الحوار المتمدن - موبايل


الصوت (البوليفوني) في القصيدة التجديدية.. قراءة لنص الشاعر أحمد حميد الخزعلي

سعد الساعدي

2021 / 7 / 22
الادب والفن


كاستهلال أولي بعيداً عن معنى العنوان وما يعنيه، وما قاله مؤسسو المدارس النقدية والمنظرون في هذا المجال، والتعريفات الخاصة به، نحاول الوقوف عند نص جديد خالٍ من عنونة تسمِّيه للشاعر أحمد حميد الخزعلي، وهذا ما نجده في الكثير من النصوص لشعراء القصائد التجديدية؛ منهم من يسميها النثرية، ومنهم من يعبِّر عنها بالسردية، لكننا نميل الى تسميتها بالقصائد التجديدية سواء الواقفة أو الأفقية، لما تحمله من شعر ونثر وحبكة فنية كأنها في عرض قصة قصيرة، بتكثيف موجز ودلالات ظاهرة ومضمرة أثبتنا في بحوث سابقة الكيفية التي يمكن بها تحوير النص بإضافة كلمات قليلة لبناء قصة.
بينما نجد في القصيدة التجديدية مساحة واسعة جداً لعنونة النص كأسلوب متفرد جديد مقصود كما لو أنه (ملخص البحث) لدراسة معينة، أو دلالة لمعنى يبتغيه الشاعر كصورة ابداعية.
في واحد من نصوص الخزعلي التجديدية يمكن استنباط الكثير من المفاهيم التحليلية للدلالة على ماهيّة النص، وأهداف كاتبه، والرسالة التي يبتغيها ولو بشكل موجز، ما يستدعي قراءة النص أولاً قبل التحليل النقدي:
"نحنُ الكرخيّونَ أبناء الماء
أسماؤنا مُبللة دائماً
لا نحتاج للزّمزميات كلما ذهبنا للمدرسة
نرددُ (هوساتنا) القديمة نشيداً وطنيّاً:
"وشلون نحارب العدوان لو ماتوا الكرخيّة"
لهذا...
ينامُ الصالحونَ خلفَ بيوتنا آمنين
يقرأ "يوشع" ترنيماته كلما اهتزّت السماءُ فوق رؤوسِ المدن المتعبة
نستمعُ لصوفيّاتِ الحلّاج أحياناً
ونضحكُ...
عند جدّاتنا اللّواتي يقصصنَ علينا طرائف "البهلول"
وكثيراً جداً
ما نسدُّ عطشَ الأرضِ
ونُدفَنُ دونُ غُسلٍ
نكتفي بالتشييعِ من على حافةِ النهرِ
نلوّح "للخضر" من بعيدٍ
ولا نحفر أكثر من قامة واحدة".
.....
احمد حميد الخزعلي
......
الكَرخ :- بفتح الكاف وسكون الراء، وهو اسم آرامي بمعنى القلعة أو المدينة المحصنة، وهي الضفة الغربية من نهر دجلة، وقيل أن نهر (كرخايا) كان يخترق بغداد طولاً، فسُميت الكرخ كرخاً، وفيها مقبرة قديمة تسمى مقبرة الشيخ معروف الكرخي وهو مدفون فيها أيضاً، وتضم العديد من رفاة الصالحين: (النبي يوشع، الحلّاج، الجنيد البغدادي، البهلول، والكثيرون). حسب الشرح الذي وضعه الشاعر تحت النص.
الملاحظة الأولى التي نسجلها عن عدم عنونة النص هي أقرب للتصور منها للحقيقة، إلّا إذا أخبرنا الشاعر بها لاحقاً؛ هي الإرادة المقصودة منه أن يكون النص بعمومه هو الاسم العام له؛ أي معنى النص بكامله وصوره ودواخله، هو الذي يفسر غياب العنوان، هذا من جانب، ومن جانب آخر قد يكون ما تتطلبه المرحلة التجديدية من ترك النصوص خالية من عنونة تميزها، كي يفسر المتلقي ما يشاء بالكيفية التي يشاء، وهذا المبرر قاله بعض الشعراء عن نصوصهم، وفي كلا الحالتين يمكن تسمية ذلك بدلالة الصلة أو الاشتغال التكويني حسب ما تراه نظرية التحليل والارتقاء النقدية. ولغرض الاسترسال أكثر سنسمي النص افتراضاً بـ: (نحن الكرخيون) لتقريب وضوح الدلالة لا غير.
