الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


صفحات من تاريخ نضالنا النقابي في منطقة وادي عارة فترة الحكم العسكري

جهاد عقل
(Jhad Akel)

2021 / 6 / 5
الحركة العمالية والنقابية



عندما نقرأ بعض الوثائق التاريخية المتعلقة بصمود أبناء شعبنا الفلسطيني في سنوات الخمسين من القرن الماضي مع قيام دولة إسرائيل في الأرشيف الرسمي، تظهر لنا حقائق هامة في محورها الدور النضالي الذي قام به رفاقنا من الحزب الشيوعي بقيادة هذا النضال والصمود لعمالنا وأهلنا الباقين في وطنهم. نعم كان دور رفاقنا من الحزب الشيوعي بارزًا وناصعًا في قيادة العمال العرب في خوض النضال أمام قادة الحكم العسكري والسياسة الحكومية القمعية الهادفة للتجويع والترحيل، والذين تعرضوا لاعتداءات من موظفي مكاتب العمل في أماكن عملهم بادعاء هؤلاء "حماية أماكن العمل للعمال اليهود".

من أجل كشف جانب لهذه السياسة وصمود أهلنا بقيادة الشيوعيين، نستعرض حقبة نضالية لعمالنا وأهلنا في منطقة وادي عارة ، واجهوا فيها سياسة القمع والحصار ومصادرة الأرض مصدر رزقهم، وفرض الحصار بعدم إصدار تصاريح عمل لهم، وما قام به رفاق الحزب من توجيه وقيادة للنضال والصمود وفي مقدمتهم القائد الشيوعي الراحل محمد الشريدي ابن مدينة أم الفحم، الذي تعرض للنفي والسجن والملاحقة من قبل السلطة الحاكمة ممثلة بالحكم العسكري، بسبب نشاطه وتنظيمه للمظاهرات والعرائض وقيادة العمال وتوعيتهم بأن طريق النضال، هو الطريق لنيل الحقوق في زمن بقي أهلنا لوحدهم أمام هؤلاء الحكام وظلمهم ومحاولاتهم لترحيلهم من خلال مصادرة الأرض والعمل.



تصدّى الرفيق محمد الشريدي ورفاقه لهذه السياسة الرسمية المدعومة من ممثلي "اتحاد عمال إسرائيل" التابع للهستدروت بقيادة المدعو الياهو كفري ومعهم مدراء مكاتب العمل في المنطقة، كان مقر الحاكم العسكري للمنطقة في قرية عارة، وهو يفرض سيطرته على المنطقة من بير السكة جنوبًا وحتى قرية سالم شمالاً، أي منطقة المثلث الشمالي، رد الحاكم العسكري وادارته على نضال الشيوعيين وقيادتهم نضال الأهالي والعمال، كان بنفي رفاقنا الى قرية برطعة وبيت جن وغيرها، بل فرض حكم السجن عليهم وهذا ما تعرض له رفيقنا محمد الشريدي. (انظر كتاب عرين الثوار - صفحات وطنية نضالية يرويها محمد شريدي وآخرون – تيسير خالد اغبارية – الطبعة الاولى 1988).

معركة نضالية ضد الحصار والتجويع

على الرغم من سياسة النفي والسجن قاد الرفيق محمد شريدي (أبو سامي) ورفاقه المعركة بصمود رغم محاولات تحريض عملاء الحكم العسكري والسلطة على الشيوعية والشيوعيين ومحاولة زرع بذور الخنوع وأن "الكف لا يلاطم المخرز" وغيرها من محاولات بائسه لهؤلاء العملاء. كانت المعركة تتمحور أوّلًا على الصمود في الوطن والبيت والأرض، ومن ثم النضال ضد الحصار والمطالبة برفع الحصار والوصول إلى الأراضي والمزارع والحصول على تصاريح عمل وحرية التنقل، فكانت سياسة الحكم العسكري تحاول فرض الحصار، فقام رفاق الحزب بإرشاد العمال وقيادة الأهالي، ووفق الوثائق التي اطلعت عليها لتلك الفترة كانت بصمة الشيوعيين واضحة، حتى أننا لاحظنا أنّ معظم العرائض الاحتجاجية كتبت بنفس الخط، لم يكن ذلك النضال عفويًا، بل كان منظمًا، بما في ذلك تنظيم الاعتصام والتظاهر أمام مكاتب الحكم العسكري ورفع شعار "الخبز والعمل"، وحتى تشكيل "لجنة المبادرة للدفاع عن حقوق العمال العرب في أم الفحم ووادي عارة" وعن تشكيل هذه اللجنة كتب الاستاذ تيسير خالد اغبارية في كتابه: "عقد في أم الفحم اجتماع شعبي للاحتجاج على نظام التصاريح والمطالبة بحرية التنقل والسفر وتكلم في الاجتماع الرفيق محمد الشريدي وتقرر تأليف لجنة مبادرة للعمال من أجل العمل وإلغاء نظام التصاريح ووقع العمال على عريضة يطالبون فيها بإيجاد العمل للعمال العاطلين وإلغاء قيود التنقل" (ص111).

