الحوار المتمدن - موبايل


(سردنبال) ... مسرحية الخراب البديل عن الحرب

فاضل خليل

2021 / 7 / 22
الادب والفن


[انزع عن أفكارك ظاهر الكلمات،
وابحث عن مغزاها، تصل إلى المعرفة.]
( ابن عربي )

حين انهينا أنا وخزعل الماجدي لقاءنا الأخير بنجاح كبير في مسرحية [سيدرا](1). انتعشت فينا رغبة اللقاء من جديد. وبمسرحية جديدة حملت عنوان [ سردنبال ](2) وكان الماجدي قد انتهى توا من كتابتها. وكان لما يزل بعد في (ليبيا) يزاول مهنة التدريس في إحدى جامعاتها. وقد هاتفني من هناك، والتقينا عام 2004، سنة العام الثاني من سبي العراق واجتياحه، ولكي نبدأ التحضيرات لتقديمها عبر اختيار أحدى الجهات التي طلبت انتاجها، كما الخيارات التي تعددت في اختيار الممثلين لتجسيد أدوارها. لكن الوضع الجحيمي المدمر في بغداد – كما اسلفت- لم يسعفنا كي ننجز هذا المشروع. لاسيما وقد تعرض كلانا لأسباب قهر قاسية دفعتنا للهجرة. [هو] الماجدي بداية لم أكن لأعلم بالجهة التي قصدها واستقر فيها، كانت (السويد) علمت بها فيما بعد. و[أنا] جربت أكثر من مكان ليستقر بي المطاف في [أربيل] حيث أقمت لأعمل فيها أستاذا في جامعة صلاح الدين – كلية الفنون الجميلة – ولا أدري هل سيخضع خياري لترحال آخر - . فعادت بي الفكرة بعيدا عن الماجدي لأن أقدم [ سردنبال ] هنا في اربيل وبمقترحات من أصدقاء لي. ولأني كنت أحتفظ بنسخة من النص الذي أعددته – سيناريو –في [ علبة الذاكرة – flash memory ] الذي لا يفارقني باعتباره الحاضنة الأمينة لوثائقي وبحوثي المنشورة منها، والتي انوي نشرها، وما ستستجد كتابته من الجديد. اذن وبعد ان استقر الرأي في تقديمها في مدينة (أربيل) حيث اقيم، تساءلت: لماذا لا يكون تقديمها باللغة الخاصة بها (اللغة الكردية)؟ لغة المكان الذي انوي العرض فيها؟ وقي ذلك اسباب اهمها:
• أن يحظى العرض بالجمهور الأوسع الذي يفهم لغة العرض.
* أن أجرب العمل على مسرحية بلغة أخرى – لاأحسنها- غير العربية.
والسؤال هنا من سيترجمها إلى اللغة الكردية؟ بالشكل الذي يحافظ فيه على بناءها الدرامي المتماسك؟ من ذا الذي سينقلها ب(عظامية اللغة الشعرية التي تميزها) والمضامين الإنسانية العالية التي تكتنفها؟ وأعترف هنا بأن السؤال رغم حيرته لم أتوقف عنده كثيرا، لقد حضر في ذهني الفنان الباحث ( أحمد سالار ) زميل دراستي في بغداد. فهو بالإضافة إلى كونه يحسن الترجمة عن العربية، التي يفهم قواعدها وأسرارها، وهو الذي سيسهل الوصول إلى نص بحجم النص العربي مضمونا ولغة. وقد لمست حجم سعادته وهو يعمل على ترجمة النص لحظة شروعه بالترجمة، وكان أحيانا يسألني عن المعنى العربي لمفردة غامضة ان وجدت، ومن فرط شغفه بالنص تفاصيلا وحكاية، ومعانيها، ولغة شعرية طافحة بالأحاسيس أكملها بوقت مثالي. ولا يفوتني ان اقول بان النص بعد ترجمته الى اللغة الكردية، طبع في كتيب من 58 صفحة كتبت له المقدمة التي تعرف باسرار النص الحاضر والقديم نوعا. ما تبقى اذن هو أن ندخل في غياهب النص وما يقوله للعراق في محنته واستلابه.
سـرد نـبــال Sardanapalus
* وحسب القدماء هو آخر ملوك الدولة الآشورية. استولى على ملكه [ الماديون ] بقيادة [ سياكريس 625 – 593 Siacryus ]. في العام 612 أحرق نفسه مع أهله ومتاعه. عده البعض [ آشور بانيبال ]، وهذا مستبعد. (2) وسمعت عن الماجدي بأنه [ أشور بانيبال الثاني ]. فإذا استبعد القديس اوغسطينوس الاحتمال الأول، قد يكون الاحتمال الثاني قائما.
