الحوار المتمدن - موبايل


المأزوم

أحمد جدعان الشايب

2021 / 7 / 21
الادب والفن


( لا يقدم التزمت والتعصب أية خدمة للفنون, لأن أصحابها يعتقدون أن ما يؤمنون به حقائق ومسلمات, وليس ممكنات ) وليم بليك


كلها بدع..
كل جديد بدعة
إنها بدع دخيلة تشوه حضارتنا.. تاريخنا.. وعقائدنا
بدع مدروسة وموجهة لتلغي خصوصيتنا.. هي مؤامرة.
متأوهاً زفرت زفرة جففت شفتي.. لم أدر متى ترتفع عن صدري رحى مأساة تطحن نهاري.. متى تهجرني كوابيس ليلي؟.
يخترق أذنيّ رصاص الكلام.. تاركا صداه كموج يتطوّح ليزيد قلقي.. ساخرا.
- لماذا تحمل سلمك عرضا؟.. تريد حشره في زقاق ضيق؟.. كن مع التطور ولا تبالي .. كأنك ما تزال تقبع في جزيرة تفقد كل حياة.. حتى من نعيب بومة.. أو عواء ذئب.. أو حفيف نخلة.
ولكن.. هل أنا حقا لست على حق؟.. أليس من حقي أن أنصب نفسي حكما في تقرير ما هو خير وما هو شر؟.. إنه العجب.
حسرة.. يهتز رأسي.. وتُزم شفتاي.. متراجعَ الأنف.. منقبضَ الحاجبين.. ما أن أسمع تقريظا لأحد المبدعين.. ومدحا كثيرا وثناء.. أكان ما أبدعه علما أو طبا أو فلسفة.. أو فنا أو أدبا.. أو أي اكتشاف يزيد عبأ على حياتي ومستقبل أمتي.
يغلبني انفعالي فتتساقط حروفي معجونة بالزبد.. مستهجنا.. رافضا.. صارخا.
- هذه بدع دخيلة.. سنقاومها.. تُخرّب حياتنا وإيماننا وتقضي على العقيدة.
حزن وأسى يلمّ بي.. كل يوم يظهر خلق جديد.. اكتشاف آخر.. بدع متتالية.. ومعاناة أخرى تتراكم إثر معاناة تمت وصارت من الماضي.. آلام الهوان والضعف والانهيار تمر أمام سمعي وبصري.
- ما العمل؟.. أين المفر؟.. من ينقذنا من هذا الضلال؟.. ارحمني يا ترداد الطنين.
أحاول السيطرة على أذنيّ.. أتمتم وأغمغم.. هذيان وهلوسة.. أغيب في عمق التاريخ.. أقلب الصفحات وأطوي الكتب.. شاشة في ذهني تزدحم فيها الأحداث والصور.. معارك وأبطال وغزو وفتح.. وقادة عظام.. أشحن همتي.. ينتفخ صدري.. يستقيم جذعي.. يعتدل عنقي منتصبا شامخا.. تعتصر قبضتي الهواء.. يتوتر جسدي.. تنشدّ أعصابي ويهتز رأسي كالمتوعد.. وباعتداد شديد.. وعظمة متناهية.. وبصوت يمتلئ عبق التاريخ وسلطة القيادة.. تعلو وتيرة صوتي رويدا رويدا.
لن ننسى ما قدمه أجدادنا العظام.. صنعوا لنا مجدا عظيما.. ليته يعود.. بل إنه سيعود.. أمتنا هي الأمة الوحيدة التي أنتجت تاريخا عظيما.. وقادة لم تنجب مثلهم أمة من الأمم.. وللحظات أبدو وكأني واحد من هؤلاء العظام في الماضي.. ولا ينقصني سوى سيف وجواد.. وبعض الجند.. ومؤرخ صديق.. آه لو كنت أعيش في ذلك الزمن العظيم.. كنت سأقود المعارك شرقا حتى أفتح الصين واليابان.. ثم أرتد غربا وشمالا حتى أفتح تلك القارة الصغيرة.. التي تأتينا منها جميع البدع.. آه لو فتحها أجدادي العظام.. لما شاهدنا ما يتدفق على بلادنا من أفكار مسمومة وبدع محرّمة.
