الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مقال : النموذج التنموي الجديد بالمغرب فشل مؤجل!

مراد الحسناوي

2021 / 6 / 25
مواضيع وابحاث سياسية


      مقال : النموذج التنموي الجديد ، فشل مؤجل!
إذا كانت اللجنة الخاصة بتقرير النموذج التنموي الجديد تستقي شرعية تقريرها من روئ و دراسات أكاديمية لطالما أخطأت في تقديراتها أكثر مما أصابت، فنحن نستقي شرعية موقفنا في مقالنا هذا من الواقع الحي، الذي لطالما كان غائبا أو مغيبا عن التنظير و الدراسة و البحث المنهجي الأكاديمي "اللا معمق" الذي  ينهج في دراسات لم تشمل يوما واقع من هم تحت.
و لعل ذلك هو ما جعل بلادنا تخوض و تنهج منذ عهد الإستقلال مجموعة من المحاولات التنموية، بغية بناء "مغرب المؤسسات" في إطار "دولة الحق و القانون" و ذلك بالنهوض الإجتماعي و الإقتصادي، إلا أن كل تلك المحاولات كانت فاشلة نتيجة انزلاقنا في درب التبعية و الركود الإقتصادي، و عدم تحقيقنا لإقتصاد مستقل لحظة "تحررنا" من الإستعمار الفرنسي و الإسباني.
و عليه فقد استمرت محاولات النهوض، عن طريق مجموعة من التوجيهات الملكية، كان آخرها التوجيهات التي وجهها الملك محمد السادس لحكومته سنة 2018/2019 عبر مجموعة من الخطب الملكية في عدة مناسبات، و ذلك بأمره تشكيل لجنة خاصة لإعداد تقرير حول النموذج التنموي الجديد، جعل على رأسها شكيب بنموسى وزير الداخلية السابق و سفير المغرب سابقا لدى فرنسا.       
رئيسا لها، مع 35 عضوا أكاديميا من مسارات مختلفة، و ذلك من منظور استراتيجي "شامل". حيث عهد إلى هذه اللجنة العمل على تحديد أهم المشكلات و طرح حلول، مبادرات و تعديلات لها من أجل تطوير نموذج تنموي وطني وفق مقاربة تشاركية مندمجة، منه يمكن أن نتساءل : ما المقصود بالنموذج التنموي الجديد؟ من هم ال35 عضوا الذين شكلوا اللجنة الخاصة بإعداد تقرير هذا النموذج ؟
ما هي المنهجية و الأساليب التي اعتمدتها اللجنة ؟
و ما الفترة الزمنية التي حددتها للوقوف على نجاح المشروع من عدمه ؟
ما حجم الميزانية التي رصدتها اللجنة لتجسيده على أرض الواقع ؟
و ما الأوراش التحولية و آليات التنفيذ التي اعتمدتها؟
إن المقصود بالنموذج التنموي الجديد هو الإطار الذي يحدد الإنتظارات و أشكال التنظيم و وسائل التنفيذ للخيارات الإستراتيجية و رسم الأولويات التي ينبغي أن تنصب عليها السياسات العمومية و تبنيها ممارسة لقيادة البلاد نحو تحقيق التقدم و التطور المنشود، وفق فلسفة لا تعتبره مجرد مخطط أو مجموعة أفكار بل هو أسلوب عمل، باعتبار أن يكون مرجعا لعمل الجميع.
