الحوار المتمدن - موبايل


قراءة في نصوص هيفي قجو

فاضل متين

2021 / 6 / 11
الادب والفن


«أصابع العازف أو كصوت نايّ بعيد»... « أدراج عالية، جهات عمياء» هكذا يقذف العنوان نفسه إلى سطح الغلاف منتعلاً خفين من الاستعارة ورداء شعرياً يشي بفيض من الرومنسية الرقيقة (أصابع العازف= الجمال المادي، أو كصوت نايّ بعيد= الجمال الحسي)
والسمو مع التيهان والضياع( أدراج عالية. جهات عمياء) وهكذا تفتتح القاصة/ الشاعرة هيفي قجو بهما كتابيها ليكونا بوابة لما هو شعري/قصصي في متنهما-متن الكتابين، أقول شعري وقصصي معاً لأن ما تكتبه هيفي ينوس بين الإثنين، ولا ينحاز لأحدهما، ولا سيما في كتابها «أصابع العازف، أو كصوت نايّ بعيد» إذ يأبى أن يسمى بمسمّى تقليدي.
سردٌ نثريٌّ مفتوح، يلامس شعر اليوميات في كثيره، بمقدرونا تسميته على سبيل التمييز ( قص شعري، شعرٌ قصصي ).
يتأسس كتاب أصابع العازف على مدار صفحاته المائة على أربع مفاصل رئيسية؛
* "كصوت نايّ بعيد " وفي هذا القسم تفيض النصوص بالشاعرية الروحانية، بالحب المثالي، بالحنين الملتصق بالذاكرة القلبية، فالنصوص/ القصص جميعها هنا تتقاطع في المبنى والفكرة، وتدور في فلك المثالية، والقارىء يدرك أنها تحاكي ما هو قديم، حقيقي، حب يوتيوبي. كما تمتاز بالتشعّب اللغوي الذي يرتدي رداء القصيدة، فالكاتبة مسكونة بالطبيعة، بالطيور، بالصور السماوية.
‏من أجواءه أقتبس:
‏" قلبهما واحة خضراء تشع في ظلالها ترانيم العشق المقدس، على ضوء النجمة البعيدة تستحيل المسافة بينهما إلى معجم أشواق"
‏"غاص في البحيرة سماء بعيدة، لكنه استيقظ حين نبع الحب في جسديهما فسحة ريحان تطلّ على بحيرة. البحيرة تحتفل بطيرين من البجع".

‏أما في القسم الثاني "أصابع العازف، رقصة المساء" فإننا نشهد تنوعاً في المشاهد؛ الوحدة، والوحشة، والاشتياق للأشياء التي تنتمي إلى الذات وتوثثه لاشعورياً، لكن يستمر الحضور الشعري ملازماً للنصوص الذي يكاد يكون المادة الأولية الخام التي تبني هيفي كيان نصوصها، حتى عندما تنتقل من الوجدانيات إلى العالم الواقعي المحسوس.

‏في «أقواس الحيرة والألم» تنزع نحو رصد الواقع الاجتماعي المعاش، كعلاقات الحب القائمة على المنفعة الحسية، وحالات الخيانة من كلا الجنسين، وفقدان الذات والآخرين والوطن، ومأساة أسرى الكامبات، والكثير من الأحداث الواقعية المؤلمة التي أفرزتها الحرب السورية، وما ولدته من مشاعر حزن وألم وخيبة، واشتياق إلى ما كان يجعل الماضي ساحراً، شاعرياً، فها هي في نصّها "سحر الكلام " ترسل عبارات الشوق إلى الغجرية التي كانت تفيض رهافة ورشاقة كالفراشات.
‏" يا لهولاء الغجر المنذورين للترحال والخيال! ..‏.... شاميرانه في أية أرض تمكث خيمتك الآن؟؟!! "

في القسم الأخير «إحداثيات العدالة» تقرر هيفي أن تلقي النور على من كان حطباً للحرب، وضحية مباشرة فيها، والمشتغلين على إثارتها (المقاتلين الأفذاذ المنذورين حياتهم للوطن/ السبايا/ فقهاء الظلام من المعممين/ انتهازيي الحرب/ مدبري الأقدار الإجرامية)
‏من يقرأ هاتيك النصوص يدرك أن ثمة استهجان واستنكار يفيضان في كل أقصوصة، حزن وقهر يتصاعدان منها، وكأنّ الكاتبة تريد أن تقول في كل جملة من كل أقصوصة، أيتها الحرب ما أنذلك، ما أقساك، وهبتينا الحرية المزيفة وسلبتي منا الحياة.

