الحوار المتمدن - موبايل


صفقة الاسلحة التي غيرت ميزان القوى عام 1948

تميم منصور

2021 / 5 / 6
مواضيع وابحاث سياسية


صفقة الأسلحة التي غيرت ميزان القوى في حرب عام 1948

بعد مضي ما يقارب الستة عقود أي بين عامي 1948 – 2006 تم الكشف عن تفاصيل صفقة الأسلحة التي قدمتها تشيكوسلوفاكيا بإذن وموافقة الاتحاد السوفيتي، وقد تم إزاحة الستار الحديدي عن هذه الصفقة من خلال معرض الأسلحة الذي أقامته حكومة التشيك في عاصمتها " براغ " عام 2006 .
بفضل هذا المعرض اعترف مسؤولون إسرائيليون ومعهم مسؤولين من دولة التشيك بغالبية تفاصيل الصفقة المذكورة، بعد ان كانت القوى السياسية والأمنية في كل من الاتحاد السوفياتي – روسيا فيا بعد – وحكومة التشيك إلى جانب السلطات الإسرائيلية حاولوا طوال هذه المدة فرض المزيد من التعتيم على هذه الصفقة .
لقد اعترف " دافيد بن غوريون " أول رئيس وزراء لإسرائيل أن الفضل يعود لهذه الأسلحة التي حصلنا عليها من الكتلة الشيوعية في انتصارنا على الأعداء العرب، ونوه المسؤولون عن هذا المعرض أن سبب اقامته لا يعود فقط عن الكشف عن تفاصيل الصفقة بل أيضاً للتعبير عن العلاقات الجيدة بين دولة التشيك وشعبها وبين النظام الحاكم في إسرائيل وللتعبير عن العلاقات المميزة مع الشعب اليهودي.
ما يلفت النظر في هذه الصفقة ليس سريتها فحسب ولا كميات الأسلحة التي قُدمت لإسرائيل بل إصرار الاتحاد السوفيتي على دعم العصابات الصهيونية في فلسطين بكميات نوعية من الأسلحة عن طريق حليفته تشيكوسلوفاكيا ، قدم هذه الصفقة على الرغم من قيام الأمم المتحدة وامريكا والدول الأوروبية بفرض الحصار على بيع الأسلحة لجميع القوى المتصارعة في الشرق الأوسط، لكن الاتحاد السوفيتي كسر هذا الحصار واعتبرها سرية للغاية ، لأنه لم يصدق بعد بأن الصهيونية والشيوعية ضدان لا يمكن أن يلتقيان فوق منصة فكرية واحدة.
كان الاتحاد السوفيتي يحلم بأن الدولة اليهودية التي ستقام حديثاً في الشرق الأوسط عام 1948 سوف تنضم الى مجموعة الدول الشيوعية، لكن أمله قد خاب ، فبعد قيام إسرائيل تحولت إلى دولة معتدية وقاعدة للإمبريالية الامريكية والبريطانية، ولم يصدق الاتحاد السوفيتي ذلك إلا بعد اجراء أول انتخابات برلمانية في إسرائيل عام 1949 فاز في هذه الانتخابات حزب مباي وهو حزب صهيوني عنصري انتهازي، في حين الحزب الشيوعي لم يحصل إلا على عدد محدود من أعضاء الكنيست، رغم أن زعماء هذا الحزب كانوا في طليعة الوفد الذي شارك في التفاوض مع المسؤولين في وزارة الدفاع التشيكية للحصول على الأسلحة ، وقد قرر " بن غوريون " ذلك بعد أن أدرك بأن كل السبل أمامه مغلقة للحصول على السلاح من الدول الغربية.
كان الاتحاد السوفيتي بقيادة ستالين يدرك مقدما بأن الأسلحة التي سوف تتسلمها عصابات الهجاناة والاتسل وغيرها سوف تستخدم ضد أبناء الشعب الفلسطيني الذي كان لا يملك السلاح ، لأن بريطانيا التي كانت تحتل فلسطين جردت الفلسطينيين من الأسلحة وأصدرت قانوناً بفرض حكم الإعدام على كل فلسطيني يحمل بندقية .
جدير بالذكر أن دفعات الأسلحة التي وصلت إلى العصابات الصهيونية في شهر كانون الثاني عام 1948 ضمن الصفقة المذكورة كانت على مرأى ومسمع من السلطات البريطانية ، لأنها كانت مسيطرة على البلاد ، وأن هذه القوات قد انسحبت من فلسطين يوم 15 أيار 1948 في حين أن صفقات الأسلحة قد وصلت في القترة الواقعة بين شهر كانون الثاني حتى نهاية شهر نيسان 1948 ، ومن المؤكد كانت الأنظمة العربية الفاسدة التي وجدت في تلك الفترة كانت على علم بهذه الصفقة رغم أنها سوف توجه ضد جيوشها التي كانت تستعد لدخول فلسطين .
أما بالنسبة لتفاصيل المعرض الذي أقيم عام 2006 في مدينة " براغ " فقد وردت هذه التفاصيل ضمن المقال الذي نشره " أريه جولان " في صحيفة " هآرتس " يوم 9 / 5 / 2006 ، وقد وثقه بالصور الخاصة بالمعرض وبكافة التفاصيل ، كما أنه اعتمد على أقوال المسؤولة عن تنظيم واعداد هذا المعرض من الجانب الإسرائيلي وتدعى " شوشانه دغان " وهي زوجة أحد كبار الطيارين الإسرائيليين الذين شاركوا بالصفقة .
يصف المقال حيث يكتب " في شارع من شوارع مدينة براغ فوجئ المواطنون الذين يقطنون في هذا الشارع بالأعلام الإسرائيلية والى جانبها الاعلام التشيكية ترفرف فوق أعمدة خاصة نصبت بهذه المناسبة في هذا الشارع، كما ظهرت ملصقات كُتبت باللغة التشيكية تبلغ المواطنين عن قُرب افتتاح معرضاً خاصاً للأسلحة تحت اشراف وزارة الدفاع التشيكية، وورد في هذه الملصقات أن هذا المعرض يرمز الى عمق العلاقات الخاصة بين الشعبين ، وتوضح كيف أمد الشعب التشيكي في يوم من الأيام إسرائيل بالأسلحة التي ساهمت في قيامها ، وأن الأسلحة التي ستظهر في المعرض مع الألبسة العسكرية والعتاد الحربي ما هي سوى نماذج مما حصلت عليه إسرائيل في حينه ، وقد ذكرت " شوشانه دغان " أنها خلال زيارتها المتكررة للمعرض في مرحلة اعداده كانت تلتقي بالعديد من كبار ضباط التشيك الكبار في السن وقد اعترفوا لها أنهم هم من قاموا بتدريب الإسرائيليين على استخدام الأسلحة، وأنهم من قاموا بتدريب عشرات الطيارين اليهود على قيادة الطائرات الحربية قبل تسليمها للقوات الجوية الإسرائيلية ، واعترف هؤلاء الضباط بأن الاتحاد السوفيتي فرض السرية التامة على هذه الصفقة واعدت كأنها سترسل إلى دولة " الحبشة " وليس لإسرائيل خوفاً من الإدانة الدولية في حال كشفها ، وأضافت " شوشانة دغان " بأن " بن غوريون " أراد أن يفاجىء العرب بها وسوف يستخدمها في تفريغ المدن والقرى الفلسطينية من سكانها .