لقد أفاد الكاتب خزعل الماجدي، الباحث المواظب على الدخول في قلب العراق القديم وحضارته ليستلهم [ سردنبال ] كما استلهم منها فيما مضى [ سيدرا ] . ليدخل في معالجة فصولها بشكل يتفق والحكاية الآشورية، وبمقاربات ذكية لما يعيشه الناس في الواقع الحالي. فصاغها بعناية فائقة، أضفى عليها الشعر فاقترب بها من الصياغات الدرامية الهامة لشكسبير مثلا. و[ سردنبال ] الذي تجبره الظروف، والمحيطين به على أن يتولى السلطة خلفا لأخيه [ الملك ايلاني ] . الذي حكم بلاد آشور في غمرة من الحروب التي كانت مصدر قلق وكراهية من قبل [سردنبال]، الذي لم يكن ميالا إلى التوسعات العسكرية وقانع بما كانت عليه آشور من مساحة. كما لم يكن ميالا إلى تولي السلطة والانغمار في حروبها كأخيه [ايلاني]. لكنه وبعد أن اجبر عليها وأصبح [ ملكا على بلاد آشور ]، رفع الشعار الذي ساقه إلى المأساة (لا للحرب) و(لا لاتساع البلاد في الأراضي الشاسعة) و(انك تكبر كلما كان شعبك أكثر سعادة) و(أن تكون سعيدا بالقليل، ولا للكثير الذي تكون فيه عرضة للعداوات). تبدو الحكاية أكثر وضوحا من حوار سردنبال مع أخيه الملك ايلاني
سردنبال : اقتل خيول دمك، وجز نزعة الحرب فيك
ايلانـي : أفصح يا سردنبال ؟
سردنبال : كم مرة طلبت منك إن تلجم نزعة الحرب فيك ؟
ايلانـي : أتترك المتمردين على آشور ؟
سردنبال : لا ... لا فائدة من حمل ارث الحرب... فالسلم أجدى ... لو كنت قد حقنت الدم بكسر محجنك في الفلاة ..
هنا في ما تقدم نجد الاختلاف في النزعتين نزعة [ايلاني] في (حب الحرب)، وفي نزعة [ سردنبال] في (كره الحروب) التي يتوجها [ سردنبال] بخلاصة هامة في نزوعه للسلم يقول:
سردنبال : (يودع أخاه بنظرات حزينة) ... أية حرب هذه ؟؟
كل شئ سيفنى ، حتى الرؤوس ..
لقد تناسل الدود، وتسلقت الأفاعي العروش..
وظهرت أشباح مدججة تهلل بالويل والثبور ..
من سيمسك هذه الدنيا ؟ وقد اجتمعت علينا من كل مكان ..
تبدو الحكاية بعيدة عن الواقع، إلا إنها اقرب ما تكون إليه. ففيها من التوكيد على أن الواقع حقيقة، لا، ولن، تتغير رغم تعاقب الأزمان والناس والسلطات. فهي واحدة منذ العصر السومري ، بل وما قبله وحتى الآن. من حيث: التشتت، والخيانة، والقتل، والتآمر، والضياع. كل ذلك واضح عبر الأسلوب الملحمي الذي اتسمت به الحكاية، في استثمار الأسطورة الافتراضي – الواقع المعاش – وبرمزية عالية اتكأت على الأسطورة .
ان البنية الدلالية التي تكمن في النص عبر الأسلوب الفانتازي ، والمنحى الارثي التاريخي في استثمار كل مكونات المسرحية الكلاسيكية ، بدأ من الحكاية وحتى استثمار اللغة الشعرية العالية – التي نظر ليها أرسطو ، وعظامية الشخوص المتمثلة بـ [ سردنبال ] وأسرته الملكية رغم انفلاتها وطموحاتها باتجاه العز والجاه المطعون بحب الحروب . تماما مثل: الدودة التي تنتعش بدماء الموتى. هذه لمسرحية التي نهلت من الأسطورة وتاريخ العراق القديم، إنما هي حكاية تتناغم مع ما يدور في حاضر العراق الآن، عبر المؤامرات، والناس الطامعين. إننا نلاحظ الطمع واضحا في الحاكم والمستعمر معا، وإذا ما ظهرت بادرة أمل كان نصيبها الموت. أو الطعن ، حتى بالرجولة كما في شخص [ سردنبال ] المطعون حتى برجولته لأنه كره الحروب .