يكشف النص سيكولوجية الشاعر وارهاصاته ودواخل روحه الحالمة، أو المتألمة، أو العاشقة؛ التي نرى بعض من قصائده تميل إليها، وتسير على نهجها، حتى وإن كانت وصفاً لحب مغادرٍ أو يحتضر؛ في هذا النص استحضر الشاعر التراث من خلال التاريخ بشخصيات عملاقة: يوشع النبي، الحلّاج، الجنيد البغدادي، البهلول، وجميعهم تغلب عليهم النزعة العرفانية في انتمائهم الذاتي مع الملكوت الأعلى، ولكل منهم قصته الحياتية الخاصة التي فيها من العبر الكثير لسنا بصددها الآن بقدر الوقوف عند ما جاء بـ (نحن الكرخيون) وصوره البوليفونية المتعددة.
برغم استشفاف اشارة صريحة من الشاعر في هذا النص بعدم استهدافه الجذب أو الاثارة من العناوين الرنانة، لكننا، وكذلك المتلقي المتابع، نجد عناويناً داخلية مخفية هازّة بقوتها، مثيرة بكلماتها، جاذبة بصورها ضمن المتن اللاحق؛ فيها من الإدهاش ما تحتاج لتأويلٍ ما في الكشف التالي عن المضامين المسطورة بدفق الكتلة البنيوية، سواء الرمزية، أو الإنزياحية، أو الواقعية الصريحة.
مقطع من النص فيه صورة الماء تتكرر أربع مرات بشكل علني ومضمر:
(نسدُّ عطشَ الأرضِ
ونُدفَنُ دونُ غُسلٍ
نكتفي بالتشييعِ من على حافةِ النهرِ
نلوّح "للخضر" من بعيدٍ)..
نسد عطش الأرض.. (العطشان يرويه الماء). نُدفن دون غسل (الحاجة للماء).. حافة النهر (صراحة واضحة عن الماء).. نلوح للخضر (الدليل على طلب الحاجات عبر قصص التراث من الوقوف عند ماء النهر). مع صورة التلويح تلك تنبثق صورة أخرى قصدها الخزعلي يقيناً وهي الابتلاء اليومي للناس بكل صنوف البلاء والابتلاء، ما يجعل النسوة أكثر تحديداً من يذهبن عند حافة النهر واشعال شموع النذور لقضاء الحوائج. هذه الصورة المتداخلة ضمناً بين كلمات النص هي التعبير عن النفسية والروح المنهكة؛ وصلنا بهذا اللون التصويري (البوليفوني) تحمل صوته تلك النسوة المغلوبات على أمورهم بكل شيء ربما.
والبوليفونية لمن لا يعرفها تحديداً؛ هي تعدد الأصوات الموسيقية الخارجة من مجموعة آلات عزف الفرق الموسيقية؛ هنا تتضح معانيها أكثر، ولكن مع السرد الروائي تتشكل بطبيعة توحي للقارئ أنها انبثاق لوني عن سير المحكي القصصي؛ أما في القصائد التجديدية خالية النغم الموسيقي والقافية فهي مضمرة بشكل بعيد الأغوار، لا يستنشق عطرها إلّا المتفاعل مع النص، سواء هناك من يقتنع بهذا الرأي أو لا فهذه مشكلته وليست مشكلتنا ونحن نخوض في كمٍ هائل من نصوص فرضت نفسها على الساحة الأدبية.