« ادراج عالية، جهات عمياء»
‏في هذا الكتاب كدأبها لا تبتعد قجو فيه عن نسقها اللغوي الفائض بالصور الشعرية، وكأن اللغة لديها لا ترتضي الخروج عن هذا النمط الزاهي.
‏في الفصل الأول والذي يحمل عنواناً باللغة الكردية « Ez ji te hezdiki» بمعنى أحبك بالعربية، نقرأ فيه نصوصاً وجدانية قصيرة كالتي يدونها العشاق لخليلاتهم. وأما فصل «الانكسارات»
‏فإن العنوان يبرهن على نفسه، إذ يحتضن الفصل مجموعة من الأقاصيص تتماهى مع عنوان فصلها،
غير إن الكاتبة تفاجئنا في الفصل الثالث حينما تكسر الإيقاع، وتتجه صوب الكينونة الكردية حينما تلقي زانة الضوء على حيوات الرموز الكردية، على من أبقوا للوجود الكردي مكانته في القرنين الآخرين، بأقلامهم، وكلماتهم ونضالهم، ( قاسملو، شيركو بيكس، الكبيران خرابيت خاجو وديكران الأرمنيان اللذان قدما ما لن يخبو للفن الكردي، شكاكي الثائر، يلماز غونيه وغيرهم من أساطين الكرد) وهي عبارة عن نصوص تعريفية، رثائية، تأبينية في صميمها، بل إحيائية في مضمونها. ومن أجوائه نقرأ مقطعاً فيه من التفاؤل ما ينمي مشاعر الحماس، تتجه به إلى عبدالله النهري الشيخ الثائر وكأنها تود أن تشعل الطمأنينة في قلبه وهو في عرين قبره.
‏« حلم النهري.. الحلم الشقي، سيتورد حتى الأبد»

ينتهي بنا مطاف الكتاب في فصله الأخير « أحلام نائية» بجملة من الأحلام المريرة، الكسيرة، عالم تتداعى فيه الذكريات المفجعة. عالم قد يكون للكاتبة نصيب فيه.
هكذا تقذف بنا هيفي قجو إلى عالمها، عالمها الذي يحدوه الشعر من جموع أطرافه، ربما يشعر القارئ في بعض المقاطع أن ثمة إنشائية في تركيب جملها، وافتعال في تكثيف الصور والتراكيب الجمالية أحياناً، غير أن ذاك النفس الشعري، النفس الرقيق الذي يخص الأنثى الشاعرة لا ينفلت من عقال النصوص.
أنهي المقال بمقطوفة من كتابها أصابع العازف أو كصوت نايّ بعيد، ليس لأنه حدث يخص الكاتبة، إنما يمثل ما خاضه الكردي وما لقاه من الآخر/ المنتهك لخصوصيته وهويته- ثقافة الاستبداد.
ثقافة امتدت جذورها السامة حد انتهاك الأسماء الكردية واجتثاثها من كيانها، سعياً لصهر الكينونة الكردية التليدة العصية عن كل اجتثاث محكم.
« اقتربت منها الآنسة لتسألها بالكردية عن اسمها:
-هيفي، اسمي هيفي.
-‏لكن لا وجود لهذا الاسم، اسم والدك، والدتك، الكنية؟
-‏محمد، فهمية. قجو.
-‏آها، اسمك ليس هيفي، وإنما أمل.
حينها غزتها مشاعر غريبة، كيف اسمها أمل وأمها تناديها " هيفي" ؟
..
..
..
بعد سنوات ستنتقم من ذلك الاسم، وتستعيد اسمها الكردي، وتدمغ به كتابها الأول :هيفي قجو!











التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مسرحية الا اذا تغيّر شي: واذا اهلك ساكنين بالمربّع الذهبي، أ


.. محفوظ الماهر من الهواية في الغناء إلى الاحتراف بفضل {تيك توك


.. فرق {الأوبرا} في باريس تتحدى كورونا؟ |#فكر_وفن




.. ماشا ميريل الممثلة الفرنسية تصل لمطار أسوان للمشاركة في مهرج


.. الفنان المغربي الشاب يونس الميلودي لم يجمع هذه -الثروة الصوت