الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الأرض والماء وحقوق الإنسان بالسفوح الجنوبية الشرقية للأطلس الكبير الشرقي المغربية

لحسن ايت الفقيه
(Ait -elfakih Lahcen)

2021 / 5 / 10
حقوق الانسان


باتت سمة الحركات الاحتجاجية بجنوب شرق المغرب تنطوي حول الموارد الطبيعية، الأرض والماء على سبيل الخصوص. ولأن الموضوع واسع عريض يحتاج إلى حفر كثير، وإلى مراء يحففه العقل، فلست أهلا للإحاطة بكل شيء في هذه الورقة. وأحب أن أقتصر على القول في الانتهاك الحاصل ابتداء من منتصف مارس من العام 2021، ونهاية شهر أبريل الموالي في واحتين اثنتين جميلتين، كلتيهما بساط للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في القرن الماضي، واحة «إكلميمن»، بالكاف المعطشة، على واد غريس، وواحة «تيعلالين» على واد زيز. وتجدر الإشارة إلى أن الوضع منذر فيهما. صحيح أن المصالح الحكومية ليست هي التي مست السكان بالقرح، ولا علاقة لها بما حاق بهم. لكنها مسؤولة، إذ هي تقف في النطاق الخاص بالمحايد السلبي أمام الاستحواذ على الأرض، وامتصاص فرشات الماء. وبدون أرض وماء لا يمكن الحديث عن الذاكرة، ولا عن الحقوق الثقافية، ولا عن الهوية والتاريخ.
لا أحد ينفي أهمية الاستثمار، وبدونه يتعذر درء تخلف التنمية في الوسط. والاستثمار يحتاج إلى الأرض وموارد الماء، وتلك حقيقة واقعية، حقيقة قعساء لا تنطوي على أدنى شك. لكن جشع المستثمر يستدعي تلجيمه بالحكمة والتبصر، فلا يمكن، تحت يافطة الاستثمار، أن أهدد مصير 70 ألف نسمة تشرب من عين واحدة، عين «تيفوناسين» بواد غريس، وتسقي منها زرعها ونخلها. ولا يمكن تحت يافطة الاستثمار أن أستحوذ على عين ارتقت إلى مستوى مزار مائي بواحة «تيعلالين». وأما حرمان سكان «تيعلالين» من هضبة «سدور»، بما هي أرض أجدادهم كما يفصح أحدهم في شريط بصري مسموع عثرت عليه بالصدفة، فأمر يمس الحق في التوسع السكني، ويمس الحقوق الاقتصادية للسكان، ويضرب الذاكرة الجماعية.
وتحت شعار: «هاد شي ماشي معقول لعوينة بغات تمشي» خرج سكان قصر «كراندو» بواحة «تيعلالين» يوم السبت 24 من شهر أبريل من العام 2021 محتجين، حسب ما بثه منبر «الحدث بريس» الصحافي يومها. إنه سلوك مجانب للعقل فالعوينة، [تصغير للعين]، سيُستحوذ عليها، هكذا يقول السكان باللسان الدارج. إنها عوينة «أكعوش» إحدى العيون الثلاثة التي تنبع من منكب، «إغير» بالأمازيغية، جبل «بوحميد» بالأطلس الكبير الشرقي. ولأن المياه التي تخرج من هذا الجبل ساخنة فالعين يوظفها السكان للاستحمام وغسل الملابس. و«المسيرة الاحتجاجية نسائية»، تقول الحدث بريس. ووجب الوقوف هنا للتذكير أن الحركات الاحتجاجية بجبال الأطلس الكبير الشرقي نسائية منذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي. ولا غرو، فبعيد انتهاء وظيفة المعتقل السري «تازمامارت» سنة 1991، نشأ بعض الانفراج. ولأن المسيرات النسائية تتجنب السلطةَ قمعَها ترى النساء هن اللائي كن يخرجن مع أطفالهن طلبا للماء والكهرباء بالوسط القروي. ولقد توفقت تلك المسيرات في تعميق هامش الانفتاح الديموقراطي بمجالات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، في وقت متقدم عن عمل هيئة الإنصاف والمصالحة. ولقد أضحت المسيرات النسائية تقليدا معتادا بجبال الأطلس الكبير الشرقي، وفي جميع النقط العمرانية وراء الانكسار الأطلسي الجنوبي.
وخرجت مسيرة أخرى من «كراندو» لتتجه شطر الجنوب في اتجاه مقر ولاية درعة بالرشيدية زوال يوم 27 من شهر أبريل، وفق ما يُرى في شريط فيديو، رافعة الشعار: «لا قيادة لا عمالة، فين هما المسؤولين»، «هذا عيب هذا عار الساكنة في خطر». مفاد ذلك أن المسؤولين غائبون، حسب الشعار الأول، والسكان في خطر حسب الشعار الثاني، وذاك هو الحياد السلبي للسلطة تجاه الاستحواذ على هضبة «سدور» بغرب واحة «تيعلالين»، وتجاه محاولة الاستحواذ على العين، ولو أن خبرا غير يقين يروج شفويا تدخل السلطة الإقليمية بميدلت لإنقاذ عين «أكعوش».
