الحوار المتمدن - موبايل


فلسطين عراقية!!

خلف الناصر
(Khalaf Anasser)

2021 / 6 / 9
مواضيع وابحاث سياسية


في تصريح لمتحدث باسم الحكومة "الاسرائيلية" .. قال فيه :
((فتحنا سفارة افتراضية بالعراق ونأمل بانضمامه لاتفاقيات التطبيع))
وهذا المقال رد شعبي على هذا المتحدث الصهيوني ، ليعرف ماذا تعني قضية فلسطين بالنسبة لكل عراقي !!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لقد أثبتت حقائق الاجتماع الإنساني وقوانين تطور المجتمعات ، بأن الشعوب والأمم والمجتمعات تصنع نفسها واخص خصاءها ـ من لغة وقيم وتقاليد وتصورات وفكر........الخ ـ بنفسها ، خلال مسيرتها التاريخية الخاصة ، وان كثيراً من الأحداث والوقائع التاريخية المفصلية التي مرت بها هذه الأمم والشعوب والمجتمعات الإنسانية ترسبت تلك الوقائع في أعماقها وفي عقلها الباطن ، وعادة تظهر هذه الترسبات التاريخية في العصور التاريخية التالية ، وبصور واشكال وتعبيرات وتنويعات مختلفة .. فمثلاً:

 هناك مثل شعبي عراقي ــ مع اعتذاري مقدماً لثقل الفاظه ــ يقول : " يرجون البغل يولد/بمعنى يلد " وهو مثل يضرب لكل أمر مستحيل يخالف النواميس الطبيعية!!

وإذا تتبعنا جذور هذا المثل الشعبي ، نجد أن العراقيين قد توارثوه عن اجدادهم البابليين ، فالبابليون في أمثالهم كانوا يقولون: "لن يدخل العيلاميون بابل حتى تلد البغال" ، وقد تمخض هذا المثل ـ كما هو واضح ـ من خلال معاناة وفصول لحروب ومواجهات مستمرة بين العراقيين: من [بابليين وآشوريين وحتى الأكديين من قبلهم]] من قبل أقوام جاورتهم من الشرق ، وأثناء حصارات العيلاميون الكثيرة لبابل قبل ميلاد السيد المسيح بعدة قرون وآلاف السنين!
وهذا يعني أن هذا المثل قد ولد من خلال تجربة حية ومعاناة مريرة عاناها العراقيون مع جيرانهم ، وأن هذه المعاناة قد ترسبت في اعماق العراقيين وعقلهم الباطن ووعيهم الجمعي ، وعبرت الحقب والأجيال بصور وتعابير وتنويعات مختلفة ووصلت إليهم ، حتى استقرت في وعيهم بهذه الصورة المختصرة "يرجون البغل يولد" !
وهي صورة (مقزمة إن صح التعبير) تناسب أوضاعهم وظروفهم الحالية في عصرهم الحالي ، بعد أن انتفت الظروف والبيئة المباشرة والاسباب التي استوجبت هذا المثل عند اجدادهم البابليين!
وكما ورث العراقيون هذا المثل وأمثاله ، وبالتأكيد أنهم قد ورثوا أيضاً مشاعر وقناعات وربما عقائد معينة اتجاه بعض الأقوام التي جاورتهم أو تلك التي عايشوها وعاشت معهم في مجتمعهم ، ولابد لتلك القناعات والعقائد المتولدة في اعماق التاريخ أن تسلل إليهم في عصرهم الراهن ، متفلتة من أسر تلك الحقب التاريخية البعيدة !
*****
وأهم ما ورثه العراقيون ـ وهذا ملموس بوضوح في المجتمع العراقي وثقافته ـ من تلك الحقب التاريخية البعيدة.. هو:
موقف التوجس والريبة وعدم الثقة بأقوام كثيرة جاورتهم ـ من الشرق خصوصاً ـ أو عايشتهم وعاشت معهم في مجتمعهم العراقي وضمن ثقافته ، ويأتي اليهود في طليعة هئولاء الذين تمركزت حولهم مواقف الريبة والتوجس وعدم الثقة لأسباب كثير بعضها موضوعية وبعضها اجتماعية!
وموقف العراقيين هذا متأتٌ من تعاملهم المباشر واختلاطهم الكثيف مع اليهود لأكثر من عشرين قرناً ، وبعضه يمتد إلى السبيين البابلي والآشوري لليهود ومسوغاته أنذك ، والتي تجذرت في لا وعي وثقافة الانسان العراقي!
وقد انعكس هذا الموقف ذو البعد التاريخي من اليهود ـ رغم أنهم يميزون بين اليهودي والصهيوني جيداً ـ وتمركز في مواقف العراقيين الحدية من القضية الفلسطينية .
فموقف العراقيين من القضية الفلسطينية ليس موقفاً قومياً أو دينياً أو إنسانيا فحسب كما هو عند باقي العرب والمسلمين ، إنما هو موقف يتداخل فيه ويتطاير معه رذاذ كثيف عن تلك الحقب التاريخية البعيدة التي مر بها العراقيون ، وتركت آثارها العميقة في وجدانهم!
فالعراقي يرى القضية الفلسطينية قضيته كما يراها الفلسطيني نفسه تماماً ، وهو لا يرى نفسه متبرعاً أو متفضلاً بموقفه هذا على الفلسطينيين ، إنما هو يرى نفسه معهم منها على نفس المسافة وبنفس المستوى من القضية ويتحمل معهم عنها نفس المسؤولية التاريخية ، وعن قضية تحرير فلسطين بكامل تفاصيلها!

