الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الإنتخابات النيابية المبكرة في العراق والموقف منها

كاظم المقدادي
(Al-muqdadi Kadhim)

2021 / 5 / 14
العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية


الأنتخابات النيابية المبكرة في العراق هي أحد المطالب الأساسية لثوار تشرين.وكان الهدف منها إحداث التغيير الجذري للعملية السياسية، وإزاحة الطغمة الحاكمة الفاسدة الجاثمة على صدور العراقيين، وأقامة النظام الديمقراطي الحقيقي ودولة المواطنة وسيادة القانون والعدالة الإجتماعية الضامنة للحياة الحرة والكريمة للغالبية العظمى من العراقيين.وقد جوبه هذا المطلب الشعبي الهام، كما شهد القاصي والداني، بمساع خبيثة حثيثة من قبل الطغمة الحاكمة لتشويه مسار المطلب، بل ولمسخه كلياً. وما انفكت تسعى الى تأجيل الأنتخابات، مرة أخرى ، وحتى الى إلغائها، بذرائع شتى،بغية البقاء في السلطة أطول فترة ممكنة، لا سيما بعد ان لمست حجم الموقف الشعبي الرافض لسلطتها..
واليوم، ثمة موقفان من الأنتخابات النيابية المبكرة المقرر إجراؤها في تشرين الأول القادم، وسط الشارع العراقي العريض:
الموقف الأول - هو الموقف الرافض للمشاركة فيها، وقد شرعت تتبلور جبهة شعبية رافضة، مؤلفة من قوى وطنية من خارج البرلمان، وإنضمت إليها مؤخراً قوى من داخل البرلمان، تعبيراً من أطرافها عن إدانتهم لجرائم إستهداف نشطاء الحراك الشعبي،وللمرشحين المعارضين لمنظومة المحاصصة والفساد، وإستنكارهم لتنصل حكومة الكاظمي عن الإيفاء بتعهداتها لثوار تشرين، وفي مقدمتها حماية المتظاهرين، والكشف عن قتلة ثوار تشرين، ومحاسبة حيتان الفساد، ونزع سلاح المليشيات، وتأمين البيئة الآمنة والأمن الإنتخابي، الى جانب إستعادة الأموال المنهوبة، وتوفير الخدمات، وتحسين الوضع المعيشي للشرائح الإجتماعية الفقيرة والمحتاجة،..
الموقف الثاني- هو المشارك في الإنتخابات المبكرة، ويضم في أطرافه قوى مدنية ووطنية ديمقراطية وتشرينية، متحمسة للمشاركة بالأنتخابات على أمل بلوغ التغيير المنشود، معتمدة على وعود وتعهدات الكاظمي، وحسن الظن به وبحكومته،والوثوق بها، والتعاون معها، والدفاع عنها، جهلآ بحقيقتها وبمساعيها والجهات التي تخدمها..

وهناك أطراف تروج للمشاركة في لإنتخابات خبثاً وإنتفاعاً من فتات ما " تجود به " عليهم الطبقة السياسية المتنفذة،من مناصب وتعيينات ومغانم،خاصة ممن تخلى عن مسؤوليته الوطنية مقابل منافعه الشخصية والحزبية.وقد أعدت السلطة جيشاً من الإعلاميين المأجورين لخدمة كتلها وأحزابها..

ويبدو ان المتحمسين للإنتخابات المبكرة من القوى المدنية يتجاهلون أو يتناسون تداعيات المشاركة فيها، والتي يراد لها شرعنة وإدامة منظومة المحاصصة والفساد وسلطة اللادولة والمليشيات، بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة. ويتوقع المراقبون والمحللون السياسيون الموضوعيون ان يكون التنافس الأنتخابي بين القوى المتنفذة على أشده، وسوف لن يكون تنافساً شريفاً أو ديمقراطياً أو نزيهاً. وسيكون السلاح المنفلت للمليشيات حاضراً وبقوة، وليس مستبعداً ان يصل النزاع حد الإقتتال بين المليشيات نفسها، وبينها وبين القوات الأمنية المحايدة،وستتصاعد الهجمات على المعارضين، وستكون غالبية الضحايا من المواطنين الأبرياء..