ولكي يعطي الشاعر الانطباع الواقعي الحقيقي عنه كإنسان منتمٍ لهذه الأرض بصدق، وليس من العابرين عليها لغايات ومصالح شخصية؛ حدَّد منذ أول اشتغاله معالم بنائه الشعري، أو ما نسميه "التوظيف الاشتغالي" حين قال: (ينامُ الصالحونَ خلفَ بيوتنا آمنين).. فلا مكان للسراق والفاسدين في تلك البيوت الناصعة، ولا حتى خلف جدرانها. الرمز واضح جداً، لأن هذه الأرض خُلقت للصالحين، والـ (ماء) هو البؤرة الأصيلة التي يتمحور عليها النص الذي يعني برمزيته الحياة، كما تعني الشمس الحرية حين الاشارة اليها في الكتابات، أو الألوان.
أراد الشاعر أيضاً إشعار المتلقي بمتعة تليق به كمتلقٍ مُحاوَرٍ وجهاً لوجه، مع نص يمتاز بوصفٍ كثير التفرعات، وجمالٍ لغوي، ومعنى قابل للتأويل أو التأمل، والتفسير وفق الحاجة النفسية والشعورية، والخلفية الثقافية للطرفين، بما يسعى إليه الشاعر كمرسل لفظي لبيانٍ مكتوبٍ على الورق، يخترق الكيانات الروحية بالصور الجميلة، وهذه كلها أسس وخلفيات اعتمدتها القصيدة التجديدية، واثبات المقدرة العالية لها أن تجد المكان الحقيقي في الساحة الأدبية، رغم أن البعض يصفها أنها تدور ضمن اطار الكتابة الخطراتية لا أكثر، وهذا وهمٌ محض لمن يقرأ نصاً كـ (نحن الكرخيون).
إنَّ قصيدة (بوليفونية) متعددة الأصوات والصور الجمالية مثل هذه، تمنح التميّز لشعراء تجديدين كثيرين من الذين تبنوا بشكل ملحوظٍ واضح الدرجة والدقة هذا النمط الكتابي الجديد، ثم تبعهم آخرون أجادوا الصنعة والفن، ودخلوا بسهولة الى قلوب المتلقين، وهذا هو ابداع الارسال والتلقي في الرسائل الاتصالية التي يعبِّر بها النص عن مكنوناته، لتصل الرسالة الاعلامية بسهولة ويسر بلا تشويش الى المتلقي، بينما لو تشظت الكتابة بكلمات مبهمة غير مفهومة الملامح والمقاصد سيؤدي ذلك بالرسالة الى الفشل الذريع، وما تبريرات مُنشِؤها إلّا دافع بلا أدلة قد يؤدي للنفور لاحقاً، وهذا ضياع لجهد انساني لم يعرف صاحبه كيف يتسلل خلاله بهدوء الى الآخرين.
في هذه القراءة الموجزة لنص الشاعر الخزعلي تناولت أشياء ذات قيمة فنية وجمالية من خلال تحليل جزئي وليس بشمولية واسعة، لترك المجال لمن يرى صوراً أخرى يحملها النص ويكتب عنها، فمثل هكذا نصوص تستحق الوقوف عندها والتأمل كثيراً؛ وبلا حرج ولا مجاملة أقول: لقد ملَّ المتلقي من الغزليات بحق، ولم تعد تنفع غزليات الشباب والشيوخ اليوم في ظل ما يعانيه الانسان في كل مكان.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. في قضايا الفكر والرواية والدين مع الكاتب والروائي المصري ناص


.. الشاشة العملاقة تنهار قبيل انطلاق مهرجان الموسيقى في الولايا


.. ...الـمصرية آلاء الحساسين: الأدب والفن وسيلة للهروب... وا




.. المنشد اللى مكسر السوشيال ميديا ?? غناء وإنشاد وطرب الفنان م


.. هانى رمزى يكشف مفاجأة: حجاج عبد العظيم اخته توفت قبل عرض مسر