الحوار المتمدن - موبايل


رأس (أبو جعفر المنصور).

جعفر المظفر

2021 / 6 / 10
مواضيع وابحاث سياسية


صلاح الدين الأيوبي قضى على الدولة الفاطمية في مصر, لكنه مع ذلك أبقى على إسم القاهرة, وما زال المصريون يعتزون بإسم عاصمتهم بإعتبارها قاهرة المعز نسبة إلى بانيها الخليفة الفاطمي.
وللتاريخ أيضا فإن جامعة الأزهر يعود بناءها أيضا إلى نفس الخليفة, أي المعز الفاطمي, وقد خصصت في بادئ الأمر لتعليم ونشر المذهب الشيعي, وقد أبقى صلاح الدين الأيوبي على الإسم نفسه الذي ظل على حاله حتى الوقت الحاضر.
بغداد لم تبنِ ضريحا لمؤسسها (أبو جعفر المنصور) بل إكتفت بنصب لرأسه فقط. في المقابل أبقت بغداد التي حكمتها أنظمة أغلب رجالها من السنة على ضريح الإمام موسى الكاظم وأسمت المنطقة الكبيرة التي تحيط بالضريح بإسمه (الكاظمية) التي صارت اليوم من أكبر مناطق بغداد.
الإمام أبو حنيفة النعمان الذي يتبعه أغلب سنة العراق مات في سجن أبي جعفر المنصور, لكن سنة العراق التابعين فقهيا لإمامهم بنوا ضريحا لإمامهم وسموا حيا بغداديا كبيرا بإسمه, ومع ذلك فهم لم يدخلوا في خصومة تاريخية سياسية مع المنصور لأنهم عرفوا كيف يميزون بين فقه الدين وفقه السياسة.
أهل سامراء الذين ظلوا حراسا تاريخيين لضريحي الإمامين العسكري والهادي لم يظهر منهم, وهم سنة على فقه أبي حنيفة, من دعا إلى نقل رفات الإمامين إلى منطقة شيعية, بل ظلوا حراسا للضريحين وكرماء مع زواره.
شواهد الدولة العباسية من معاهد دراسية (جامعة المستنصرية) إلى بوابات بغداد إلى قبور لشخصيات عديدة منها ما زالت منتشرة على طول مساحة بغداد الأصلية, فهل صار متوقعا أن يجري تغيير إسم الجامعة أو يجري نبش القبور وهدم الأسوار وتغيير بوابات بغداد.
ثم إذا حسبنا أن إزالة رأس المنصور قد تمت لأسباب ثأرية, فهل يعني ذلك أن علينا أن نتوقع في وقت آخر تغيير إسم بغداد نفسها التي بناها المنصور إلى إسم من أسماء أئمة الشيعة.
إن التاريخ الذي يكتب بقلم واحد وبلون واحد وبعقل واحد هو تاريخ لا يستحق القراءة.
كذلك فإن بلدا بتاريخ كهذا سيصعب عليه البقاء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شكرا للأخوين اللذين نبهاني إلى أن صلاح الدين الأيوبي كان قد أغلق جامعة الأزهر لمدة مائة عام لكونها كانت تدرس المذهب الشيعي, وما أريد التنبيه إليه هنا هو أن هدف هذا المطبوع ليس ذكر محاسن الأيوبي على حساب غيره أو تجاوز حقيقة الأحداث ذات الطبيعة المذهبية والطائفية التي رافقت سياسته الداخلية, غير أن من الحق الإنتباه إلى أن تلك الممارسات لم تكن بعيدة عن واقع الصراعات الدينية والمذهبية التي طبعت تلك المرحلة التاريخية على صعيد العالم برمته. ويوم يشار إلى هذه المآخذ السلبية المتعلقة بالنهج الأيوبي فعلينا أن لا ننسى أن الصراعات الدينية والمذهبية كانت هي التي تتحكم بسياقات الصراع آنذاك, وأن المرحلة الحالية قد أنهت تلك الحقبة المظلمة وسمحت للتيارات المتحضرة أن تتسيد المشهد الإنساني, وكان مؤملا لمنطقتنا العربية بعد إنهيار الدولة العثمانية أن تسير على ذات النهج, غير أن الحركات الدينية والمذهبية عادت من جديد لتتسيد المشهد السياسي والإجتماعي ولتكسر من جديد حلقة التطور ضمن مجتمعاتنا ودولنا.
