الحوار المتمدن - موبايل


(ليلة اغتيال محسن المجنون) للقاص أحمد السلمان.. وميشيل فوكو

داود السلمان

2021 / 7 / 21
الادب والفن


لا يوجد عمل فكري أو أدبي متكامل مئة بالمئة، حتى قيل أن الكمال لله. فهناك اعمال ادبية عظيمة لكبار الكتاب العالميين، وقد تعرّضت الى النقد والتمحيص من قبل ذوي الاختصاص، واظهروا هناك فجوات وهفوات وغيرها، في تلك الاعمال، بما فيها اعمال دوستويفسكي و ألبيرتو مورافيا وفيكتور هوغو وتولستوي وسواهم. وبالنتيجة فأن الاعمال الناجحة هي التي تخضع الى عملية النقد واجراء فحوصات فكرية، وربما وجدوا اخطاء. وامّا الاعمال التي لا تخضع للنقد والتمحيص فسيطويها النسيان، وتُركن على الرفوف.
ومن هذا المنطلق، ارتأينا أن نجري فحوصات "مختبرية" طفيفة لهذه القصة القصيرة للقاص أحمد السلمان والتي اطلق عليها اسم "ليلة اغتيال محسن المجنون"، لا سيما وأنّ القصة اخذت من اهتمامي الشيء الكثير، خصوصًا وأن عنوانها قد جذبني اكثر من غيره من بقية القصص الاخرى؛ فموضوع الجنون دائما ما يثير حفيظتي، ويسيل له لعُاب فكري.
في رواية "المجنون" حاول الروائي والشاعر والرسام جبران خليل جبران، حاول التمرّد على الثقافات السائدة في عصرنا هذا، و كذلك حاول على نقد الموروثات التي ورثها المجتمع، واضفاء طابع السخرية عليها، محاولًا بذلك إثارة انتباه النقاد واهتمام القارئ لهذه اللون من الكتابة، وللفت انظار الجميع لوجود مشكلة او مشاكل ثقافية وفكرية في هذا المجتمع تستدعي الحلول الحقيقية. وربما هو نفس الهدف الذي اراده القاص احمد السلمان بهذه اللون من الطرح في قصته هذه.
يقول جبران خليل جبران في "المجنون" على لسان بطل القصة: "هذه قصتي الى كل من يودّ أن يعرف كيف صرت مجنونا: في قديم الايام قبل ميلاد كثير من الآلهة نهضت من نوم عميق فوجدت جميع براقعي قد سُرقت،- البراقع السبعة التي حبكُتها وتقنعت بها في حيواتي السبعة على الارض.- فركضت سافر الوجه في الشوارع المزدحمة صارخا بالناس, "اللصوص! اللصوص! اللصوص الملاعين!" فضحك الرجال والنساء مني وهرب بعضهم الى بيوتهم خائفين مرعوبين". (المجنون: ص 5 ترجمة انطونيوس بشير)
وقصة أحمد السلمان هذه تجري احداثها بعد احتلال الامريكان للعراق، حيث عمّ الخراب والفوضى العارمة، حتى تحولت حدائق ابي نواس الى دمار وقد هجرها العشاق، اذ كانت تلك الحدائق لا تخلو من وجود المحبين والعاشقين، وهم يتجولون في هذه الاماكن يتحدثون ويتغازلون في اجواء شاعرية اعدت لهذا الغرض. اما اليوم فلا وجود لهم في هذا الخراب وهذه الفوضى، خصوصًا وأن تلك الحدائق قد دمُرت بالكامل، ولا يتواجد فيها سوى السكارى والمتسكعين، والمجانين ايضا. وهذا الامر هو الذي دعا القاص السلمان أن يستوحي فكرة قصته هذه.
ولعل افضل من عالج موضوعة الجنون والمجانين هو الفيلسوف ميشيل فوكو في كتابه "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي". وقد اشار الى هذا الكتاب وربما اقتبس منه الكثير ألا وهو الكاتب والباحث الكبير كلود كيتيل في كتابه "تاريخ الجنون".