للاطلاع على ما قام به الحكم العسكري من ممارسات قمعية قرأت تقرير اللجنة الخاصة التي صادقت عليها الحكومة ومن ثم الكنيست بتاريخ 3/11/1955 "لفحص شؤون الحكم العسكري" وقدمت تقريرها بتاريخ 24/2/1956، بالرغم من عدم نشر كامل التقرير تحت شعار وجود "فقرات سرية تتعلق بالأمن"، الا ان اللجنة أكدت في تقريرها قيام الحكم العسكري بممارسات وبخطوات ظالمة بحق السكان العرب يقوم بها الحكام العسكريون في الجليل والمثلث والنقب ومنها قضايا تصاريح العمل وتقييد حرية التنقل واحراء محاكمات ميدانية – ادارية. في ظل هذا الحكم خاض العمال العرب والمواطنون جميعًا بقيادة الشيوعيين معركة نضالية، من أجل فك هذا الحصار وما يحمله من سياسة تجويع وقمع ومحاولات ترحيل.

وادي عارة مظاهرات وعرائض عمالية

ضمن النضالات التي خاضها عمال منطقة المثلث الشمالي عامة ووادي عارة خاصة بقيادة الشيوعيين كانت اعتصامات ومظاهرات أمام مقر الحاكم العسكري في قرية عارة ورفع شعارات مطالبة بوقف سياسة الحصار والتجويع، ومنها شعار "الخبز والعمل"، وكانت تحدث مواجهات مع جنود الحاكم العسكري الذين يعتدون على العمال ويعتقلونهم ويقدمونهم لمحاكم ميدانية ظالمة مع رفاقهم من الحزب الشيوعي.

لم تكن هذه المعركة ضد ممارسات الحكم العسكري وحده بل وضد سياسة مكاتب العمل "اللشكاه" وضد ممارسات ممثلي "اتحاد عمال اسرائيل" التابع للهستدروت وهذا ما تكشفه الوثائق لنا التي قمنا بالاطلاع عليها ودراستها، بما في ذلك تنفيذ اعتداءات على العمال ممن حصلوا على تصاريح عمل ومحاولات طردهم من أماكن عملهم.



من ضمن هذه الوثائق عريضة وجهها عمال من كفر قرع يحملون تصاريح عمل وتعرضهم للاعتداء والضرب تحمل تاريخ 30/4/1956، العريضة وجهت الى "اللجنة التنفيذية في الهستدروت – القسم العربي" جاء فيها: "نحن الموقعين أدناه عمال قرية كفر قرع الذين نعمل في منطقة زخرون يعقوب وجفعات ادا، اننا نحتج ونستنكر عمال رجال اللشكاه الذين يقومون بطردنا من أماكن عملنا بالرغم من وجود تصاريح لدينا ففي تاريخ 23/4/1956 ذهب حوالي خمسون عاملًا للعمل في المنطقة المذكورة ولكن رجال اللشكاه وعلى رأسهم المدير (روبين)...وقد حرضوا العمال اليهود ضدنا وحاولوا الاعتداء علينا بالعصي والسكاكين وحاولوا طردنا من أماكن عملنا…" ويطالب العمال في نهاية رسالتهم "التدخل في وقف هذه الأعمال حيث أنكم المسؤولون المباشرون…" ووقع على الرسالة 46 عاملاً.

الأنكى من ذلك قيام جماعات عمالية يهودية تحمل اسم "همشميرت" بالاعتداء الجسدي على العمال والقيام بربط العامل مصطفى عنتير ابن كفر قرع بالحبل بسيارة جيب والسير بالسيارة مما أصابه بجروح ولولا تدخل زملائه لكانت العاقبة وخيمة ومعروف عن العامل عنتير انه يعاني من ظاهرة الصم، في هذا الاعتداء والشكوى اضطر "اتحاد عمال إسرائيل" لإرسال شخص لبحث الشكوى وتقديم تقرير يدعى "يوسيف" ونشر تقريره بتاريخ 25/6/1956، وكتب بأنه قام بفحص الشكوى والتقى عمال من الذين جرى الاعتداء عليهم ومنهم العامل مصطفى عنتير الذي أكد حقيقة الاعتداء عليه وربطه بسيارة الجيب وجره بها ويؤكد تقرير المدعو "يوسيف" بأن العمال العرب تعرضوا لاعتداء من قبل ما بين 60- 70 شخصًا من العمال اليهود أعضاء "همشميرت" بقيادة مدير "اللشكاه" وموظفيه وهم يحملون العصي والسكاكين مما أدى لإصابات بين العمال العرب وفق الشهادات التي أدلوا بها لمعد التقرير، لكنه في تلخيصه لتقريره يحاول التشكيك بصحة أقوال العمال العرب.