و للقيام بهذا التقرير الخاص بالنموذج التنموي الجديد، كان لابد من وجود لجنة للعمل عليه و إعداده، و هو ما تحقق عند تشكيلها سنة 2017، يترأسها وزير الداخلية السابق شكيب بن موسى و35 عضوا أكاديميا آخر من مسارات مختلفة، إلا أن ما يثير الإستغراب حقا هو كون أكثر من 90 % من هؤلاء لهم ثقافة فرانكوفونية و ينتمون لشركات خاصة منها شركات مغربية خاصة و أخرى متعددة الجنسية "و الكل يعلم مدى خطورة سياسة هذه الشركات على اقتصادات البلدان النامية"، هم رجال أعمال و أشخاص يعيشون خارج المغرب، لم نسمع لهم صوتا و ليست لهم أية مواقف قبلية، و منه أتساءل باستغراب كما وجب علينا أن نتساءل جميعا بجرأة كبيرة عن كيف يعقل لهؤلاء أصحاب الثقافة الفرانكوفونية الذين لم ينغمسوا يوما في الواقع المغربي أن يحللوه تحليلا صحيحا و يكشفوا خباياه؟ و هم الذين لا علاقة لهم بالواقع الإجتماعي العميق و مشاكل مواطني الطبقة المفقرة و اللاعدالة اجتماعية التي يعاني منها الواقع المجتمعي المغربي، كيف يمكن لهم أن يصيغوا نموذجا تنمويا جديدا يعالج كل هذه المشاكل العميقة، و في وقت وجيز جدا !؟ حتى و إن كانوا هؤلاء الأكاديميين يملكون شهادات أكاديمية فذلك لا يشفع لهم و لا يعني أن لهم مواقف و أبعاد سياسية مبدئية و ذات مصداقية.
و لا يمكن أن ننكر كون اللجنة تضم شخصيات "مثقفة" أمثال عبد الله العروي و محمد كسيكس...إلخ ، إلا أن هؤلاء هم مثقفي القصر المدللين، لكون كتاباتهم و مواقفهم لا تملك من الحرية ما يكفي لجعلها جريئة في طروحاتها و لا يجرؤون على التحليل و المناقشة بشكل قد يجعلهم  يعارضون سياسات القصر أحيانا، أو طرح أي تصور أو رأي مخالف له.
إن هؤلاء لا يستطيعون مناقشة الواقع الإقتصادي من باب مناقشة فرض ضريبة على الثروة " l impot de la fortune" أو مناقشة مسألة المخزن الإقتصادي جنبا إلى جنب مع مسألة "المنافسة la conférence" أو المطالبة بإلغاء اتفاقية التبادل الحر، التي ليست في مصلحة بلدنا.
و قد جاء على لسان "أحد مثقفي اللجنة" أنها اعتمدت في بحثها الإعدادي للتقرير منهجية تقوم على الإنصات و المشاورة الوطنية الموسعة عبر مختلف ربوع المملكة في البوادي النائية كما في الحواضر، قدمت من خلالها شهادات و اقتراحات و تشخيصات و انتظارات فئة "عريضة" من المواطنين و المواطنات، حيث تمت هذه المشاورات و التشخيصات بالإعتماد على اللقاءات التشاورية الحضورية. مشتغلة أيضا من خلال منصتها الإلكترونية و شبكات التواصل الإجتماعي، تفاعل معها 9700 شخص بصفة مباشرة مع اللجنة و 1600 من خلال الإنصات و الإستماع.
في حين توصلت ما عدده 6600 مساهمة مكتوبة، منها 270 مقدمة مباشرة و 2530 بواسطة المنصة الرقمية، و حوالي 3800 مندرجة في إطار دعوات المساهمة الموجهة إلى التلاميذ و الطلبة و نزلاء المؤسسات السجنية.
و لعل ما يخالج صدري الآن من الأسئلة قد أختصره في سؤالين و للقارئ واسع النظر و التعمق :
كيف تحاول اللجنة إقناعنا بأرقام و نتائج لم نلمس للدراسات و الأساليب التي اعتمدت عليها لبلوغ ذلك أي وقع على أرض الواقع، لا في البوادي ولا القرى و لا المدن و الحواضر ولا الجامعات العمومية ولا حتى في وسائل التواصل الإجتماعي أيضا ؟ اللهم إن كانت قد قامت بذلك في "فيرمات" البورجوازيين و مؤسسات التعليم البورجوازي الخاصة، التي يقول أبنائها نعم في كل شيء و "الشمس مشرقة و الجو جميل هذا اليوم" أنا شخصيا و بعد بحث ليس بالهين، لم أستطع أن ألمس أي شيء من ذلك على أرض الواقع. و كيف يعقل أن تعتمد اللجنة في بحثها على مساهمات المؤسسات السجنية مع العلم أن المؤسسة السجنية في المغرب قد برهنت على فشلها الدريع في القيام بدورها الإصلاحي التكويني الإدماجي.