ما هذا الصوت؟.. أسمع صوت امرأة.. من أين جاءت المرأة الآن؟.. إنه يشبه صوت زوجتي.. لكنه يمتلك بعض العظمة.. يبدو كأنه يندفع من قلب التاريخ في صيغ حديثة.. هل أتوهم؟.. أم هو صوتها؟.
إنه يقترب مني.. يرتفع بحدة ولوم شديد.. قوي آمر.. أعرفه.. هو صوت زوجتي..أنسحب من عمق التاريخ.. تتراخى أعصابي ببطء.. يهدأ توتري.. أتصنع راحة النفس والابتسام.. ثم أقبل عليها لأوقف سيل التوبيخ والتقريع بقوة وثقة.. أستمدها من شخصية العربي الذي يحمل كل تلك العظمة.. إضافة إلى أنني ذكر وهي أنثى.
ولكن رغم أن كلماتها لم تكن تحمل معاني التوبيخ والتقريع.. أحسست بهذا.. لأنني نشأت كغيري ممتلئا بالفخر الذكوري.. ولو شاهدها أحد لا يؤمن بما أؤمن به لقال.. هذا حقها لم تفعل شيئا معيبا.
إني أرفض واقعيتها ورومنسيتها وتناقضاتها الدائمة بيني وبين نفسي.. هي كوّنت شخصيتها من كثرة ما تطالع من كتب الغرب المترجمة ومذاهبه التي غيرت العالم.. الواقعية السحرية.. الفرويدية..الوجودية.. الكافكية.. الانطباعية.. الدادائية.. السريالية.. التعبيرية..وكتابنا المحلقين والمنظرين.. جبران.. طه حسين.. سعيد عقل.. أدونيس.. نزار.. عابد الجابري.. وفاجأتني ..
- لم تشتر الخبز من الفرن.. صار الوقت ظهرا.. أسرع قبل أن يغلق بابه فنبقى بلا خبز.
تلفّت حولي.. تخلخلت هيئتي.. ومالت رقبتي نحو اليمين.. أحسست بإذعان رأسي المتطّوح.. بانكفائي إلى واقع يسف العلقم في فمي كل يوم.. يقسرني على أداء الواجب والحب والدعابة.. لست سليل هذا الواقع.. فما العمل؟.. أين المفر؟.
أسرعت أحشو جسدي بجلابيتي بحميمية.. قالت .. لا تنس بعض الخضار والفواكه والبيض.
بإذعان هززت رأسي.. فسمعتها تبرطم بكلمات لم أتبين حروفها لأفهمها.. لكني شعرت بها ترميني بشتيمة أو تعليق ما.. لا مصلحة لي في معرفة ما رمتني به أيا كان.. أحسست بامتعاضها مني ومن أفكاري التي لا تعجبها.. مع أن أفكارها لا تعجبني أبدا أبدا.
قالت لي يوما.. إن ما تؤمن به وتدافع عنه.. هو قيد يطوق أعناقنا.. ويشلّ تفكيرنا.. وكل ما هو جديد ومحدث.. هو انفجار شديد وساطع.. لكنه لا يستطيع صهر القيد وتحطيمه.
فأرد عليها .. الحمد لله أن هذا المحدث لا يستطيع صهر القيد وتحطيمه.. ليبقى مدى الدهر يخنق أفكاركم وبدعكم.