يقول كلود كيتيل، وهو يتحدث عن الجنون: "يستهل ميشيل فوكو الجزء الثالث والأخير من أطروحته بالتفكير في المعنى العميق للحوار الفلسفي، الذي كتبه ديدرو في مُؤَلَّفه «ابن شقيق رامو»، ولا سيما في تأملات ابن الأخ حين قال: «أنت تعرف أني رجل جاهل ومجنون وسفيه وكسول.» يقول فوكو: «قد يحلو لنا للوهلة الأولى أن نصنف «ابن شقيق رامو» ضمن القرابة القديمة بين المجانين والبهاليل.» ولكن فوكو يرى فيه على العكس من ذلك «نموذجًا فكريًّا مختصرًا للتاريخ… يرسم الخط المنكسر الذي يسير من «سفينة المختلين عقليًّا» إلى الكلمات الأخيرة لنيتشه، وربما إلى صراخ أرتو.» وهكذا يظهر «ابن شقيق رامو» بوصفه الشخصية الأخيرة التي يجتمع فيها الجنون واللاعقل، قبل الفصل الباثولوجي بينهما في القرن التاسع عشر. وسيرتكز خطاب فوكو، في هذا الجزء الأخير، على «إعادة رسم حركة هذا التمييز من خلال ظواهره الأنثروبولوجية الأولى»: «إن هذا الميدان غير القابل للاقتسام الذي تُعَيِّنه سخرية «ابن شقيق رامو» كان من الضروري أن يأتي القرن التاسع عشر من خلال روحه الجدية؛ لكي يفك رموزه ويرسم بين ما كان غير قابل للفصل حدودًا مجردة للباثولوجي». (كلود كيتيل – تاريخ الجنون – ص 260، الطبعة الاولى 2015، منشورات مؤسسة هنداوي)
محسن المجنون وهو يتجول، سمع اصوات دبابات ومدراعات وجنود امريكان يتجولون في الشوارع، في وضع مربك وغير طبيعي. فعلم فيما بعد بأن بغداد قد غزاها اغراب بهدف اذلال ناسها الطيبون، وتحويلها الى مقبرة بدل الاشجار والانهار، والاجواء التي توحي بالمرح والسعادة.
محسن المجنون "قرر في الصباح شراء بندقية من لعب الاطفال وارتدى بدلة الاحتضار واستعد على ما يبدو الى معركة ربما تقوده الى التحرير. في المساء هرول صوب الدبابات ولكن صراخ الرصاص اسكت محسن المجنون. سقط على الرصيف بينما التف حوله بعض المارة وفي عينيه سؤال وتعجب". (القصة)
يمكن أن تنتهي القصة الى هذه الجملة، وتمنيت أن ينهيها الكاتب بذلك. لكنه اضاف بعد ذلك: "اخيرا سافر مع جنونه من بوابات الدم. اذن من سيبكي محسن المجنون؟ ومن يكتب لهذا المسافر؟. لا أحد.. الا انا اقول مع السلامة ايها المجنون".
وهذه الجملة الاخيرة ليس لها داع ابدا. ولو انها الى حد "المسافر" لكان افضل.
ومع ذلك ارى أن القصة تحتاج الى حبكة اكثر واستعارة مفردات اخرى، تليق بقصة، كقصة بطلة مجنون، لأن موضوع الجنون طويل وشيق، وفي نفس الوقت هو اقرب الى الفلسفة، اذا ما ندرجه ضمن الفلسفة نفسها. وكنت اتمنى أن تكون العبارة الاخيرة، اعني التي ختم بها الكاتب قصته القصيرة، أي أن تكون لها وقع اكثر في تلقي القارئ. أو، لو أنه قال: الا أنا إذ صرت ارثيه بهذه الكلمات.
وحتى لا نغمط الكاتب أحمد السلمان حقه، فالرجل قد ابدع في هذه القصة، من الناحية الفنية وفي اختياره الموضوع والعنوان معًا. وانما قلنا الذي قلنا فلسفة يحتاجها النقد ويستفيد منها الكاتب والقارئ معًا.
فائدة/ "لا يرقى إلى الجنون إلا الثرثارون والصموتون الذين أفرغوا أنفسهم من الأسرار كلها والذين أفرطوا في تخزينها". - إميل سيوران








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. في قضايا الفكر والرواية والدين مع الكاتب والروائي المصري ناص


.. الشاشة العملاقة تنهار قبيل انطلاق مهرجان الموسيقى في الولايا


.. ...الـمصرية آلاء الحساسين: الأدب والفن وسيلة للهروب... وا




.. المنشد اللى مكسر السوشيال ميديا ?? غناء وإنشاد وطرب الفنان م


.. هانى رمزى يكشف مفاجأة: حجاج عبد العظيم اخته توفت قبل عرض مسر