أما بالنسبة لتفاصيل صفقة الأسلحة فقد- تسلمت العصابات الصهيونية حوالي خمسين ألف بندقية تشيكية استعملها الجيش الإسرائيلي لمدة 30 سنة كما شملت الصفقة 6 الآف مدفع من عيارات مختلفة مع رشاشات ثقيلة ، تبعها تسليم هذه العصابات ما يقارب 90 مليون طلقة وقد اعتبر المسؤولون أن هذه كمية هائلة من الذخيرة .
في شهر نيسان من تلك السنة تم التوقيع على صفقة جديدة بموجبها حصلت القوات الإسرائيلية على 25 طائرة حربية من طراز " ميسر شميط " وقد تم تجهيز هذه الطائرات واعدادها للقتال في القواعد الجوية التشيكية وكما تم تدريب الأعداد الكافية لها من الطيارين الإسرائيليين لقيادتها وصيانتها وتركيبها لأنها وصلت إلى فلسطين وهي مفككة وقد تم نقلها في طائرات خاصة .
يضيف المقال أن " بن غوريون " قال وهو يشرب نخب وصول هذه الصفقة بأن هذا هو يوم الميلاد الحقيقي لإسرائيل ، لأنه بفضل هذه الطائرات تم وقف زحف الجيش المصري وهو في طريقه لتل أبيب وقد اضطر للتوقف بسبب غارات هذه الطائرات في ضواحي مدينة اشدود ، لم تتوقف هذه الصفقة عند هذا الحد فقد تبعها صفقة إضافية حصلت إسرائيل من خلالها على 56 طائرة أخرى من طراز " سبايت فاير " بهذا أصبح عدد الطائرات التي حصلت عليها إسرائيل قبل قيامها 86 طائرة حربية ، وقد صرح ضابط بريطاني على هذا الأثر بأن جميع الدول العربية والإسلامية لا تملك مثل هذه القوة الجوية الضاربة .
الفرق بين صفقة الطائرات الأولى والصفقة الثانية أن الصفقة الثانية وصلت إلى فلسطين جاهزة ومباشرة يقودها طيارون إسرائيليون نذكر منهم عيزر وايزمن ومردخاي هود وغيرهم، جميعها وصلت سالمة باستثناء طائرة واحدة سقطت في يوغسلافيا وقُتل قائدها الطيار ويدعى " الياهو جوجانسكي " وهو والد زوج عضو الكنيست السابقة عن الحزب الشيوعي " تمار جوجانسكي ويدعى يورم
" يعترف المقال أنه من بين أعضاء الوفد الذين شاركوا بالتفاوض والتوقيع على احضار الصفقة أعضاء من قادة الحزب الشيوعي الإسرائيلي ، والسؤال الذي يطرح نفسه هل كان الزعماء العرب في الحزب الشيوعي يعلمون في هذه الصفقات، أمثال توفيق طوبي وأميل حبيبي وغيرهم .
هناك حقائق هامة تم تسليط الأضواء عليها خلال إقامة معرض الأسلحة المذكور وقد كشفت عن أسباب فرض السرية على هذه الصفقة " شوشانة دغان " فقد قالت من الأسباب عدم احراج الولايات المتحدة وبريطانيا لأنهما شاركتا في فرض حصار بيع الأسلحة على الدول المتصارعة في الشرق الأوسط وأيضاً عدم احراج الاتحاد السوفيتي لأنه هو من وافق على الصفقة ، وهناك سبباً آخر هو لم تكن إسرائيل معنية بأن يعرف العالم بأنها انتصرت في الحرب بفضل الأسلحة التي وصلتها من الكتلة الشيوعية والأهم من كل ذلك أن إسرائيل عملت قصارى جهدها للتستر على هذه الصفقة لأن غالبية الأسلحة التي حصلت عليها هي صناعة المانية خاصة الطائرات والمدافع الثقيلة وأن هذه الأسلحة صنعت في المصانع الألمانية التي أقامها الالمان في تشيكوسلوفاكيا قبل الحرب العالمية الثانية بعد احتلالها عام 1938 ، فقد أقام الالمان مصانع عسكرية حربية على أرضي الدولة ، هذه المصانع استمرت في انتاج الأسلحة بعد هزيمة المانيا في الحرب العالمية الثانية ، لم تكن إسرائيل تريد أن يعرف العالم بأن الطيارين التشيك الذين دربوا طياريها قد تدربوا في المانيا ومنهم من قاتل في سلاح الجو الألماني أثناء الحرب العالمية الثانية ، وتعترف " شوشانة دغان " أن الألبسة التي استخدمها الطيارون اليهود كانت من صنع المانيا النازية .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - البلشفية والصهيونية توأمتان
منير كريم ( 2021 / 5 / 6 - 17:46 )
تحية وتقدير للاستاذ الكاتب
مقال رائع يبين محطة هامة وحاسمة في العلاقة بين البلشفية والصهيونية التي كانت دائما ومازالت تغطي عليها الاحزاب الشيوعية وتستغفل منتسبيها وشعوبها
علاقة التوأمه بين البلشفية والصهيونية تعود الى علاقة لينين السياسية والعسكرية بحزب عمال صهيون اثناء الانقلاب البلشفي في اكتوبر 1917 وفي الحرب الاهلية مرورا بستالين الذي قال بانه صهيوني بالمبدأ
سوف تنكشف جرائم السوفيت ضد الشعوب اكثر حينما تنتصر الديمقراطية في روسيا
شكرا جزيلا لك


