابعد، والى مغادرته ذاته حكما.
لم تعرف الالة ولا التكنولوجيا اليوم، "النظرية" او الاعقال الضروري المطابق لطبيعتها ولحقيقة فعلها الواجب والمواكب مجتمعيا، وهو ماقد عجز الغرب عن بلوغه، او التصدي له، ماقد اورث حالة من الفوضى التصورية والتقديرية لاجمالي تاريخ العالم مابعد الالي، انطلاقا من اوربا، والى الإمبراطورية المفقسه في القارة الامريكية المكتشفة اليوم، خارج رحم التاريخ، وبلا طبقات تاريخيه، كدالة أخيرة على انتهاء العالم المجتمعي اليدوي والطبقي القديم، وبينهما الانقلاب الآلي بدون طبقة برجوازية، بقيادة الطبقة الجديده، الروسي، الصيني، وصولا الى انبثاق الرؤية التحولية، وبدء حلول زمن المجتمعية باعتبارها وسيلة لاغاية، وجدت لاجل الوصول بالعقل البشري الى الاكتمال، وبلوغ لحظة مباشرة أسباب الافتراق عن الجسدية.
وهنا تنطوي اليوم اهم نواحي "نظرية" التكنولوجيا التحوليه، مقابل نظريات الغرب القاصر المنوه عن علامات وأسباب قصوره، التي تذهب اليوم الى مايعرف ب"الروبوت"، واشكال التعويل على "الذكاء الاصطناعي"، بما يوفق نزعات السيطرة والتدخليه الانتاجيوية الجسدوية، لصالح الراسمالية، عدا عن تكثيرية الإنتاج، والايغال في قتل البيئة والكرة الأرضية كموضع صالح للسكنى، بدل تركيز الجهد على وضع التكنولوجيا بخدمة استراتيجة تخلص الكائن البشري من ثقل ووطاة "الحاجات الحيوية" والغريزية أولا، ومايتصل بالعمر اللاارضوي القادم، ذهابا الى بلوغ نقطة إيجاد "الحامل العقلي البديل" بما يعني وضع التكنولوجيا باتفاق مع وجهة انهاء الجسدية، لاتكريسها، والنظر صوب استقلال العقل، والتحضير لمغادرة الكوكب الأرضي.
فهل من ثورة "تحولية" استكمالية منتظرة من ارض التحولية الأولى، وهل هذا ماسيكون البدء الفعلي لما يمكن ان يعرف على انه "العصر الحديث التحولي"؟ نعم، وهو ماسوف يضطلع به " قرآن العراق" وقد ان اوانه، وصار ملحا ووشيكا،لابل بغاية الالحاح، فالالة والتكنولوجيا لهما نظرية لم تعرف بعد هي التي تطابق طبيعتهما ونوع فعلهما المجتمعي، هي النظرية او الاعقال "التحولي" الذي به ومعه تجد الاله ومااعقبها من تحول تقني مايطابقها ادراكا، حيث يبدا عصر التحول الأخير.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هذا ما يفعله أطفال فلسطين بين الركام


.. ما هي القدرات العسكرية لحركتي حماس والجهاد الإسلامي؟


.. فرنسا.. أسرار حديقة الحيوانات بوفال




.. الجزائر..قرار بفتح جزئي للحدود الجوية بعد 14 شهراً من الغلق


.. في اليوم العالمي للمتاحف.. دعوات لتشجيع تعافي المتاحف عقب ال