الحوار المتمدن - موبايل


الجمعة الطويلة

رمسيس صادق

2021 / 5 / 4
الادب والفن


الاسم الشائع هو الجمعة العظيمة ربما لعظمة حدث صلب المسيح . في قريتي كانوا يسمونها الجمعة الطويلة و قد يكون السبب هو طول اليوم من الصيام الانقطاعي الذي لا ينتهي الا بعد الخروج من الكنيسة في المساءلاولائك الذين يحفظون اليوم، او لالام المسيح في مثل هذا اليوم من حوالي الفي عام. و لنفس السبب يطلق عليه البعض اسم الجمعة الحزينة. اما بالنسبة لي فكان لدي الكثير الذي اتطلع اليه في يوم الجمعة الطويلة الملئ بالاحداث التي لا تحدث الا مرة في العام.
في الصباح اخرج مع اصحابي لنذهب الي محيط الكنيسة التي لا تبعد عشرات الامتار عن منزلنا. يزدحم المكان بعشرات الاولاد و الشباب للاستمتاع بجو الكرنڤال او المولدالذي يبدأ قبل اكثر من شهر حيث يحتل ابو سريع المكان بين سور الكنيسة القبلي وبيت اصيل الي دكان برنس. و لانه اعتاد ان ياتي كل سنة فقد تزوج سيدة من القرية و طالت بذلك مدة الكرنفال الذي كنا نسميه "السوقاطية" . نقف لنشاهد صياح الاولاد في مراجيح الهوا و نراهن علي من يقلب المرجيحة. اما المراجيح التي تتكون من عدة صناديق تدور في شكل دايري من اسفل لاعلي و تصنع صوتا جعل من اسمها " الزقازيق" بالاضافة لمراجيح ابو سريع ، كان هناك باعة الحلويات و الفول السوداني و لعب الاطفال او البالونات. يتخلل هولاء نصبات للتلات ورقات و لعب الزهر و النيشان بالبنادق و اشياء اخري اتذكرها كلما شاهدت اوبريت الليلة الكبيرة.
اعود الي البيت عندما احس بالجوع او عندما ترسل لي امي لاشاركهم الغدا الذي لا يخلو من فول نابت من اليوم السابق المسمي بخميس العهد. بعد الغدا البس الجلابية الجديدة و استعد للذهاب للكنيسة لضرب الاربعماية.
هذه العادة التي لها مذاق خاص عند اهل القرية. الجميع يحرص علي حضورها. كثير من ابناء القرية الذين غادروها للعمل في المدن يحضرون خصيصا لهذا المناسبة. عمي وهييب كان يحضر من مغاغة و ياتي بعدها لزيارتنا و شرب كوب شاي قبل ان يغادر الي بيته . كان طيبا جدا و هادي الطباع و يتحدث قليلا.
في حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر تمتليء الكنيسة بالناس. ابونا يوحنا يقف علي ترابيزة و بيديه الناقوس ووجهه ناحية الشرق و يبدا الجميع بصوت عال" يارب ارحم " ، "كيرياليصون" ، "ارحمنا يا الله" تتكرر هذه الصلوات القصيرة جدا و التي تعني كل منها نفس الشئ اي الدعاء يالرحمة. و مع كل من هذة الدعاءات المدوية يعمل كل شخص مطانية. و هي كلمة قبطية تعني سجدة . البعض ينحني للارض و البعض يسجد و ينتصب و البعض يومئ براسه كل حسب مقدرتة. تري منهم عم الياس يربط وسطه لكي يكمل المطانيات بانحناءات تقترب راسه فيها للارض. و بعد كل مائة دعاء رحمة. يضرب ابونا يوحنا بالناقوس لينبه الناس لتغيير الاتجاه.
بعد ان تنتهي الاتجاهات الاربع تكتمل الاربعماية و اعود مسرعا الي بيت جدي لاقابله. انه عمي خليل. هو عم والدتي و قد قررت ان اناديه عم خليل كما تناديه والدتي لانني احببت جدي كثيرا و لم ارد ان اشرك لقبه مع اي احد حتي لو كان اخيه الحبيب. عم خليل يأتي كل عام في مثل هذا اليوم ليشارك في الطقوس في اشنين النصاري مسقط راسه ثم يعود مساءا الي بيته في بني مزار.
يلبس بدلة بنية اللون و ربطة عنق مناسبة. كنت احب ان اري هندامه بطربوشه الذي لم يحله للايداع طيلة حياته. عند جدي يفتح صدره للحضن و يمد يده بالعيدية. خمسة قروش كاملة. كنت اتوقع العيدية و اخطط لانفاقها علي الحلوي و لعب الزهر.