المؤسف والمؤلم في اَن أنه رغم كل ما شهده العراقيون طيلة العام الأول من عمر حكومة الكاظمي لم يدرك البعض من المتحمسين للإنتخابات لحد اليوم أن وعود الكاظمي ما هي إلا وعود فارغة، وتعهدات كاذبة، وضحك على ذقون السذج والبسطاء. وقد أدرك ذلك حتى أبسط المواطنين، الذين لمسوا كثرة تغليساته حيال ما يتعرضون له يومياً، ومواصلة مماطلاته وتسويفه للمهمات التي تعهد بتنفيذها..

يبرر البعض مشاركته في الإنتخابات المبكرة ان مقاطعتها " ليس موقفاً سليماً"، لأن المقاطعة "ستمنح الشرعية " للقوى المتنفذة للبقاء مهيمنة في السلطة.. وكأن قرار بقائها أو عدم بقائها في السلطة بيد القوى المعارضة لها.. أو ان القوى المعارضة" قادرة" ، بوضعها الراهن ، على كسب الإنتخابات، و "ضامنة" لخسارة الطغمة الحاكمة.. بينما العكس هو الصحيح تماماً: المقاطعة الشعبية الواسعة ستنزع الشرعية عن السلطة وتعزلها داخلياً ودولياً..
وينسى هذا البعض من القوى المدنية والوطنية الديمقراطية والشخصيات الإجتماعية، او يتناسى، الوضع المزري الراهن لقوى المعارضة، الذي لا يؤهلها حالياً للدخول في معركة متكافئة ضد نفوذ قوى وأحزاب ومليشيات المنظومة الحاكمة، معولآ على تعهدات الكاظمي..وثمة من عمت عيونه وبصيرته حيال ما شهده العراقيون في ظل حكومة الكاظمي من أحداث وفواجع والآم، وتردي اوضاعهم المعيشية أكثر،خاصة شرائح الكسبة والكادحين وذوي الأجور اليومية، نتيجة لسياساتها المتخبطة والرعناء.. والأنكى، هو إستمرار جرائم القمع الوحشي والملاحقات والإغتيالات والأعتقالات والتغييب القسري والترهيب والترويع والتشريد لنشطاء الحراك الشعبي. ولن ينسى العراقيون الدور القذر لحكومة الكاظمي الذي لعبته ضمن مساعي إخماد ثورة تشرين المجيدة، وفضها للإحتجاجات والإعتصامات الجماهيرية بالقوة، بالتنسيق والتعاون مع المليشيات،وإستغلال الأوضاع الإستثنائية التي فرضها وباء كورونا. .

من السذاجة، لا بل من الغباء، الإعتماد على وعود الكاظمي وحكومته بضمان توفير الأمن الإنتخابي المطلوب لإنتخابات حرة ونزيهة، وهي ( الحكومة) عاجزة عن حماية نفسها، وحتى حماية رئيسها وقادة مؤسساتها الأمنية المهنيين والمخلصين، من إستهتار وإحتقار وإهانات المليشيات..واَخرها إطلاق النار على خلية الصقور المتواجدة داخل القصور الرئاسية في البصرة من قبل فصيل مليشياوي مسلح لمنع إعتقال قاتل الشهيدة ريهام التابع له..

لو أن حكومة الكاظمي " قادرة على ضمان الأمن الإنتخابي" حقاً وفعلآ لتصدت لجرائم تصعيد العنف الجاري من الآن ضد نشطاء الحراك الشعبي، ولدرائم التهديد والترهيب والترويع وبث الرعب والخوف وسط المرشحين والناخبين المعارضين، مما إضطر العديد من المرشحين سحب ترشيحهم..كتلة بيارق الخير مثالآ..

إنه لخطأ فضيع، برأيي، ان تحسنوا الظن بشخص الكاظمي، وتصدقوا وعوده المعسولة،وتعولوا عليها، في الظروف الراهنة، وتبنوا اَمالاً على الأنتخابات المبكرة لتحقيق الأمل المنشود..

ان الأنتخابات القادمة لن تفضي الى خلاص الشعب من هيمنة الطغمة الحاكمة الجائرة، ومن منظومة المحاصصة السياسية الطائفية والإثنية، ومن الفساد والقمع والقتل والأضطهاد..أي أنها لن تأتي بالتغيير الجذري المنشود، لأنها لن تكون حرة ونزيهة وعادلة في غياب الشروط المطلوبة، وفي مقدمتها غياب الأمن الأنتخابي وعدم توفر ضمانات الحيادية والنزاهة والعدالة، ولا البيئة الاَمنة والمشجعة، ولا مستلزمات عدم إعادة إنتخاب الطغمة الحاكمة.. وهي لن تختلف عن سابقاتها من حيث التزوير، لكن التوقعات أنها ستكون الأكثر تزويراً، والأعنف، والأكثر دموية، وسيسقط فيها الكثيرون من أبناء وبنات الشعب المعارضين للسلطة الحالية عبر الأغتيالات والخطف والتغييب، وحتى الرصاص الحي للمليشيات الوقحة..وفي كل الأحوال سوف لن تزيح القوى المتنفذة في الظرف الراهن، ولن تقضي على الفساد السياسي الإداري والمالي السائد، وبالتالي سوف لن يحصل التغيير المنشود، الذي قدم من أجله أكثر من 30 ألف من شباب وشابات ثورة تشرين المجيدة تضحيات جسيمة بين شهيد وجريح ومعوق ومختطف ومغيب..