و قد قالت اللجنة أنها قد خلصت في تحليلها "الدقيق" للنموذج التنموي الحالي إلى أن المشكل يكمن في بطء التنزيل للإصلاحات المعلن عنها من قبيل التحول الإقتصادي و التربية و التكوين و الصحة و الحماية الإجتماعية. و هو ما يجعلنا نتسائل مرة أخرى، هل كانت النماذج التنموية السابقة لا تخضع لعملية تتبع و مراقبة مستقلة ؟ و إن كانت كذلك، لماذا إذن لم تنجح كل تلك النماذج التنموية؟ ما مصير النموذج التنموي السابق الذي كان الملك قد أمر بنموسى نفسه بإعداد ؟ و لماذا لم تظهر نتائجه إلى يومنا هذا !؟.
لقد أشار التقرير العام للنموذج التنموي الجديد أن بلادنا "و كما نعلم جميعا" تزخر بإمكانيات تنموية جد مهمة، بدءا من الموقع الجيواستراتيجي... بلوغا إلى رأسماله المادي و اللامادي و طاقات نسائه و رجاله. و هو ما يستوجب تعبئة كل إمكانيات البلاد عبر وضع العنصر البشري في صلب أولويات السياسات العمومية، من خلال مضاعفة الناتج الداخلي الخام حسب الفرد، و ضمان امتلاك 90% من التلاميذ للتعلمات الأساسية. حتى يتبوأ المغرب مكانته ضمن الثلث الأول من ترتيب الدول في مجالات عديدة في أفق 2035 ميلادية، وفق طموح تلخصه أربعة عناصر استراتيجية رئيسية من أجل التحول :
أولا : تطوير الإقتصاد ليصبح اقتصاديا متميزا بتعدد الأنشطة و التنافسية قائم على نسيج مكثف من المقاولات قادرة على الإبتكار و التنافسية.
ثانيا : تعزيز الرأسمال البشري بهدف منح كل المواطنين القدرات التي تمكنهم من تحقيق طموحاتهم و المساهمة في تنمية البلاد، هذا الأمر الذي يتطلب إصلاحات أساسية ضرورية و عاجلة لكل من أنظمة التربية و الصحة و التعليم و التكوين المهني.
ثالثا : إدماج المواطنين في الدينامية الوطنية للتنمية و كل المجالات الترابية في المجهود التنموي الجماعي من خلال المساهمة و الولوج المتكافئ للفرص الإقتصادية من خلال الحماية الإجتماعية و الإنفتاح على الغير و تقبل التنوع و محاربة الإقصاء الإجتماعي.
رابعا : الإنتقال بالمجالات الترابية من مجرد وعاء نهائي لتفعيل السياسات العمومية المقررة على المستوى المركزي إلى فاعل رئيسي في إعداد السياسات العمومية و إرسائها و إنجازها.
و قد قالت  اللجنة الخاصة بالتقرير أن كل هذه التحولات الهيكلية تتطلب إمكانيات تقنية و بشرية و مالية مهمة تعد بملايير الدراهم.
هذا و قد اعتبرت اللجنة أنه من الضروري التركيز على خمس رافعات أساسية :
بدءاً بالرقميات للتحويل السريع، جهاز إداري مؤهل و فعال و تأمين الموارد الضرورية لتمويل مشاريع التحول السريع. و إشراك مغاربة العالم للإستفادة من معارفهم و تعبئة علاقات التعاون مع الشركاء الأجانب بمقاربة رابح رابح! من أجل ترسيخ هذا النموذج كمرجعية مشتركة للفاعلين و حث جميع القوى الحية على إنجازه، اقترحت اللجنة ترجمته في صيغة ميثاق وطني من أجل التنمية ليكون لحظة توافقية و مرجعية مشتركة تقود و توجه عمل الجميع. ليشكل هذا الميثاق التزاما معنويا و سياسيا قويا أمام الملك و الأمة برمتها، بغية تمهيد الطريق إلى مرحلة تاريخية جديدة في مسار تنمية البلاد.