لننتقل إلى واد آخر، واد غريس. يقول الأستاذ أحمد عصيد: « في مناطق وادي «اغريس» يعيش عشرات آلاف السكان على زراعة معاشية واستقرار هادئ منذ قرون طويلة، في تضاريس خلابة ومناخ شبه صحراوي، وهو استقرار يتمحور أساسا حول منابع الماء الثلاثة الكبرى: «تيفوناسين» ، «بوخازم»، و«تامدا ن مسعود»، منابع رغم محدوديتها ظلت تستجيب لحاجات السكان الحيوية، التي انبنى عليها نظام اجتماعي ـ اقتصادي وثقافي كامل، ولهذا حرص المستعمر الفرنسي على تحديد تلك المنطقة بكاملها بوصفها «منطقة حمراء» مهدّدة مستقبلا في مواردها المائية الهشة بسبب زحف التصحّر وقساوة الطبيعة»، (زنقة 20، 15 من شهر أبريل من العام 2021. نعم، السكان مهددون في مواردهم المائية. وفي يومها، 15 من أبريل، أعدت تنسيقية الماء بيانا سمته «بيان واحة الماء للتاريخ» لتعلن فيه أن سكان كلميمة تلقوا «بقلق وحزن شديدين ما أقدم عليه مستثمر من بدء أشغال الحفر»، لإقامة استغلالية ماكروـ زراعية، أي: استغلالية زراعية ضخمة بالأرض الجماعية «التي سلمتها الجماعة السلالية لتاديغوست في ظروف غريبة لكون الوعاء العقاري الجماعي الكائن في المنطقة التي تسمى تاريخيا «أمغى»»، أي المنطقة القاحلة بالأمازيغية، وتقع «بين تاديغوست وغريس العلوي»، وهي أرض تدخل ضمن المنطقة الحمراء، يقول البيان. إنها منطقة منع فيها «حفر الآبار والأثقاب المائية منذ مدة، كما تؤكد ترسانة الأعراف القبلية التي نالت الوقار والاحترام» من لدن السكان. ولم يسبق لها «أن تجرأت على حفر بئر واحدة». وعلل البيان أنه «لما كانت هذه المنطقة تعتبر ملجأ للرعي والانتجاع منذ أمد بعيد»، فوق أن واحة كلميمة تعتمد تاريخيا «على منابع تيفوناسين في ري المزرعة وفي صون المحيط البيئي للواحة الذي يضمن استقرار السكان، وصيانة دعائم الاقتصاد الاجتماعي الضامن لحياة المجتمع الواحي». ومن جانب آخر، يكون «المساس بالفرشة المائية الباطنية بعالية تيفوناسين» يشكل «تهديدا مباشرا وبمثابة «إعلان حرب» على استقرار الواحة وحياتها». وتأسيسا على كل الحيثيات قرر أبناء الواحة، بما منتظمون في جمعيات إصدار بيان سؤلا في تنوير الرأي العام، والتمسوا فيه من السيد والي جهة درعة تافيلالت «التدخل المستعجل لإيقاف أي مساس بالأمن للواحة من خلال الترخيص بحفر الأثقاب المائية في منطقة تحظى بقدسية كبرى لدى عموم سكان واحة كلميمة». وفضلا عن ذلك يرفضون رفضا قطعيا «لكل مساس بعالية تيفوناسين من لدن أي مستثمر»، ويدعون «إلى الاحتكام لصوت الحكمة في إيجاد بديل للاستثمار في مجالات تحتاج إلى الماء مثل تمور المجهول والدلاح»، أي: البطيخ الأحمر. إن «الترخيص بالحفر في عالية في عالية منابع بوخازم وتامدا نمسعود يشكل تهديدا حقيقيا واستهدفا مباشرا لكل مكونات المجتمع الواحي». ويوجهون النداء «إلى كل من يود الاستثمار بمنطقة أمغى بعالية تيفوناسين» ملتمسين «الانتصار إلى صوت الضمير في بناء فكر استثمار وطن مواطن لا يسيء لحقوق الجماعات من أجل حقوق الأفراد». إنهم يؤكدون أنهم ليسوا ضد الاستثمار، لكن «شريطة ألا يكون على أشلاء ذوي الحقوق من المجتمع الواحي» الذي «يعتبر الماء صمام أمان الاستقرار والعيش الهادئ على مجال إيكولوجي قوامه لندرة والكفاف».
خاض السكان حملة إعلامية ترافعية بناء على إحدى توصيات اليوم الدراسي المنظم بمدينة كلميمة يوم 17 من شهر مارس من العام 2017، والذي نظمته جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان، وتوجته بإصدار بيان وجهته إلى الهيئات الحقوقية المعنية. ولو توفقت الحملة الإعلامية إلى حد بعيد في تبليغ رسالة انتهاك حق سكان غريس في الماء، يبقى السؤال مطروحا: هل استجابت السلطات لمراد السكان؟
تشير جريدة الصباح إلى أن السيد وزير الداخلية قرر «تعليق كراء الأراضي السلالية بإقليمي الرشيدية والقنيطرة، بسبب ما يطولها من تلاعبات، واحتكار التفويت من قبل أشخاص نافذين حصلوا أكثر من مرة على دعم من رجال السلطة ونواب سلاليين»، جريدة الصباح، عدد يوم 16 من شهر أبريل من العام 2021.
وسواء تحقق المراد أو لم يتحقق فإن كراء الأرض من فوق العيون معناه تجفيف سكان سافلة الواد وتعريضهم للهلاك، وفي ذلك مس حقهم في الأمن المائي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تفاعلكم : السعودية تدشن جسرا جويا لإغاثة سوريا وتركيا وحملة


.. تغطية خاصة | جهود الإغاثة والإنقاذ بعد زلزال تركيا وسوريا (3




.. فرق الإغاثة تسابق الزمن مع استمرار ارتفاع حصيلة قتلى زلزال س


.. زلزال سوريا وتركيا | تحرك دولي لإغاثة المنكوبين في الشمال ال




.. تغطية خاصة | جهود الإغاثة والإنقاذ بعد زلزالي سوريا وتركيا (