بعد ان يتناول عم خليل الطعام اذهب معه لزيارة بعض الاقارب و اودعه عند مدخل البلدة حيث يستقل التاكسي عائدا الي بيته. اعود محملا بالعيدية و اضيع في الزحام. مبهورا بكل هذه العجايب التي تحيط بي في السوقاطية. شادية تركب مرجيحة الهوا لكنني اخاف فاذهب الي مكان القمار. في احد السنوات تربص بي احدهم ليسرقني فضربته. وصل الخبر لوالدي الذي كنت اخافه و قيل لي انه قادم للبحث عني فبحثت عن مكان للاختفاء. لم اجد مكانا افضل من منارة الكنيسه حيث الجرس. كانت المنارة القديمة تقع علي يمين المبني اذا كنت مواجهاللمدخل. صعدت اعلي الكنيسة و تنقلت بين القباب الثلاثة عشر حتي وصلت الي الجرس و دخلت هنا و استقر بي المقام . اسمع اصوات الاطفال و الباعة و المصلين بالكنيسة حتي غالبني النعاس. الكل يبحث عني و ياخذون عهدا علي والدي ان لا يعاقبني. استيقظت في منتصف الليل و هرولت نازلا.
المكان ملئ بالناس و الموتور الذي يستخدمونه لتوليد الكهرباء بمناسبة اسبوع العيد ساعد في اضاءة المكان. في حوش الكنيسة و تحت العنباية اري مجموعات من الشباب يتسامرون. منهم من حضر من القاهرة او من مدن اخري ليقضي العيد مع اهله و ينتهز الفرصة ليحكي لاصدقائه عن عالمه العجيب في المدينة. في جانب اخر عند المبني الملحق يبيعون هدايا و كتب دينية. يقف ابو العيد ابن المقدس حنا يحكي عن تعبه في تشغيل مولد الكهرباء الذي ينير المكان. ففي كل عام يشرف المقدس حنا علي تشغيل الموتور و تمضي ساعات في المحاولة و يشارك فيها عشرات من الرجال و الشباب. المقدس حنا يصر ان يتعلم ابو العيد كيف يشغل الموتور. ابو العيد بصدره العريض لا يبالي بما يحدث لكنه يطيع والده.
تحت العنباية يدور نقاش عن الجزارين و سبت الدبيح. في عصرية يوم الجمعة يطوف الجزارون بالبهايم التي سيذبحونها باكرا. كل منهم يريد ان يقنع اهل القرية ، الصائمين و ينتظرون اكل اللحم، ان ما لديه اكثر صحة و سيكون افضل مذاقا.
في الصباح الباكر يتم الذبح و تمتلي الشوارح المحيطة بالدم و الجزارين و الباعة الاخرين. منهم من يتخصص في بيع الاحشاء كالقلب و الكبد و الكرشة و الرأس و الارجل. ام جمال واحدة من هولاء الباعة. والدي يتفق معها مقدما علي شراء كبدة عجل. و بعض السنوات يشارك جارتنا ام هاني علي اقتسام قلب و كبد.
المقدس نمر يقيم نصبته قريب من منزلنا و يرسلني ابي لاشتري منه اللحمة و يطلب مني ان لا انسي ان اطلب منه ان تكون مشكلة يعني فيها بعض الدهن و يعطيني عظم للشوربة.
المفترض ان ينهي الناس صيامهم بعد انتهاء قداس العيد في صباح يوم الاحد. والدي كان يطلب ان تحمر الكبدة بالكمون و التوم للفطار يوم السبت. وعندما اعترض ان الوقت لم يحن بعد يقوللي ذنبك في رقبتي انا. كان اكل اللحم يبدأ يوم السبت صباحا ولا ينتهي الا يوم الاتنين حيث يحتفل الناس بشم النسيم. مما يزيد من استهلاك اللحوم ان الكثير من الزيجات يتم تاجيلها لتتم يوم العيد.
صورة الجمعة الطويلة تستقر في داخلي بالوانها و اصواتها و رائحتها و كانها حدثت بالامس بالرغم من الاربعة عقود التي مضت منذ اخر عهدي بها. لم يعد هناك حاجة لمولد الكهرباء او الميكرفون بعد توصيل الكهرباء و دخول التكنولوجيا الحديثة. لكن فرحة السوقاطية و الجو الخيالي الرومانسي الذي كان يصاحب الاحتفالات مع مقابلة الاصدقاء و الاحباب فهو مطلوب بشكل اكبر ليدفئ قلوبنا التي بردت بالبعد وواقعية الحياة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فنانة فلسطينية ترسم على رماد الغارات


.. تعلمهم الحاسوب واللغات والفنون القتالية..داخل مخيمات النزوح


.. الفنانة سما الشيبي تلأم في أعمالها جراح الحرب والمنفى




.. فنانون يتضامنون مع محمد سامي مخرج مسلسل -نسل الأغراب-


.. شاب يقلد الزعيم عادل إمام في مسرحية شاهد ماشفش حاجة