الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


صراع البحث عن التعاطف

كلكامش نبيل

2021 / 5 / 12
السياسة والعلاقات الدولية


في فترة مراهقتي، كنتُ أرفض جميع الانتماءات وأعتقدُ أن الإنسانية هي الرابط الحقيقي الوحيد الذي يوحّد بني البشر، وكنتُ أعتقد أن الروابط الدينية والقومية مجرد أوهام مُضافة مثل أردية يرتديها الإنسان - وقد كتبتٌ عن ذلك في رواية توقفت عن إكمالها في عام 2012. بمرور الوقت، أكتشفتُ أن الإنسانية في الحقيقة رباط واهٍ أمام الواقع، وأن بقية الانتماءات أكثر عُمقًا وتجذرًا وواقعية، وهذه نقطعة خلافي مع اليساريين التي اشتدت في العامين الأخيرين. لقد وجدتُ أن الإنسان لا يتعاطف على أساس إنساني في الواقع، بما في ذلك من يزعمون بأنهم إنسانيين، وغياب تعاطفهم على أساس إنساني مع استمرار احتكار هذه التسمية يجعلهم في موقف أسوأ من غيرهم من فئات صريحة في خطابها وأنها تقدّم دينها أو قوميتها أو لغتها كأساس لمواقفها وقراراتها.

في الأزمة الأخيرة، الجارية الآن في القدس - أورشليم، تجدّد الصراع على أساس ديني في الغالب، ولهذا نجد من يتعاطف مع الفلسطينيين في حين أنه لم يتعاطف مع الأيزيديين والمسيحيين، ورفض قبل فترة قصيرة فقط ابداء أي تعاطف مع الأرمن على سبيل المثال. في ذات الوقت، لاحظت أن الكثير من الأيزيديين يرفضون التعاطف مع أشخاص يتم طردهم من منازلهم في القدس - وهو شعور مرير وبشع اختبروه قبل سنوات قليلة في سنجار على يد عصابات تنظيم داعش الإرهابي. قد يتصوّر المرء أن الشخص الذي مرّ بتجربة سيئة يجب أن يتعاطف مع أي شخص يمرّ بذات التجربة في أي مكانٍ آخر، ولكن الواقع أن الإنسان يتعاطف كنوع من ردّ الجميل أو رد الفعل.

لهذا السبب كتب الكثير من الأصدقاء في العراق عن عدم تعاطفهم لأن العرب لم يتعاطفوا مع التفجيرات وموجة الإرهاب التي كانت تضرب العراق في السنوات التي تلت الغزو الأميركي عام 2003؛ وكتب الكثير من الأصدقاء من المكونات العرقية والدينية الأصغر في المنطقة بأنهم لا يتعاطفون مع ما يجري في القدس لأن المكونات الأكبر - العرب المسلمين - لا تتعاطف مع ما جرى لغير المسلمين في العراق وسوريا أبان فوضى "الربيع العربي". على صعيدٍ آخر، يرفض بعض العراقيين التعاطف لأن العرب يمجدون صدام حسين أو لأنهم لم يدعموا التظاهرات في العراق في عام 2019.

بإختلاف المواقف، نجد أن التعاطف مع أي طرف لا ينبع من نزعة إنسانية، بل يمثل نوع من رد الجميل في حال مساندة ذلك الطرف لك في موقفٍ سابق؛ أو لمشاركتك الانتماء الديني أو القومي حسب أولوياتك؛ أو انتقام على صمت ذلك الطرف على ظلم تعرضت له سابقًا؛ أو رد فعل كاره لك لأنك تشترك - دينيا على سبيل المثال - مع فئة شاركت في ظلمك في وقتٍ من الأوقات.

في تركيا على سبيل المثال، شاهدتُ صور لمظاهرات شارك فيها عرب وأتراك وغيرهم للاحتجاج على ما يجري في القدس، وكان هناك هاشتاك بالتركية شارك فيه 1.5 مليون شخص (ليس جميعهم من الأتراك) لدعم الفلسطينيين، وهاشتاكات أخرى عن الأقصى شارك فيها عشرات الآلاف. وعلى صعيدٍ آخر، شارك أكثر من 50 ألف تركي في هاشتاك عن العرب ما بين متسائل عن موقف الجامعة العربية ممّا يجري، وما بين منادٍ بعدم التدخل وهم يرفقون ذلك بصور لمصطفى كمال أتاتورك يقول فيها ما معناه "لن ينزف أبناء الأتراك بعد اليوم دمًا من أجل صحارى العرب" ومقولة أخرى بضرورة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للعرب. فيما قارن بعض القوميين الأتراك السكوت على ما يتعرض له الأيغور والضجة على ما يجري في فلسطين بأنه خيانة للقومية التركية وأن هذا يعني أن الشخص الذي لا يأبه للأيغور "عربي أو أرمني أو روسي"!