2 - ستالين قبر الشيوعية بدعمه الحركة الصهيونية
نبيـــل عــودة ( 2021 / 5 / 6 - 19:49 )
تأسس الحزب الشيوعي في فلسطين عام 1919 وكان حزبا يهوديا صهيونيا وقد كشف العديد من الباحثين عن دوره في نكبة الشعب الفلسطيني ، لدي مراجع من الوثائق المذهلة، امتنعت عن نشر بعضها خاصة خطابات قادة شيوعيين عرب بعد النكبة لانهم تماثلوا مع موقف ستالين المؤيد للحركة الصهيونية، وعمليا من ساهم بحصة الأسد في قيام اسرائيل هم الشيوعيين اليهود، وللتاكيد انا لا ارى فيهم ولا في ستالين شيوعيين ستالين قبر الماركسية ولم يطبقها ، طبق نظاما استبداديا ،للأسف رفاقنا العرب بغباء دافعوا عن نهج ستالين وبالتالي عن جق الشعب اليهودي بدولة في فلسطين، وذلك بخطاب مذهل بحقارته القاه قائد شيوعي في باريس والدم لم يجف والتشريد ل 700000 قائم بكل قسوته، والمذابح في عشرات البلدات العربية لم يجف دمها بعد، وهدم اكثر من 500 بلدة عربية. طبعا اتبعوا طريق ستالين بغباء قال ذلك القائد الشيوعي بلا حياء:
- ي احتفالنا اقامة دولة اسرائيل نحتفل بمبدأ حق تقرير المصير للشعب اليهودي في ارض اسرائيل. نحن نحتفل بذكرى الهزيمة التي تلقتها الامبريالية في اعقاب فشل حملة الاعتداءات لجيوش الحكام العرب الرجعيين.-
وتتمة الخطاب مذهلة اكثر!!

اخر الافلام

.. ماكرون سيعلن عن خطوات جديدة لتكريم-الحركيين- • فرانس 24


.. خلدون النبواني: فرنسا ستحاول التحالف مع الصين كنوع من رد الط


.. الجزائر: الرئيس تبـّون يحضر جنازة عبد العزيز بوتفليقة| #مراس




.. غموض يحيط عمل البعثات الدبلوماسية بعد سيطرة طالبان


.. المجلس الأعلى للدولة في ليبيا يقر قانوني الانتخابات الرئاسية