و امتدادا لهذا الميثاق توصي اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي بإحداث آلية تحت سلطة الملك مباشرة لتتبع النموذج التنموي الجديد و حفز الأوراش الإستراتيجية و دعم إدارة التغيير. و لكنني هنا أتسائل مرة أخرى : أليس في هذا تكريس لملكية تنفيذية مطلقة؟ في وقت ننادي فيه بملكية برلمانية!؟
لقد اهتمت اللجنة في تقريرها بأغلب المجالات الحيوية التي يقوم عليها أي بلد، دون أن تنسى ترك حيز للمسألة الثقافية و الإعلامية ضمن تقريرها، معتبرة أن الثقافة هي تربة التنمية
مكونة من عنصرين هما الموروث الجماعي و الإبداع الفردي المكونين للنسيج الإجتماعي و المحققين للتواصل، و دونهما لا يمكن أن نحقق مجتمعا ديناميكيا. كله في سبيل تنمية مبنية على إنسان و مواطن قادر على الخلق و التفكير والنقاش و الإبداع، و لا تنمية بدون ذلك.
و بعد تحليلها "اللجنة" لواقع الثقافة في بلادنا اليوم توصلت إلى ما مفاده أنه بالرغم من وجود مجموعة من المسارح و  المهرجانات في بعض المدن الكبرى إلا أنه لا توجد لدينا في باقي المدن، فيما لخصت اللجنة من كل هذا إلى مشكلتين في عمق التنمية :
الأولى هي وجود البنيات التحتية "كالمسارح...." و غياب دينامية داخل هذه المؤسسات، حيث قالت أن القطاع الثقافي ببلادنا يحتاج إلى المشاريع، إلى الأفكار، إلى الإنسان. و ذلك بتمكين الناس من القدرات التي ستساعدهم على تطوير أفكارهم و مشاريعهم و إبداعاتهم.
أما النقطة الثانية فهي كالآتي : أن المهرجانات في بلادنا تأتي كزخة مطر في أرض قاحلة، في حين وجب أن نقوم بذلك بطريقة تشبه طريقة الري الفلاحي العصرية "قطرة قطرة" أن تكون الثقافة مسألة يومية متداولة و مستمرة ( إذا تم تفعيل تداول ما يسمونه هم بالثقافة بشكل مستمر فقد تم تكريس التفاهة داخل مجتمعنا بنجاح)
و قد اقترحت اللجنة أربعة محاور للنهوض بالقطاع الثقافي في بلادنا :
أولا : الخروج من الفولكلور بداعي أننا نعيد إبداع و إنتاج الموروث القديم، و أن نعطي زخما جديدا في الموسيقى و التصميم... إلخ
ثانيا : خلق ديناميات داخل المدن بعلاقة مع الشباب و مع المبدعين داخل الفضاءات بإمكانيات متجددة.
ثالثا : الإعلام باعتباره منتوجا ثقافيا، وجب عليه أن يبين لنا أهمية الثقافة. و أكثر من ذلك أن تصبح لدينا ثقافة الإعلام الحر الخارج عن البروبجندا، يعمل لصالح الديناميات المجتمعية و أن يكون مرآة لها. و كذا أن يكون لدينا فاعلين ديمقراطيين أي صحفيين أكفاء، لبناء إعلام قوي، لأن الإعلام القوي هو صورة للمجتمع القوي، و ليس إعلام يخاف من طرح فكرة جديدة أو  تصور جديد أو رأي مخالف.
رابعا : في النموذج لا يتوقف الأمر و لا يكتفي أعضاء اللجنة بإعطاء الأفكار فقط و إنما نقوم بطرح حلول و مقترحات عملية، و المقترح العملي هو خلق منصة للمنصات "une plateforme des plates-formes" لأننا نحتاج في المجال الإفتراضي و أننا نحتاج لتطوير الصناعات الثقافية و الإبداعية عبر هذا المجال، و كذلك تأطير تعبير المواطن و إعطائه قدرة قوية على التكوين.
إن ما جاء في التقرير في تناوله للقطاع الثقافي جعلنا نلاحظ أن اللجنة الخاصة بالتقرير و بكل مكوناتها على رأسهم "مثقفيها" قد عملوا على تقزيم مفهوم الثقافة رغم سعته و عمقه اللامتناهي من خلال اختزاله في الموسيقى و التصميم و الإعلام و مهرجانات الرقص و الموسيقى و ترويجهم لبعض الممارسات الدخيلة من خلال فيديوهات تبث بعض السلوكيات التي لا يمكن أن تمثل ثقافتنا و يعتبرونها ثقافة، حتى لو كان ذلك تحت مسمى الإنفتاح على الغير.