قبل خروجي.. وقع بصري على دراجة ابني الهوائية التي تستند إلى الجدار.. اشترتها له أمه رغم اعتراضي الشديد.. لم أستعملها أبدا.. سأحاول أن أجرّبها اليوم.. دفّأت كفّي بأنفاسي لأستطيع القبض على قرنيها.. اغتبطت خلسة وشكرت زوجتي وولدي في سري.. لأنها اشترتها وهو شرح لي طريقة استعمالها.. هي تسبق حمارنا الذي نفق قريبا.. إنها سريعة ومطيعة.. تعيننا على انجاز الكثير من الأعمال بخفة وبلا كلفة أبدا.. ابني يستخدمها بحرفية ومهارة.. لو كان هنا لذهب بدلا مني إلى الفرن.
تقدمت نحوها.. تراجعت كقط فوجئ بكلب.. أنظر إليها بمزيج من الحقد والهزيمة.. هل أسل السخيمة من قلبي؟.
لا لن أركبها.. و..و..و.. لكنها صنعت لقضاء الحاجات.. ما العيب وما المانع؟.. إني في حيرة.. إن ركبتها اليوم.. ركبت بعدها موجة الحداثة.. فيما بعد سألبس بدلة وأرمي جلابيتي التراثية.. ثم أركب موتوسيكلا.. وسيارة.. وطائرة.. وأشاهد التلفزيون.. وقد أقبل كل ما ينهال علينا من بدع.. وتصير الأشياء عادية.. لا.. لا.. لن أركبها.
نظرت إليها.. تقدمت نحوها.. أمسكتها من قرنيها.. ابتعدت عنها بسرعة.. وازنت الأمر في عقلي.. خمّنت أن بعض من يعرفني.. قد يشاهدني صدفة على ظهر دراجة مصنوعة في الغرب.. كنت في حيرة حقا.. الفرن بعيد.. وفي الخارج ينتظرني الريح والقرس.. أمسكت شعر لحيتي ونظرت إليها أتأملها فقط.. رأيتها أعجوبة.. ابتسمتُ.. ضحكتُ.. قهقهت حتى دمعتْ عيناي.. فوجئتُ بزوجتي في مواجهتي.. تراقبني.. قالت بأسف وحسرة.
- ماذا جرى لك؟.. ماذا تفعل؟.. وماذا تنتظر؟.. إلحق بالفرن.. وبعد أن تلبي الطلبات وتعود.. فكر كيف صنع العرب هذه البدعة.. هيا أسرع .
بارتباك وإذعان أيضا قلت.
- حاضر.. حاضر.. أنا ذاهب.
أسرعت إلى العجلة.. أخذتها مبتعدا قليلا.. ركبت على متنها بخوف وارتباك.. وتحركت فيها رغم زفير السماء ووحوحة نفسي.. انكشف ساقاي كلقلق.. ونفخ الريح بجلابيتي.. بدوت بالونا ضخما فوق دراجة.. انكشف فخذاي.. حاولت جاهدا تغطيتهما فهما عورة.. فإن غطيت اليمين انكشف اليسار.. كنت مصرا على تغطيتهما لأنهما عورة.. ولأن البرد جمّدهما.. لم أفلح.. فالتِفافُ الجلابية فوق أسلاك العجل الحلفي أزعجني كثيرا وعطل حركة العجلة.
كدت أسقط على الوحل والجليد.. توقفت إذ لا يجوز استمرار ركوبي وفخذاي منكشفان أمام أعين الناس بلا أي غطاء.
تذكرت جاري.. لديه بدلات كثيرة.. هو لم يلبس جلابية في حياته.. ولديه سرابيل جنز أيضا.. عدت أجر العجلة إلى البيت.. سألبس أي بدلة من جاري.. وليس مهما إن كانت جنزا أو غيره .
كنت متعبا.. البرد يعض كل مسامات جلدي.. جف سائل مفاصلي.. تكرمش جلدي.. سال أنفي ودمعي.. لم أجرب ارتداء البدلة في حياتي.. أراها مريحة أكثر من الجلابية.. و.. و.. لكنها بدعة.. ولن أغير رأيي.. ركبت الدراجة.. سآخذ خبزي قبل الآخرين.. لأني أسرع منهم.. وصلت الفرن ملهوفا.. لم أر أحدا من المتزاحمين.. ازداد فرحي.. صرت أمام نافذة الفرن.. لكنها مغلقة.. نفد الخبز لأني تأخرت.. فقد أستحق عقابا لأني استخدمت بدعة.