بالمثل، نجد أن الكثير من الجماعات العرقية المُتباكية على خسارة أراضيها التاريخية تبرّر التغيير الديموغرافي الذي يطال فئة أخرى - مٌسلمة مثلا - بسبب كراهية ديانة ذلك الطرف، وهذا يشمل الجميع. من الممكن أن نجد شخصًا يرفض سرقة أرضه في شمال العراق ويبرر ذلك في القدس مثلا، ونجد من يرفض الإستيطان في الضفة الغربية ولا ينطق بكلمة عن المجازر التي حصلت في سنجار. كما يمكننا ملاحظة استعراضات محور المقاومة في بغداد ومدن عراقية كثيرة وخطاباتهم "المثالية" في يوم القد!!س وتنديدهم بما يجري هناك في حين أنهم يقومون بتغيير ديموغرافي ويضعون خطط مماثلة في مناطق عراقية كثيرة - منها سهل نينوى وجرف الصخر وسامراء وغيرها.

كل هذا يثبت أن التعاطف الإنساني مجرد وهم، وأن الإنسان يتعاطف مع مصالحه فقط ومع الفئة الأقرب له أو مع الفئة التي تؤذي عدوّه! من أمثلة ذلك، أنني أذكر أحاديث أصدقاء طالبوا بق!!!صف نينوى بالأسلحة الكيمياوية في عام 2015 وآخرين يطالبون بتجريف الطارمية مثلا ولكنهم ينددون بتجفيف الأهوار أو قصف حلبجة في الثمانينيات. لو كان الدافع الإنساني هو الأساس، كما يروّج البعض، لما تغيّرت المواقف. ذات الاشخاص يشاركون في قمع التمرّد في سوريا ويشجعونه في اليمن، في حين يدعم الطرف الآخر الثورة في سوريا ويشجع على قمع المتظاهرين في البحرين. وبعض المواقف أكثر طرافة وسخرية، كدعم الم!!عارضين السوريين السُنة - الذين يكرهون الش!!يعة - لأذربيجان الشيعية ضد أرمينيا ووقوف إيران مع أرمينيا ضد أذربيجان.

كل هذه المواقف تثبت مدى تأثير الدين أو العِرق على موقف الإنسان وتعاطفه. لذات السبب كثيرًا ما ألاحظ مواقف الباكستانيين والهنود (وهم شعب واحد فرّقه الدين ومن ثم السياسة). على تويتر، وفي الصراع بين اليونان وتركيا على شرق حوض البحر المتوسط، ألاحظ على الدوام وقوف الهنود مع اليونان أو مصر ووقوف الباكستانيين مع تركيا، وفي الأزمة الراهنة أيضًا نلاحظ تأييد الهنود لإسرائيل ووقوف الباكستانيين مع الفلسطينيين لأسباب ودوافع دينية. يؤيّد كل هذا طروحات عالم السياسة صموئيل هنتنغتون في كتابه "صدام الحضارات" الصادر عام 1996 بخصوص تأثير الدين بالذات على مواقف الإنسان وصعوبة تجاوز ذلك التأثير.

باختصار، المنطقة الناطقة بالعربية تشهد فترة ضعف شديدة وسببها الأساس تراجع الهوية الجامعة وتضخم الهويات الفرعية لدرجة لم تعُد لدى هذه الشعوب قدرة على بلورة موقف موحد من أي قضية تخصهم إقليميا وعلى مستوى كل قطر لوحده، وسيتركهم هذا عرضة للتآكل التدريجي من قبل القوى الإقليمية الكبرى المُتعاظمة النفوذ. تحتاج المنطقة لعقود طوال حتى تتجاوز هذه الخلافات والجروح الغائرة بين مكوناتها - إن أمكن ذلك، وإن بقوا -. الغريب في الأمر مساهمة النخب "المثقفة" والمدونين على السوشيال ميديا في إضعاف المنطقة وتشتيت هويتها وتفرقتها بل وإنعاش الصراعات القديمة لزيادة الكراهية بين مكوناتها وتشجيع النزعات الإنفصالية فيها. فأين هؤلاء من جيل المفكرين القدامى - من مختلف الانتماءات - الذين سعوا لتوحيد المنطقة - في مطلع القرن الماضي - بأيّ شكلٍ كان من أجل الإستقلال. إنه بحق عصر الطوائف. #كلكامش_نبيل








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. التلفزيون السوري: عملية الإنزال الأميركية في القامشلي أسفرت


.. نواب بالمعارضة الجزائرية يلوحون بالسعي لطرح تصويت بسحب الثقة


.. الرئيس التركي يقول إنه قد يلتقي بنظيره السوري بشار الأسد عند




.. المجلس العسكري في بوركينا فاسو يعين إبراهيم تراوري رئيسا جدي


.. مدرسة تشيكية توزع الأغطية على طلابها بسبب أزمة الطاقة