أن التنوع في الشخوص التي تم اختيارها في المسرحية لها دلالاتها الواضحة التي ترمز لها كل شخصية من الشخصيات، والتي تدل على عينة كل شخصية فجميعها تقريبا من – علية القوم – البعيدة كل البعد عن الخيانة. وبدأ من شخصية البطل الرئيسي [ سردنبال ] الذي لم يتم اختياره – كما جرت العادة في المسرحية الأرسطية – فهو ليس من الإله أو أنصافها ، بل تم اختياره من بني البشر ، وحكمة ذلك لكي يتحمل وزر وأعباء النوع الإنساني في اتخاذ القرار الحاسم في الحياة ، وعلى الأرض و – بأفكار إلهية جبارة –
سردنبال : ملك يموت .. وملك يتوج ..
ثم من قال لك، أني أريد أن أكون ملكا ؟
أنا الذي كنت انثر سيئاتي ، وجنوني على طول الطريق وعرضه ؟
في هذا الحوار معان كبيرة وسامية ، تدلل على آدمية سردنبال ، الإنسان الذي عاش حياته كبشر بكل التفاصيل . فهو الذي مر بطرق الحياة وستفاد من تجاربها، ومارس فيها كل أنواع النزوات، ناثرا في الأرض سوءات كإنسان وجنونه. ويزيد عليها حين يكمل:
سردنبال : وهل هناك أسوء من هذا ؟
ابن اليد الحنان ؟ وأين ورد الجنان ؟
(ينظر إلى كفيه) كفك هذه وان غسلتها بكل دجلة، لن تتطهر.
(ينظر إلى قدميه) واقدامك هذه زلت الطريق وضيعتك.
أراد بهذه الآراء أن يوصل إلينا بأن الذي يريدون اختياره ملكا، عليه أن يكون أولا بلا خطيئة، خال من السوءات، وساميا على الناس – مثله – من مرتكبي الآثام والخطايا. على أن نعرف انه وبالرغم من آراءه تلك ، أنموذج للخير والفضيلة ، ولو نسبيا بالقياس إلى بني البشر، محب للحياة، كاره للحرب، غير مسكون بالشر أو بالفساد، طموحه أن يدفع عن شعبه الشرور ، وبالذات شرور الحرب التي هي من اكبر المثالب البشرية. ومع ذلك ، بل وربما لذلك السبب ، صار من أهم الضحايا في هذه المعالجة المسرحية التي اختارها المؤلف لمتنه الحكائي والفلسفي. بل وكان الأنموذج المثالي لبقية النماذج والشخصيات التي تعج بها لمسرحية أمثال : الكاهن، الملكة الأم، الملكة الزوجة، قائد الجيش، أوبالط، ... والآخرين. فمنهم من سعى لأن يجعل من [ سردنبال ] أحد ضحاياه الكبيرة لا لسبب هام بل لمجرد أن [سردنبال] كان كارها للحروب ، وهو السبب الكفيل بدحره – وفق تصوراتهم – فالحرب من وجهة نظرهم ، من شأنها أن تنفخ البلاد وتجعلها أوسع كدليل لهيبتها وتطورها في تصورهم. وفي الحقيقة ما هي إلا سعيا لإشباع نزواتهم ورغباتهم في حب التملك الكبير الذي يشغلهم.
وفي المحصلة، فأن المسرحية تنقلنا من عالم التوغل في التاريخ إلى عالم معاصر من خلال المقاربة بين أحداثه ، ومن خلال الحداثة التحليلية في طرح الأنموذج المتمثلة بأشكال التآمر، والطمع، وتنوع الدسائس التي يسعى إليها الآخرون . كما يتضح من المشهد الرابع / المؤامرة التي تجمع بين كل من: [ نائب الملك، قائد الجيش، الملكة الأم، الملكة الزوجة، الكاهن ]. ذلك المشهد الذي يلخص حوار [ الكاهن ] بعد أن تنتهي جلسة التآمر، التي يقدم من خلالها كل من المتآمرين بديله لمن سيتولى الحكم ويكون [ الملك ] بعد قتلهم للملك الحالي [ سردنبال ] :
الكاهن: لن تقينا أجنحة الملائكة بعد الآن
كلهم يطمعون بالعرش .. وكلنا يطمع بالمال
يا الهي كيف تدور الدنيا بنا هكذا ؟
سينقض الجميع على سردنبال المسكين
ليفوزوا بالملك
لن تصيب يدي رائحة الموت
كل ما في الأمر أن هذا المجنون سردنبال
سيتهاوى عن عرشه ..
(يفكر قليلا) أنا لا أحبه ..لأنه لا يحبني..