فالأجيال القديمة وكبار السن من العراقيين مثلاً: الذين عايشوا القضية الفلسطينية طوال حياتهم ـ وإن خفت عند بعض الأجيال الجديدة بسبب حروب صدام العبثية ـ يتذكرون جيداً ، بأن العراقيين أو بعضهم على الأقل :
ـــ عندما كانوا يتبادلون التهاني بالعيدين ـ رمضان والأضحى ـ كان أحدهم يقول للآخر "بالعودة" ، بعضهم قد يقصد عودة العيد ثانية ، لكن الاغلبية منهم كانت تقصد عودة الفلسطينيين إلى أرضهم المغتصبة !
ـــ وأن العراقي حينما كان يرى من عراقي آخر:
عملاً غير مرضي أو مناسب ومرفوض اجتماعياً ، يرد على قائله باللهجة العراقية المحببة "لا يابه.. حررنا فلسطين" .. بمعنى: إن هذا عمل مشيين لا يتناسب مع هدفنا الكبير في تحرير فلسطين ، الذي هو مسؤوليتنا وهدفنا الكبير الذي يتوجب علينا جميعاً انجازه في النهاية!
ـــ وأن العراقيات كن يودعن أزواجهن وأولادهن والقوات العراقية:
الذاهبة إلى جبهة الحرب في فلسطين ، يودعنهم بالزغاريد والأفراح والدبكات ونثر الحلوى فوق رؤوسهم ، وكان كل عراقي يود أن يشارك في الحرب مع الصهاينة وينال شرف المساهمة في تحرير فلسطلين!!

كان هذا موقف عموم العراقيين بكل فئاتهم من القضية الفلسطينية ، ما عدا فئة سياسية صغيرة منهم معروفة بتبعيتها المطلقة لأحد المعسكرين العالميين المتناطحين أنذك ، وتقف موقفه هو من القضية الفلسطينية وليس موقفها الوطني الخاص بها منها.. فحتى في عهد عبد الكريم قاسم ـ رحمه الله ـ الذي يطلق عليه البعض صفة (شــعــوبــي) كانت الإذاعة العراقية تضج بالأناشيد والأغاني الوطنية العراقية عن فلسطين وتحريرها من الصهاينة ، وكانت أشهر تلك الاغاني تقول: [هـ العيد انعيده ابغداد ..... وعيد الـ يجي بفلسطين] ، وكانت هذه الاغنية تردد بكثرة في الدبكات الشعبية (الچوبي) في الساحات العامة ، في العيدين والمناسبات الأخرى!
*****
"هرمجدون " عراقية :
والأهم من كل هذا كانت هناك قناعة ـ شبه غيبية ـ يختلط فيها الديني بالوطني بالقومي والانساني ، سائدة بين أغلب العراقيين تقول:
بأن الصهاينة في نهاية وجودهم واحتلالهم لفلسطين ، سيكونون في أقوى قوتهم ويمتلكون جيشاً عظيماً "لا يقهر" حقاً ، وهذا الجيش الصهيوني سيجتاح في طريقه معظم المنطقة الوقعة بين نهري النيل والفرات ومعظم المدن والبلدات والبلدان العربية ، حتى يصل في النهاية إلى (غرب الفرات) داخل الأراضي العراقية ، ليحقق حلمه الموهوم بشعار: ((من الفرات إلى النيل أرضك يا إسرائيل)) .. لكن هذا الحلم الصهيوني سيصطدم بالصخرة العراقية :
ففي نفس هذه اللحظة التي اعتقد فيها "الصهيوني" بأنه قد حقق حلمه الكبير وبنى "دولته الموعودة" التي سيكون فيها سيداً للعالم أجمع ، ستكون نهايته ونهاية حلمه ودولته في هذه البقعة (غرب الفرات) ، ففي لحظة انتصاره الكبير هذا بالذات "سيكسره العراقيون" ــ كما يقولون في لهجتهم الدارجة ــ ويشتتون شمله ، ويتتبعون فلوله المهزومة حتى أرض فلسطين ويحررونها منه!
وكل هذا سيتم بعد "مقتلة عظيمة تقع لليهود" في فلسطين على يد العراقيين ، يعاونهم فيها الفلسطينيون وبعض العرب ويعاونهم الشجر والحجر والتراب في معركتهم هذه ، فيقول الحجرــ كما يروى في حديث للرسول ــ : "يا مسلم هذا يهودي خلفي تعال واقتله" !!
وتروى في هذه المعركة العراقية الموعودة جميع تفاصيل (معركة هرمجدون) ـ ودون أن يسمونها باسمها هذا ـ حسب نسختها الاسلامية ، وليس حسب النسخة ـ اليهومسسيحية ــ المتداولة على نطاق عالمي واسع!!

فالعراقي في اعماقه يعتقد جازماً بأنه هو المقصود بالآية القرآنية :
 ((فإذا جاء وعد الآخرة ـ تأتي هنا بمعنى مرة أخرى ـ ليسوء وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علو تتبيراً)) (سورة الاسراء الآية السابعة)

ويعتقد العراقي أيضاً :
بأن كل الذي جرى وسيجري له من كوارث ودمار وخراب ، هو لإعاقته عن أداء دوره هذا في تحرير فلسطين "وتخليص أرض المسلمين منهم" ، حسب الوعد الإلاهي !!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هندوراس رابع دولة تنقل سفارتها في إسرائيل إلى القدس وسط تندي


.. مقاطع فيديو لم تُعرض سابقًا تظهر تعرض الشرطة للضرب في أحداث


.. موجز الأخبار - التاسعة صباحا 25/06/2021




.. خلافات حادة داخل القمة الأوروبية بشأن التعامل مع روسيا


.. الاتحاد الأوروبي.. بين فتح الحدود أمام السياح وتمديد قيود اح