ليس معقولآ ان "تنجح" الأنتخابات و"ينال" الشعب التغيير الجذري المنشود في ظل السلاح المنفلت،وتكالب المليشيات، وتصاعد الجرائم الوحشية لبلطجية أحزاب الأسلام السياسي الشيعية وعصابات الجريمة المنظمة التابعة لها، من إغتيلات وخطف وتعذيب وتغييب قسري للناشطين..

يضاف الى ذلك عدم تطبيق قانون الأحزاب النافذ، الذي يمنع الأحزاب التي تمتلك أذرعاً عسكرية، ويمنع إستخدام المال السياسي لشراء الذمم والأصوات، ولا يسمح للمجرمين والفاسدين بالترشح للإنتخابات..

كما وان "المفوضية العليا للإنتخابات" ليست مستقلة إطلاقاً، رغم أنها مشكلة من قضاة، لكونهم جاءوا، كالعادة ، وفق المحاصصة وتقاسم المغانم...

ويواصل مجلس القضاء الأعلى والأدعاء العام، بالتواطئ مع القائد العام للقوات المسلحة ووزارة الداخلية والأجهزة الأمنية القمعية، موقف المتفرج على جرائم القتلة وسراق المال العام والمليشيات المسلحة وأعمالها الإرهابية، وكأن الأمر لا يعنيهم، ويتنصلون عن ملاحقة وإعتقال ومحاسبة القتلة وحيتان الفساد، والكشف عن قتلة المتظاهرين، وعن مصير المحتجين المعتقلين والمغيبين ..
وكل هذا شجع، دون ريب، على مواصلة وتصعيد تهديد وإغتيال وخطف وتغييب نشطاء الحراك الشعبي، واَخرهم الشهيد إيهاب جواد الوزني..وتؤكد تقارير رسمية،مسربة، وجود قوائم لمزيد من التصفيات الجسدية ستنفذ قبيل الأنتخابات.وستتصاعد موجة القمع الدموي والقتل العمد، الى جانب المزيد من أعمال الترهيب والترويع ونشر الرعب والخوف.

وفيما بدأت من الآن تتصاعد حدة الصراع والتنافس على كراسي الحكم من قبل الكتل الشيعية الكبيرة، وقد هدد الصدريون بأنه إن لم يكون رئيس مجلس الوزراء القادم منهم، فان "الأنتخابات ستكون مزورة"- كما صرح حاكم الزاملي- أحد قادة التيار الصدري.. وهذا يعني ان الأحزاب الشيعية التي "أخذت السلطة ولن تنطيها"- التي أعلنها نوري المالكي- مؤسس وقائد منظومة " الدولة العميقة"، سوف لن تسلم السلطة في حالة خسارتها للإنتخابات وفق مبدأ التداول السلمي، وستضرب عرض الحائط بمبدأ عدد المقاعد النيابية الفائزة في الانتخابات هو من يحدد من له الحق بترشيح واختيار رئيس الوزراء المقبل"، حتى وان ترجعوا عن ذلك، بعد الفضيحة: " إختيار رئيس الوزراء سابق لأوانه"...
ولعل السؤال الأهم: ما هي ضمانات عدم تزوير نتائج الأنتخابات في ظل إنعدام الأمن وسيطرة المليشيات الطائفية المسلحة على مقاليد الأمور في العراق ؟
هل تثقون وتعولون على وعود وتعهدات كاذبة لحكومة فاشلة، بل وجبانة، خانعة وعاجزة عن مواجهة المجرمين والمتنفذين المستهترين من المليشيات والإرهابيين والفاسدين، وقد أثبت العام الأول من عمرها أنها جاءت ليس "لخدمة الشعب بالأفعال لا بالكلام" –كما كذب الكاظمي مراراً وتكراراً،وإنما لخدمة " الدولة العميقة".ولذا، فهي متواطئة مع القتلة وعصابات اللادولة. وكذب الكاظمي أيضاً عندما وصف نفسه مراراً بأنه " الشهيد الحي"، وهو الذي وقف خانعاً ذليلآ عندما أهانته المليشيات القذرة وداست ببساطيلها على صوره في الشوارع العامة..

