الحوار المتمدن - موبايل


{البيضة} ... قصة قصيرة ل -آندي وير-

مصطفى حجي
(Mustafa Hajee)

2021 / 6 / 9
الادب والفن


كُنتَ عائدًا إلى منزلك عند موتك.
لقد كان حادث تصادم، لا شيء مميز، لكنها كانت حادثة قاتلة في كلّ الأحوال.
لقد تركتَ ورائك زوجة وطفلين، كانت وفاتك بلا ألم. لقد حاول المسعفون جهدهم لإنقاذك لكن دون جدوى. كان جسدك مهشَّمًا وممزقًا فكان من الأفضل أن لا تعود إلى الحياة، صدِّقني...
وعندها التقيتني.

- "ماذا؟... ماذا حدث؟" سألتَني. "أين أنا؟".

= "لقد مُت،" أجبتُك. ليس هناك أيّ ضرورة لإستخدام الكلمات اللطيفة.

- "لقد كانت هناك... شاحنة قادمة نحوي وقد فقدتْ السيطرة وبدأتْ تترنْح..."

= "نعم." أجبتك.

- "لقد... لقد مُت؟!"

= "نعم. لكن لا تستاء. فالجميع يموت،" أجبتك.

نظرتَ من حولك. لم يكن يوجد إلّا العدم. أنتَ وأنا ولا غير.

- "ما هذا المكان؟" سألتني. "هل هذه الآخرة؟".

= "تقريبًا،" أجبتك.

- "هل أنت الله؟" سألتني.

= "نعم،" أجبتك. "أنا الله."

- "أولادي... زوجتي،" كانت كلماتك. "ماذا عنهم؟"
"هل ستكون أمورهم بخير؟"

= "هذا ما أود رؤيته،" أجبتك. "لقد تركتَ الدنيا منذ قليل وهمُّك الأساسي عائلتك. هذا أمرٌ جيد."

نظرتَ إليَّ بإعجابٍ وانبهار. بالنسبة لك، ما كان مظهري مظهر إله. بل بدوتُ لك كأي رجلٍ عادي، أو امرأة. بدوتُ لكَ شخصًا مبهمًا ذو سلطة رّبما، بل ربّما، أستاذًا في النحو عوضًا عن إله.

= "لا تقلق،" قلتُ لك. "ستكون عائلتك بخير. أطفالك سيذكرونك كمثال يحتذى به في كلّ شيء، فما كان لهم الوقت الكافي ليتعرفوا عليك فيحتقروك. أمّا زوجتك فستبكيك في الظاهر، لكنها من الداخل فقد وجدت راحتها... لنكن منصفين، زواجكم كان على شفير الانهيار، إذا ما كان هنالك من عزاء، فسوف تشعر —أي زوجتك— بذنبٍ لكونها قد شعرت بالراحة لرحيلك."

- "آه،" قلتَ لي "ماذا سيحصل الآن؟ هل سأذهب إلى الجحيم أو الجنة أو أيّ مكانٍ آخر؟"

="ليس أي منهما،" أجبتك. "سوف تعود لتتناسخ وتتقمص."

- "ها!" قلتَ باستغراب. "فإذًا كانَ الهندوس على حق فهم يؤمنون بتناسخ الأرواح"

= "كل الديانات على حق، بطرقها الخاصة،" أجبتك "اِمضِ معي."

أنت تتبعتني بينما كُنّا نتجوّل في العدم.

- "إلى أين نحن ذاهبون؟" قلتَ لي.

= "ليس إلى مكان محدد،" جاوبتك. "لكنه من الأفضل أن نتمشى عندما نتكلم."

- "إذًا ما الهدف؟" سألتَني. "عندما أعود وأولد من جديد، سأكون كالكتاب الفارغ، صحيح؟ رضيع. وكلّ خبرتي وكل ما فعلت في حياتي لن يهم."

= "أبدًا ليس كذلك!" جاوبتك. "لديك في داخلك كل المعرفة وكل الخبرات لكل حيواتِك السابقات. أنت فقط عاجز عن تذكرهم الآن."

توقفتَ عن المشي فقُلتُ لك:
= "روحك أعظم وأجمل وأكبر مما تتخيّل، العقل البشري ليس بقادر سوى على أن يستوعب جزءًا بسيطًا ممن تكون... الأمر أشبه بأن تغمس يديك في كوب من الماء لتعرف إذا ما كان الماء باردًا أم ساخنًا... إنّك تضع جزءًا بسيطًا من نفسك في المستوعب، وعندما تخرجه، تكون قد استَخرجتَ وكسبتَ كلَّ المعلومات التي احتواها ذاك المستوعب."
"لقد كنتَ إنسانًا في السنوات الثماني والأربعين الماضية، لذا لَم تتمكن من التمدد قط لتشعر بكل وعيك الهائل.
إذا ما أطلنا المكوث هنا، فستبدأ باسترجاع كل ذكرياتك. لكن لا يوجد طائِل من فعل مثل هكذا أمر بين كلِّ حياة."

- "كم مِنَ المرات تناسختُ في الحياة إذًا؟" سألتني.