اقتراح "اللجنة" أيضا الخروج من الفولكلور بداعي أننا نعيد إبداع و إنتاج الموروث القديم، لهو أمر يحمل في طياته خبايا كثيرة، من بينها طلب ضمني للتخلي عن عنصر أساسي من عناصر التعريف بتقاليدنا و هويتنا و المكون لهما من نواحي كثيرة. و هو ما سيؤدي بنا إذا ما فعلنا ذلك إلى :
أولا : الوقوع في تقليد الآخر المختلف المتفوق عنا اقتصاديا و عسكريا و سياسيا.
ثانيا : فقدان الهوية و الأصالة التاريخية و بالتالي البهتان أمام الأمم الأخرى.
و لعل محاولة خلق دينامية داخل المدن مع المبدعين و الشباب بإمكانيات متجددة التي قالت بها اللجنة، ستكون محاولة شبه فاشلة في ظل عدم السماح باتساع مساحة الحرية و الإبداع لدى المجتمع المدني و وجود جمعيات تسترزق من وراء أنشطتها دون أن يكون لها تأثير ملموس على أرض الواقع.
أما فيما يخص جانب امتلاك إعلام حر  ذو مصداقية يروج لهذه الثقافة، فهو أمر يستحيل حدوثه مادام لدينا إعلام مخزني  تتحكم فيه البروبجندا و لا يملك مساحة كافية لحرية التعبير و التحليل و النقاش الحر. كما لن يكون لدينا أبدا فاعلين ديمقراطيين داخل المجتمع الصحفي لخدمة الدينامية المجتمعية ما بقيت الدولة تضيق الخناق و تقلص مساحة الحرية و تنهج المقاربة الأمنية اتجاه كل الضمائر الحية و الأقلام الحرة.
إن ما قال به محمد كسيكس أحد "مثقفي" اللجنة بأنه تم اقتراح مقترح عملي في المجال الإفتراضي و هو "تفعيل منصة للمنصات" بداعي تطوير الثقافة و الإبداع و كذا تأطير تعبير المواطن و إعطائه قدرة قوية على التكوين به، ليس إلا أمرا يهدف في حقيقته إلى امتصاص غضب الجماهير من خلال إنشاء مصة افتراضية للتعبير، لن تمكنهم من تغير أي شيء على مستوى الواقع، فيما المفروض أن يتم تكوين الجماهير و المواطنين بشكل واقعي في عالم واقعي و ليس في منصات افتراضية وهمية.
لقد جعلت الدولة المخزنية قطاع الثقافة في بلادنا قطاعا أخرس خصوصا عندما اختزلته في الموسيقى و ما جاورها، و ألغت و أهملت باقي الأشكال الثقافية كالكتابة و الأدب، الفلسفة و الفكر، الفن التشكيلي، البحث العلمي باعتباره يمثل مساحة للإبداع أيضا... إلخ ، هذه المكونات التي تعتبر من أبرز مكونات ثقافة أي شعب، بل و أساس قيام أي حضارة.
إنه لمن الجميل أن نقرأ تقرير النموذج التنموي الجديد المكون من 152 صفحة، بأفكار و اقتراحاته المغرية و الحلوة المشتهاة ، إلا أنه من العيب و العار أن نلمس وجود كل هذه الثغرات و التناقضات في التقرير و ما بين ما جاء في اقتراحاته و أهدافه المسطرة و بين الواقع المعاش.
إن القول بأن بلادنا تزخر بثروات و إمكانيات تخول لها أن تكون في مصاف الثلث الأول من دول العالم ليس بأمر مبالغ فيه البثة، إلا أن هذا الأمر رغم أنه يبدوا ممكنا فهو ممكن على المستوى النظري فقط، و لا يمكن أن يعرف هذا النموذج طريقه إلى التطبيق على أرض الواقع إلا إذا قام المغرب بمجموعة من الخطوات و القرارات أبرزها يتمثل في :
-فصل السلط لتكون لدينا حكومة لها دور حقاني و فعال و لتكون لدينا ملكية برلمانية حقة، باعتبار هذا الأمر بمثابة إصلاح سياسي و دستوري في نفس الوقت.