عدت وأنا أفكر في مواجهة زوجتي.. سأستخدم كل ما تعلمناه من علاقة الرجل بالمرأة في تاريخنا العظيم.. ستقول لي فور عودتي.. ما الذي تفعله في هذه الدنيا؟.. حتى الخبز لا تعرف كيف تحضره للبيت؟.
سأطلق العنان لصوتي.. يجب أن تعلم أن ما تقرأه وتكتبه من بدع.. لا تساوي شيئا أمام عنفوان الرجل المليء بالعظمة.. وخاصة حين يتمثل ماصيه المجيد. لأن ما تقرأه زوجتي هش وضعيف ومائع.. قلت لها ألف مرة.. هذا الخبز يخرج من مخبز مصنوع في الغرب.. قلت لها آلاف المرات .. لنبني تنورا صغيرا تحت الدرج.. أو في البلكونة.. لكنها دوما ترفض.. تحتج بالوقت.. فهي مشغولة بالوظيفة وقراءة الأدب والفكر الحديث.. وتكتب الشعر وتطالع كل ما هو جديد في الفن والأدب والعلم.. وفوق هذا تنعتني بالتخلف.. رغم أنها جاهلة.. لقد توقفتْ عن قراءة تاريخنا العظيم منذ زمن.. إلا ما يتعلق بالشعر الجاهلي والأموي والعباسي.. وشعر الانحطاط والنهضة.. وهل هناك انحطاط أكثر مما هي فيه الآن؟.. تتعلق بالبدع المحدثة.. وتتطلع إلى تجديد ما أسسه وما بناه أجدادنا من سيطرة على العالم.. وكثيرا ما تقول لي.. تاريخنا مزور.. نصفه ليس صحيحا.. هكذا تقول.. إني في غاية العجب.
متى تنتهي الأزمات من حولي؟.. أزمة دائمة مع زوجتي وأمثالها.. لقد صاروا في زماننا كثرا.. أزمة مع البدع المتدفقة تنهال على نفسيتي.. ما عدت أحتمل.. حتى ابني.. يرفض أفكاري كأمه.. ينعتني بالتزمت والتخلف.. أزمة في نوع اللباس.. رغم أن البدلة غطت عورتي ودفأت أطرافي.. إلا أني أخجل من ارتداء بدلة بين الناس.. هذا اللباس لا يناسبنا أبدا.. ولا يناسب جميع أمتنا.. ولكن م.. م.. ما العمل؟.
لقد غزا كل البيوت والأسواق.. أشعر أني في أزمة خانقة.. تلتف حول روحي رويدا رويدا.. يبدو من الصعب أن تعرف زوجتي نفسها.. فلا فائدة من الكلام والمواعظ والحكم.. لا.. لا فائدة أراها حتى من التحدث معها في أمر يخص زواجنا معا.. لا فائدة.
كأن صوتي صار أنكر الأصوات على مسامعها حتى لو همست همسا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. في قضايا الفكر والرواية والدين مع الكاتب والروائي المصري ناص


.. الشاشة العملاقة تنهار قبيل انطلاق مهرجان الموسيقى في الولايا


.. ...الـمصرية آلاء الحساسين: الأدب والفن وسيلة للهروب... وا




.. المنشد اللى مكسر السوشيال ميديا ?? غناء وإنشاد وطرب الفنان م


.. هانى رمزى يكشف مفاجأة: حجاج عبد العظيم اخته توفت قبل عرض مسر