حملة احتجاج مناطقية

كما تظهر لنا الوثائق تنظيم حملة عرائض للعمال تم توجيهها الى "مدير فروع الاتحاد في تل أبيب" (اتحاد عمال اسرائيل) يطالبون فيها بتغيير نظام تصاريح العمل القائم بعد توكيل موظفي "اتحاد عمال إسرائيل" بإصدار قسم منها وليس الحاكم العسكري وحده وزيادة عددها خاصة وأن العامل المحظوظ يحصل على تصريح عمل مدته 15 يومًا كل شهرين ونصف الشهر وأن عدد العمال طالبي تصاريح العمل وفق العرائض التي وجهها العمال من عرعرة وعارة وكفر قرع وبرطعة وأم القطف وعين السهلة (غير أم الفحم) يصل إلى 940 عاملاً (الرسائل تحمل تاريخًا واحدًا وهو 12/3/1953).

وفي رسالة تحمل تاريخ 9/3/1954 فيها تواقيع عمال من كفر قرع وعرعرة وعارة يحتجون على تصرفات موظفي "اتحاد عمال اسرائيل" وهما الياهو كافري ومحمد عيسى الحج حسن واصدارهم لعدد محدود من تصاريح العمل وكتبوا: "يُوزع قسم منها على أساس المحسوبية وأخذ الخواطر" ويحتج العمال على دفع رسوم التنظيم والمساهمة في صندوق العامل والفلاح حتى لو لم يحصل العامل منهم على تصريح عمل ، وانتهاج سياسة العقاب تجاه كل عامل قام بالتوقيع على عريضة يحتج فيها على هذه الممارسات وفي نهاية الرسالة يطالب العمال بفتح مكتب عمل عام تابع لوزارة العمل وزيادة عدد التصاريح.



نستطيع القول أن هذه المرحلة النضالية لأهلنا وعمالنا بقيادة رفاق الحزب الشيوعي بالرغم من المعاناة والحصار، لكنهم استطاعوا خرق الحصار والغاء الحكم العسكري لاحقًا وفتح مكاتب عمل حكومية، بصمودهم ووحدتهم ونضالهم حصلوا على حقوقهم وليس بالاستجداء، وجاء في نهاية منشور "لجنة المبادرة للدفاع عن حقوق العمال العرب في أم الفحم ووادي عارة" الذي يحمل تاريخ 6/3/1955 والذي طبع بمطبعة الاتحاد التعاونية ويحمل عنوان "الى عمال أم الفحم وقرى وادي عارة"، حيث جرى التوجه بنداء على ضرورة التنظيم والوحدة العمالية: "لجنة المبادرة للدفاع عن حقوق العمال العرب في أم الفحم تدعو جميع العمال في قريتنا وقرى وادي عارة لتأليف لجان مبادرة تمثلهم في تقديم طلباتهم ورفع احتجاجاتهم أمام مؤتمر الهستدروت وللمطالبة بتحقيق المساواة في العمل والأجور وإزالة الفروق القومية بين العمال. لهذا فإننا ندعوكم الى تأليف لجانكم عن طريق الاجتماعات المباشرة، وعلى نجاح وحدتكم من أجل حقوقكم وتضامنكم من أجل حقوقكم يتوقف نجاح عملكم".

هذه بعض الصفحات النضالية التي خاضها عمالنا بقيادة رفاقهم الشيوعيين في منطقة وادي عارة في زمن الحكم العسكري البغيض والحصار الحكومي الهادف الى تنفيذ سياسة الترحيل، لكنهم صمدوا في بيوتهم ووطنهم وناضلوا بلا خوف ولا كلل، ناضلوا بوحدة نضالية أدت الى إفشال السياسة الحكومية، وصمدوا في الأرض والوطن، وفرضوا وجودهم على صعيد الدولة ومؤسساتها وغيرها من المؤسسات التي نفذت سياسة القمع والتمييز فألف تحية لكل من ناضل وصمد، ألف تحية لرفاقنا الذين قادوا هذا النضال ولكل عامل ساهم فيه رغم صعوبة تلك المرحلة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المشهد اللبناني - لبنان... زيادة الرواتب والضرائب


.. وزير الصناعة: زيادة الرواتب ثلاثة اضعاف لا تشبه إقرار سلسلة


.. نشرة الخامسة | نقابة المعلمين في إيران تدعو للإضراب




.. لجنة المعلمين بالسودان تصدر بيانا يشمل جملة من المطالب بمقدم


.. بريطانيا.. إضراب للعمال والموظفين وتظاهرات الآلاف بالشوارع