يا سادة يا كرام:
لا تخدعوا أنفسكم والجماهير البسيطة، بأن مشاركتكم في الأنتخابات "ستزيح " الطغمة الفاسدة، و"ستغير" منظومة المحاصصة والفساد، وتسقط سلطتها الجائرة..
لنكن صريحين وجريئين: كل الدلائل تشير الى ان وضعكم الراهن وأمكاناتكم التنظيمية والسياسية والجماهيرية الحالية، كقوى وأحزاب ومنظمات مدنية، ليست كافية إطلاقاً لتحقيق الهدف المنشود لثوار تشرين- التغيير الجذري والشامل.. لستم قادرين على تحقيق هذا الهدف النبيل والكبير وأنتم ما زلتم كقوى وأحزاب ومنظمات وشخصيات، مشتتين، متفرقين، وبعضكم لم يفارق أنانيته، راكضاً خلف المناصب والزعامات.. والأشد أسفاً وحزناً أن أغلبكم لم يأخذ الدروس والعبر من تجربة ثورة تشرين المجيدة، وتحديداً ما يتعلق بأفتقارها لتنظيم قوي، ولقيادة موحدة وكفوءة، ولخطاب موحد ومؤثر، ولبرنامج وأهداف مرحلية محددة متفق عليها جماعياً،الخ..
إذا لم تعملوا فوراً على تلافي الأخطاء والنواقص والسلبيات،السابقة والراهنة، وعلى تجاوز الصعوبات، وهي كثيرة جداً، وتصبحوا مستعدين، كجبهة شعبية قوية، لمجابهة التحديات، فلن تستطيعوا ان توصلوا لمجلس النواب في أفضل الأحوال نسبة 2- 3 في المئة..وحتى لو نجحتم بإيصال 5 في المئة، فما الذي يستطيع نوابكم فعله، وأنتم غير موحدين تنظيمياً وسياسياً وفكرياً ،وغير قادرين على مجابهة منظومة مهيمنة على مقدرات البلد، وتمتلك السلطة والنفوذ والمال والمليشيات والأعلام المأجور، ولديها الأغلبية في السلطة التشريعية ؟.. هل " النجاح" الذي ستحققونه في مجلس النواب،بعدد ضئيل من النواب سيسقط الطغمة الحاكمة ومنظومتها الفاسدة ؟
الوفاء لدماء شهداء الشعب ولتضحيات ثوار تشرين البواسل الجسيمة، والأخذ بثأرهم، بالقصاص من المجرمين على وفق القانون والعدالة، لن يتحقق إلا بإسقاط المنظومة الفاسدة..وهذا لن يتحقق بخوض الأنتخابات المبكرة على نحو غير متكافئ،وإنما بتشكيل جبهة شعبية عريضة وموحدة تنظيمياً وسياسياً وفكرياً،وقيادة موحدة وكفوءة قادرة على إستنهاض الجماهير العريضة وتعبئتها لعمل جماهيري فاعل وحاسم يحقق التغيير الجذري المنشود، ويقيم النظام الديمقراطي الحقيقي، ودولة المواطنة، والعدلة الأجتماعية، الضامنة للحياة الحرة الكريمة لجميع العراقيين.

دعوة للقوى الوطنية الجادة والحريصة:
لا تضيعوا المزيد من الوقت.. إسلكوا هذا الطريق السليم ومضمون النجاح، وإبدأوه بمقاطعة الأنتخابات المبكرة وإنجاح المقاطعةّ.

د. كاظم المقدادي- أكاديمي متقاعد، عراقي مقيم في السويد








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كلمة د. حمد الأنصاري من ندوة الحركة التقدمية الكويتية: مشروع


.. كلمة أحمد الديين من ندوة الحركة التقدمية الكويتية: مشروعات ق




.. المغرب.. مسيرة احتجاجية تنديدا بارتفاع الأسعار


.. حزب الشعب الجمهوري يعقد أول اجتماع للجانه الموازية للجان الح




.. المغرب.. المئات يشاركون في مسيرة احتجاجا على ارتفاع الأسعار