وحتى لو إذا أوصِينا بضرورة البحث عن الأسباب الذاتية التي أدت إلى تلك النكسة بعيدا عن نظرية المؤامرة إلا أن ذلك يجب أن لا ينسينا أن مآلات الأوضاع قد صبت في النهاية بمصلحة الأطماع الأجنبية في المنطقة والتي تتقدمها مصلحة إسرائيل بشكل أساسي قبل أن تلتحق بها دول أخرى مثل إيران الخميني وبعد ذلك تركيا أردوغان بما أعاد إلى أذهاننا وعلى الأرض أيضا مشاهد الصراع بين الدولتين التركية والإيرانية على حساب مصالحنا الوطنية وأمن منطقتنا العربية.
وحتى لو أننا أعدنا إلى الأذهان حقيقة موقف الأيوبي من جامعة الأزهر فالسبب كان واضحا وهو إرتباط الجامعة بطبيعة الصراع القائم آنذاك وكونها كانت قد أقيمت لتدريس المذهب الشيعي ولم يكن متوقعا بالتالي أن يبقي الأيوبي على صرح كان قد إنتصر على مذهبه.
لكن قصة أبو جعفر المنصور هي لا شك تختلف عن جميع تلك القصص السالفة لأن صاحب التمثال هو مؤسس المدينة التي ينتصب فيها تمثاله ولا بد بالتالي أن تبدأ قراءته من خلال هذه المعطية التاريخية الفذة دون أن تحمل الدعوة إلى إحترام ذلك أية دعوة مرافقة لنسيان مشاهد صراعات الرجل مع مجايليه وفي مقدمتهم الإمام موسى الكاظم, وعلى أن يجري البحث فيها بصورة مهنية أكاديمية صرفة لا تأكل من هذا لحساب ذاك. وحتى أن الإنحياز الفكري أو المذهبي لهذا دون ذاك فهو لن يكون مدعاة لنسيان طبيعة الإنجازات التي حققها الآخر.
إن الطامة هنا تتأكد من خلال حقيقة أن مشروع الإزالة هي محاولة أكيدة لإعادة قراءة تاريخ العراق على أساس مذهبي وإعادة تكوين العراق الدولة والوطن على هذا الأساس. وفي بلد ترتفع في مداخل أزقته وشوارعه وفي الوسط من ساحاته صور لرجل دين وسياسة إيرانيين فإن إزالة التمثال لا يأتي منعزلا عن نهج التفريس الذي يدخل إلى عراقنا على حمار لعين إسمه الطائفية, مع إعتذاري للحمار الحيوان الذي لا يستحق اللعنة إلا حينما يتسيد على بني الإنسان ويحاول أن يدوس على بلد تاريخي عظيم إسمه العراق ثم يلقي بفضلاته على أرضه دون أي إعتبار لقدسية المكان.
ويهمني للمرة الألف أن أؤكد أن مشروع طيفنة العراق وفرسنته يؤذي بشكل خاص شيعة العراق قبل سنته لأنه يجعلهم موضوعة التخلف الرئيسة, ولسنا بحاجة إلى توصيف حالة الإمتهان التي تشترط تحويل الشيعي العراقي إلى إنسان جاهل متخلف مُسْتغل وجائع كشرط لبقاء ساسة الشيعة الطائفيين وتسيدهم وضمانة لإستمرار أحزابهم التي لا تمتلك قدرة الإستمرار إلا من خلال بقاء النفخ في الطائفية المقيتة, وأعود إلى التأكيد مرة أخرى على تلك المقولة التي كنت قد كتبتها قبل أكثر من خمسة عشر سنة وهي التي تقول أن الشيعي العراقي يجب أن ينتصر بالسني العراقي وليس على السني العراقي, وينطبق هذا القول على جميع الثنائيات الأخرى, دينية كانت أم قومية. ومعنى ذلك أن الشيعي العراقي سينتصر فعلا وسيضمن مستقبله الإنساني المتحضر في عراق وطني لا طائفية ولا أحزاب دينية فيه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الرئيس التونسي: لا أحد فوق القانون وما يحدث الآن غير مقبول


.. الجزائر.. الناخبون يدلون بأصواتهم لانتخاب برلمان جديد | #مرا


.. دوالي الساقين السطحية والعميقة وأسبابها الغامضة | #التشخيص




.. الادعاء التركي يحرك دعوى جديدة لحظر حزب -الشعوب الديمقراطي-


.. العراق.. تراجع جديد للدينار أمام الدولار بإقليم كردستان | #م