الحوار المتمدن - موبايل


سوريا: سقوط الأوهام الاستراتيجية

نضال نعيسة
كاتب وإعلامي سوري ومقدم برامج سابق خارج سوريا(سوريا ممنوع من العمل)..

(Nedal Naisseh)

2021 / 6 / 1
الارهاب, الحرب والسلام


ربما، وبمفارقة إيديولوجية صارخة أكثر مما هي مهنية عابرة، تثير الشجون والسخرية المرة بآن معاً، دأب إعلام البعث القومي، وعلى مدى عقود ثقيلة كأداء، وكان يتفنن برسم صورة القوة العظمى الزاهية لـما كان يطلق عليه اسم "القطر" العربي السوري، ذي الإمكانيات الاستراتيجية الخارقة، "قلب العروبة النابض"، و"عاصمة مستعمرة الأمويين" (تغني مجاني بقبيلة صحراوية غزت واعتدت على سوريا في القرن السابع الميلادي)، ومركز الثقل الكوني، العصي على الاختراق، والقادر على تكسير وتحطيم كل المؤامرات الإمبريالية والصهيونية والرجعية، على صخرة "صموده" القومي ومن وراءه يقف "الشعب" العربي (وليست "الشعوب" الناطقة بالعربية وعلى اختلاف انتمائها العرقي والقبلي والتعويل عليها في المعارك القومية المنتظرة ضد أعداء العروبة)، وليس هذا وحسب بل ردها على أعقابها والانتصار عليها، والذهاب لما بعدها، لدرجة أن أحد محدثي نعمة التفوه والخرط الاستراتيجي، الذي لم يسمع به أحد قبل الأزمة السورية، رطن متباهيا، من على أثير إعلام "البعث" القومي، بأنه لا يستبعد أن يقوم جيشه "العربي" السوري بإكمال مسيرة الانتصارات وإنجازات التحرير وصولاً لـ"الأندلس" أو ما تعرف بإسبانيا(وهي دولة أوروبية بالاتحاد الأوروبي ذات سيادة وعضو مستقل بالأمم المتحدة)، وإعادتها للحضن والحظيرة القومية العربية، بكل ما ينطوي عليه هذا التصريح من انتهاك صارخ للقانون الدولي وتحد لمواثيق الأمم المتحدة، واستهتار فاضح بمكانة دولة بحجم شبه الجزيرة الآيبيرية، والاعتقاد الوهمي أن ما تسمى بـ"الوحدة الوطنية"، وهي طبعاً تختلف عن "الوحدة العربية" ستكون قادرة لوحدها على صد "الهجمة الإمبريالية الشرسة، وإيقاع هزيمة نكراء مزلزلة بها.
وحين كنت تستمع لزمامير وقرع طبول خطابات التحدي والوعيد بالمواجهات والمنازلات الكبرى، من مستوى أمين فرقة حزبية في بلدة نائية مفلسة وجائعة تنعدم فيها الخدمات، حتى مستويات عليا بالدولة والحزب القومي، كنت تنتشي وتسري القشعريرة، والرعشة العروبية في أوصالك، وأنت تنتظر "المواجهات المصيرية" القادمة مع أعداء سوريا والأمة العربية، والتي ستحسم فيها فوراً، وبالدقائق الخمسة الأولى. فسوريا هذه، وفقاً للإعلام إياه، دولة مركزية ومحورية، وحلقة استراتيجية هامة ومقصلية لا تنكسر، في محور "عربي" وقومي مقاوم، وبها من المقومات والإمكانيات والمحظورات الاستراتيجية، ما يجعل الأعداء يعدون للألف قبل التفكير بإطلاق "حصوة نقيفة" عليها، وأنها بما تملكه من أوراق و"جواكر" استراتيجية محلية وعربية وإقليمية ، قادرة على إحباط أي مخطط، وصد أي عدوان ضدها وقلب الطاولة على رؤوس الجالسين عليها، وبأن أحداً ما لن يتجرأ على العبث بأمنها جراء تلك التحالفات والعلاقات والصداقات الاستراتيجية التي نسجتها وراكمتها على مر الأيام.
غير أن مآلات الأحداث وتطورها، أظهر ليس خواء هذا الخطاب وخطل هذه التصورات إنما عقمها ولا جدواها، وأن جامعة الدول العربية،(مؤسسة القومية العربية الرسمية) كانت رأس حربة العدوان والمخططات، وأن الدواعش والإرهابيين لم يكونوا إلا من تلكم الجحافل "القومية" و"العروبية" والشعوب الوهمية التي كان يتغنى بهم إعلام البعث القومي على الطالعة والنازلة، وبمناسبة وبدون مناسبة. أما "الشعب السوري" ووحدته الوطنية المزعومة، فلن تكن "متجانسة" حقيقة،(وهذا وفق نفس الإعلام إياه)، وكنا أمام "شعوب" سورية متوزعة الولاءات والانتماءات والاهتمامات، وكل واحدة لها حسابات واعتبارات خاصة بها، وأن سوريا بلداً، بالنهاية بلداً هشاً، ضعيفاً، ثانوياً، وليست قوة عظمى، وتسبح وسط جزيرة من الأعداء والخصوم الألداء القادرين على التسبب لها بالكثير من الصداع والأوجاع، وأن خطابات التحدي، ودعوات النزال والمواجهات الدونكيشوتية، كانت مفرطة ومبالغ بها، ولم يكن لها أي لزوم، وأن وضع "رأس" دولة صغييرة ومهزوزة استراتيجيا وهشة كسوريا، بـ"رأس" دول وقوى إقليمية وكبرى، يتطلب من الإمكانيات أكثر مما كان متوفراً بكثير حتى الآن...
إن سوريا، اليوم، وبعد هذا الكابوس الوجودي الكبير، لم تعد سوريا تلك، حتى وهي بأضعف حالاتها، وهي بالتأكيد ليست دولة عظمى وقوية واستراتيجية محورية ومركزية وحلقة يصعب كسرها، وانما تبين، وببساطة، أنها كانت مجرد ساحلة لعب للاخرين، يحاول كل منهم القضم، والفوز بحصة منها، وباتت شبه محتلة ومقسمة، يتساكنها محتلون وجيوش من الغرباء، وهي بهذا المعنى تعتبر نقطة تقاطع وتقاسم مصالح وإرادات للغير، متحكم بها، ولا تملك القدرة على التحكم بالغير أو إدارة وتوجيه الاستراتيجيات وتحويل مجريات وملفات الصراع، ولم تعد، وفق الواقع القائم، دولة موحدة مستقلة سيادية بحد ذاتها، وهذا ما أكدته التطورات والمآلات اللاحقة وواقع الحال السوري اليوم الممزق بين عدة ولاءات والموزع بين عدة قوى عظمى وميليشيات وتيارات...








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. #الهند_تقتل_المسلمين : هاشتاغ يستنكر عبره المغردون العرب ما


.. هل تتغير السياسة الخارجية الألمانية بعد الانتخابات؟


.. بعد محاولة الانقلاب الفاشلة.. توتر وانتقادات لاذعة بين العسك




.. #وزير_الدولة_الإماراتي خليفة شاهين المرر: لن نتهاون في جهودن


.. وزير الخارجية السوري: حققنا إنجازات استثنائية في مواجهة الإر