إذن اجتمعت النوايا بين حب المال والكره الذي اتصف بهما الكاهن، وحب المال والملك الذي اتصف به الآخرون مجتمعين. وما تلك، إلا تبريرات وحجج من أجل الوقوع بـ [ سردنبال ] من اجل إبعاده عن الملك بقتله ليس لسبب إلا لكرهه للحروب التي سوف يخسرون بسببها الكثير باعتبارهم – تجارا لتلك الحروب – ليس إلا. وبالمقابل فان سعي سردنبال لأن يضحي بنفسه والمتآمرين – بغض النظر عن كونهم أمه، وزوجه، والكاهن، ونائبه، وقائد الجيش. بل وكل مايملك – حسب أطروحة [ القديس أوغسطينوس ] في أثره [ مدينة الله ] - . أو أن يضحي بهم فقط حسب المسرحية، أطروحة كاتبها [ خزعل ألماجدي ] ـ الذي اتفق معه كثيرا ـ . من أشكال التنوع في التخلص من بعضهم [ الآخرون و سردنبال ] هو نوع من نزعة الشر التي تغلف الإنسان انطلاقا من تنوع الوسائل التي تحاصر بصيص الحكمة والفضيلة بطغيانها الأعمى، يوم ألقت بالجميع في أتون جحيمها، حين شعروا بالخسارة عندما توقفت الحروب وهم تجارها الرابحون من قيامها دوما. إن هول القرار السردنيبالي (لا للحرب) إنما قتل فيهم ـ المتآمرين ـ الطموح ، وجعلهم يشعرون بالانكسار والخسارة والتشويه النفسي. إذا ما اتفقنا على إن منبع الصراع الذي عاشه المتآمرون نابع من تشويهات الحالة الإنسانية في كل زمان ومكان. والنتيجة التي آل إليهم أمرها والتي تعتبر [ علة ] في جسم الموضوع الدرامي، والتي نطلق عليها بـ [ العيب التراجيدي ]، وفق المفهوم الشكسبيري.
إن في النص إشارات غير عادية تحمل في أعماقها الموغلة في القدم محمولات العصر غير العادية من الخيانة، والغدر، والوحشية. ساقها المؤلف خزعل ألماجدي بحوار غاية في الشفافية، رغم إيغالها بالعنف والتوتر المنتهي إلى وحشية قل مثيلها ، تذكرنا بالمسرحية الخالدة [ تيتيوس اندرنيكوس ] للشاعر الانجليزي [ وليم شكسبير ] . وهي الأكثر دموية وعنفا ووحشية وفواجع، تسيل فيها الدماء بين مسرحياته. كانت وكأنها البديل عن الحرب الملغاة من قاموس بطلها [ سردنبال ]، الذي يختم المسرحية وهو في أتون جحيمها بالقول:
سردنبال: (وهو يحمل مشاعله ليبدأ بالحرق)
وداعا نينوى .. وداعا آشور ..
كان يمكن إن لا يحدث هذا..
ولكن القدر شق علينا الظلمات ..
وهجم كالصاعقة ..
فقابلنا بصدور كمحبين للحياة ..
وكارهين للموت، والدم، والقتل..
فليتحد الماء بالنار ..
وليصعد إلى النهايات ..
نحن ضحايا الأشباح التي تقفز من التاريخ إلى الحاضر ..
وداعا نينوى ..
إلا تبا لك أيتها الحروب..
وتبا لك أيها الإنسان الذي فعلت بنفسك ما فعلت..
وفي الختام، كان الموت هو النهاية . حين جاءت بديلا لأقسى الحروب، في بلاد جبلت على الحرب التي لا تعرف النهايات بسبب حكامها.
* * * * * *

الهوامش:
1. سيدرا: هو [ ديموزي سيدرا ] والتي تعني في اللغة السومرية [ ذو الحياة السرمدية]، وهو [ نوح ] حسب الأساطير السومرية. والمسرحية كتبها: خزعل الماجدي، وأخرجها: فاضل خليل، وحازت على [التانيت الذهبي] – جائزة لجنة التحكيم – في مهرجان قرطاج لعام 2001.
2. سردنبال: ملك آشوري من سلالة الملك آشور بانيبال الاول.
3. هذا التعريف لـ (القديس أوغسطينوس) في أثره [ مدينة الله ]، وهو هامش في حواشي الأثر، تم استلاله عن طريق البحث في الانترنت.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. في قضايا الفكر والرواية والدين مع الكاتب والروائي المصري ناص


.. الشاشة العملاقة تنهار قبيل انطلاق مهرجان الموسيقى في الولايا


.. ...الـمصرية آلاء الحساسين: الأدب والفن وسيلة للهروب... وا




.. المنشد اللى مكسر السوشيال ميديا ?? غناء وإنشاد وطرب الفنان م


.. هانى رمزى يكشف مفاجأة: حجاج عبد العظيم اخته توفت قبل عرض مسر