-القطع مع الماضي من خلال التخلي على مجموعة من الممارسات و السياسات القديمة في ظل التغيرات السياسية و الإقتصادية السريعة التي أصبح يعرفها العالم الذي نفسه أصبح ينادي بترسيخ الديمقراطيات و الإصلاحات و تقليص الفوارق الإجتماعية.
-الضرب بيد من حديد على أيدي كل المتلاعبين بالمال العام من خلال تطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة و تكريس منهجية التتبع على أرض الواقع.
-استرجاع كل الأموال المنهوبة.
-إلغاء التفاوت الطبقي و الإهتمام بالطبقة المفقرة عبر فرض قوانين تحفظ حقوقهم و تمكنهم من العيش الكريم و الخلاص من قيود العبودية الحديثة.
-أن يقوم المغرب بمصالحة داخلية كبرى يعيد من خلالها القيمة لجهاته المهمشة و الحرية و الكرامة لأبنائه المعتقلين.
و من ثمة سيمكنه حقا تعبئة كل إمكانيات البلاد عبر وضع العنصر البشري في قلب اهتمامات السياسات العمومية. لأن المحاور الإستراتيجية الأربعة للتحول، و التي جاءت في تقرير النموذج التنموي الجديد ستظل حبيسة المنظور النظري، صعبة التحقق لأنه :
أولا : لا يمكن لإقتصادنا أن يصبح متميزا مهما تعددت أنشطته، و مهما كان قائما على نسيج مكثف من المقاولات المبتكرة، إلا إذا تم توفير شروط و ظروف عمل إنسانية لليد العاملة،، شروط تحفظ كرامتهم و حقوقهم كعمال، إضافة لأن يكون اقتصادنا اقتصاداً وطنيا مستقلا.
ثانيا : أن تكون هذه الإصلاحات التي تهم أنظمة التربية و الصحة و التعليم و التكوين المهني، إصلاحات تقوم على إلغاء سياسة الخوصصة و الحفاظ على صبغة و عمق عمومية هذه المؤسسات، في سبيل تمكين الطبقة الفقيرة من الإستفادة منها بشكل مريح و كامل يحفظ حقوقهم في ذلك دون استهداف جيوبهم.
ثالثا : لا يمكن إدماج المواطنين في الدينامية الوطنية للتنمية و كل المجالات الترابية في المجهود التنموي الجماعي و الولوج المتكافئ للفرص الإقتصادية و توفير الحماية الإجتماعية إلا إذا تم تطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة و إرساء منهجية تتبع دقيقة و مستقلة و خلق قضاء مستقل، و كذا إلغاء كل أشكال التمييز بين أقاليم و جهات المملكة و التخلي عن سياسة التقسيم القديمة " سياسة المغرب النافع و المغرب غير النافع".
رابعا : لا يمكن الإنتقال بالمجالات الترابية من مجرد وعاء نهائي لتفعيل السياسات العمومية المقرر على المستوى المركزي و إرساءها و إنجازها إلا إذا توفرت و تحصلت لدينا عدالة اجتماعية و توزيع عادل للثروة و فرض ضريبة على الثروة و توفير شروط تنافسية سليمة و التخلي عن سياسة المخزن الإقتصادي، و الإهتمام و النهوض بالمغرب الشرقي عوض الإنكباب على التمركز الغربي و الساحلي.
و لعله كان من الأولى لو تم طرح هذا التقرير على نقاش عمومي في بلادنا لتحديد الأولويات و القطائع و الإصلاحات التي نحتاجها و تحتاجها بلادنا لنقلها صوب البناء الديمقراطي و الجهوية الحقيقية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لأول مرة.. أوروبا تنتج الكهرباء من طاقتي الرياح والشمس أكثر


.. معاهدة ستارت الجديدة.. سجال أميركي روسي | #غرفة_الأخبار




.. الناتو والصين.. مخاوف من القدرات المتصاعدة | #غرفة_الأخبار


.. العراق.. صواريخ تستهدف قواعد تركية | #غرفة_الأخبار




.. البيئة.. استثمارات ضخمة في الطاقة النظيفة | #غرفة_الأخبار