= "الكثير من المرات. الكثير الكثير، والكثير من الحيوات الأُخرى." أجبتك. "هذه المرة، سوف تكون فتاةً صينية مزارعة في العام 540 ميلادية."

- "انتظر، ماذا؟!" بدأتَ بالتلعثم. "سوف تعيدني في الزمن؟"

= "تقنيًّا، نعم. الوقت، كما تعرفه، ليس موجودًا سوى في عالمك. لكن الأمور مختلفة من حيث آتي."

- "ومن أين أتيت أنت؟" سألتَني.

= "بالطبع،" شرحتُ لك "أنا قادم من مكان، مكانٌ مختلف. وهنالك كثيرون ممن هم مثلي. أعلَم بأنك تريد أن تعرف ما هو ذلك المكان، لكن صدِّقني لن تتمكّن من الاستعاب."

- "آه" تفوَّهتَ مخذولًا. "لكن انتظر. إذا ما عدتُ للتقمُّص والتناسخ عبر الأماكن وعبر الزمن، لربما قد أكون قد التقيتُ بنفسي وتفاعلتُ مع نفسي في مرحلة ما."

= "مؤكّد" أجبتك. "يحدث هذا في كل الأوقات. وبما أنّ الحياتين ليستا بقادرتين سوى على الشعور بزمنيهما الخاصين، فأنتَ لستَ على دراية بأنّك تتفاعل مع نفسك."

- "إذًا ما الهدف من كلّ هذا الأمر؟"

= "حقًّا!" سألتُك. "حقًّا؟ هل تسألني عن معنى ومغزى الحياة؟ أليس هذا السؤال نمطيًّا؟"

- "لكنه سؤال منطقي." أصرَّيتَ.

= نظرتُ إليك في عينيك... "مغزى الحياة، السبب الذي من أجله صنعتُ أنا الكون كلّه، هو أنت، لك، لكي تنضج."

- "تقصد البشريّة؟ تريدنا أنْ ننضج؟" سألتَني.

= "لا، فقط أنت. لقد صنعتُ هذا الكون لك فقط. مع كل حياة جديدة، فإنك تكبر وتنضج، ويصبح فكرك وعقلك أكبر وأعظم."

- "لي فقط؟ ماذا عن الآخرين؟"

= "لا يوجد أحد آخر" أجبتك. "في هذا الكون، لا يوجد سوانا."

حملَقْتَ مبهورًا إلي. وقلتَ لي:
- "لكن كل الناس على الأرض..."

= "كلهم أنت. مجرد نُسخ مختلفة عنك."

- "انتظر. يعني أنا الكل؟!!!"

= "الآن بدأتَ تستوعب الأمر،" أجبتُك، مطَبطِبًا على ظهرك.

- "كل إنسان عاش في هذه الدنيا كان أنا؟!!!"

= "ومن سيعيش أيضًا.. نعم."

- "أنا إبراهام لنكولن؟" —رئيس الولايات المتحدة—

= "وأنتَ جون ويلكيز بوث، أيضًا." أكملت لك. —جون بوث هو من اغتال إبراهام لينكولن—

- "أنا هتلر؟" سألتَني، متفاجئًا.

= "وكل الملايين التي قَتَلها" أجبتك.

- "أنا المسيح؟"

= "وأنتَ كل من اِتَّبعه".

توقفتَ صامتًا... ثم قلتُ لك:
= "كل مرة اِعتديتَ فيها على أحدهم، إنما كنتَ تعتدي على نفسك. كلّ بادرة طيبة كنتَ تقوم بها تجاه الناس، إنما كانت تجاه نفسك. كل لحظة سعادة أو حزن شعر بها أي إنسان عاش أو سيعيش، إنما هي لحظاتك أنت، أفراحك وأحزانك."

توقفتَ وبدأتَ بالتفكير والتأمُّل طويلًا...
- "لماذا؟" سألتَني. "لماذا كل هذا؟"

= "لأنَّه يومًا ما ستكون مثلي، لأنّه هذا من تكون. أنتَ واحد من نوعي. أنت طفلي."

- "آااااه،" كنتَ غير مصدِّق وقلتَ لي "أتعني بأنّي إلٰه؟".

= "لا. ليس بعد. ما زلتَ جنينًا، ما زلتَ تنمو. متى تَعِش كل الحيوات في كل الأزمان، تكون قد نضجتَ وكبرتَ لكي تُولَد كإله."

- "فإذًا كل الكون " قلتَ لي "ليس سوى... (بيضة)؟!

أجبتك:
= "الأن حان الوقت لكي تنتقل إلى الحياة التالية."
وأرسلتُكَ في طريقك.

«نهاية القصة ... والبداية أيضًا»








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. على امتداد ستة كيلومترات.. فنانة أميركية تكرم ضحايا كورونا ب


.. من مسرحية -مطلوب- لجورج خباز: تناخد فيزا عم بذلّونا ??


.. زوجة الفنان الراحل أحمد هيبة باكية: قالى قبل ما ينزل مش هلحق




.. بطالة مطرب أفغاني نتيجة حظر طالبان للموسيقى


.. فيلم -أكبر منا- : كفاح من أجل مستقبل أفضل