الحوار المتمدن - موبايل


في المسرح .. ورحم الله حقي الشبلي

فاضل خليل

2021 / 7 / 30
الادب والفن


قد اكذب ان قلت لا ادري لماذا كان حاضرا في ذهني رائد المسرح العراقي وعميده (حقي الشبلي) وانا اشاهد عرضا في المسرح لمجموعة رائدة كانت فيما مضى في الزمن القريب ، من طليعة الممثلين ، بل اجزم بأني كنت ادري بأسباب حضوره . وحين ناقشت الامر – مع نفسي – فيما بعد ، عندما غادرت العرض وغير مرتاح من بعض ما تعرضت له مشاهدتي من انكسارات وخيبة امل بسبب العرض عموما ومجموعة الممثلين على وجه الخصوص ، ومن امور اعرفها جدا وبعلمية ، محددة واخرى غير محددة . منها انني فكرت بالابتعاد تماما عن التمثيل بالمسرح ، الا بما يستحق وارغب من ادوار . تتفق وطاقاتي في عمري الجديد . وقد فعلت مع كثيرين غيري ومنذ توقفت فرقتي (المسرح الفني الحديث) عن تقديم المسرحيات الشعبية عالية المستوى . . التي كانت تستهويني اكثر من بقية انواع العروض ، لاسباب طيبة خاصة بي – منها ان هذه العروض وتلك المساعي للفرقة ، كان لها الاثر الاكيد في تكوين خصوصية عراقية للمسرح وجمهور مسرحي راق كان يتابعها بجدية ومن دون ملل ، ولا ابالغ ان قلت ربما كان هذا الجمهور خاصا بالفرقة ، التي لم تمتهن المسرح لاسباب الارتزاق او العيش ليتدنى الحال ، بل على العكس ، فالكل من اعضائها عملا اخر – وظيفيا او حرا – غير الفن يساعده على العيش كي يبقى الفن في اجندتهم هواية ، اعود الى (حقي الشبلي) هذا الرائد الرائع ، عميد المسرح – اللقب الذي لازمه طيلة حياته . فأنا ومنذ دخلت المسرح في العام 1966م ، حيث بدايتي طالبا في اكاديمية الفنون الجميلة ، وانا لم ارى قط ، الشبلي ، لا ممثلا ولا مخرجا ولا حتى كاتبا او في صنف من صنوف العمل الفني في المسرح ، اللهم الا متفرجا ، او نقيبا للفنانين ، او قبلها في وزارة التربية ، او وزارة الثقافة مسؤولا عن النشاط الفني .
واتذكر جيدا معاناة المخرج (فيصل الياسري) وهو يبذل الجهد مع الشبلي كي يقنعه على تمثيل احد الادوار الهامة برغم بساطتها والتي تليق بالشبلي عمرا وطاقة في فيلم (النهر ) الذي اخرجه الياسري في العام 1977م . ومرت الاعوام وانا احمل رغبة سؤال الشبلي عن اثر تجربة التمثيل بعد انقطاع عليه وعلى مسيرته . وبحكم المعرفة الوةثيقة التي تجمعني به فنيا وعائليا . واستغلالي للمحبة التي كان يكنها لي ، صغت سؤالي ولكي لا احرجه ، ممزوجا بنوع من الاعجاب على ادائه في فيلم (النهر) بعد طول قطيعة بينه وبين التمثيل بأنواعه فكان السؤال :
- لماذا لا تعاود التمثيل بين الفينة والفينة يا استاذنا الكبير ؟
نظر الي – وهو شاعر تماما بمجاملتي له في تقييمي لادائه في الفيلم . وقال بحسرة :
- هي غلطة .. (لقد قالها بحسرة احزنتني ، وتمنيت يومها لو لم اسأله) .. (وواصل الحديث) ان ادركت القدرة على العطاء لها حدود ولها وقت وقدرة وطاقة ، تقل تدريجيا لا تؤهل الفنان لان يكون في نفس عطائه المعهود ، لذلك ستكون نتائجها في غير صالح صاحبه . وفعلا كان تقديري – حين توقفت عن التمثيل صحيحا . وليتني لم استجب لتبريرات الياسري ، فأعود الى التمثيل وانا بهذه الحال . (حسرة اطول .. ليستمر بعدها ) حين انقطعت بارادتي ، وانت تعرف بانني انقطعت منذ ما يقارب الثلاثين عاما ، لكني ما ندمت يوما على هذا الانقطاع – كنت اتمنى ان امثل لو كنت بكامل طاقتي الاولى لكن لم اندم على شيء في عمري بقدر ندمي على العودة الى التمثيل وانا فاقد الاهلية . وادركت اكثر بأنني لو بقيت الصورة التي يحملها الناس عني ... لكان ذلك افضل بألف مرة .
على ان نعرف ان الشبلي لم يكن مرفها في حياته التي عاشها اواخر ايامه . لقد عاشها وحيدا في نهايات ايامه ، في شقة فقيرة تفتقر لابسط اسباب العيش الذي يليق به ، ولانه كان عصاميا كان يقوم هو بتحضير متطلبات معيشته ، وكل الذي كان يملكه راتيا تقاعديا بالكاد يسد الرمق ، بعدها استذكرت (حقي الشبلي) ، ايقنت تماما وانا اشاهد العرض المسرحي ، بان الفنان المسرحي ، بان للفنان عمرا محدودا يحتم عليه الالتزام بزمنه ان طال وان قصر وحسب الظرف المتاح الممكن ، بعدها عليه ان يتوقف ليمارس مهنة اخرى قريبة تليق بتاريخه – تماما مثل ما فعل حقي الشبلي – الذي توقف ولم يرضى حتى بالادوار التي تتماشى وعمره وتليق به وبتاريخه التي نالها عن استحقاق . واقول هذا لان هناك كثيرين ممن نالوا سمعة في المسرح من دون استحقاق ، فكثير من الاسماء قامت وتكونت ضمن قانون احكام الصدفة ، سببها فيما مضى من الزمان خلو الساحة من المنافسين . ان الفنان كما نعرف وكما نصت عليه القوانين والاعراف يبدأ من نقطة شروع نقطة شروع معينة ، يكون فيها متسلحا بكامل مقومات الفنان المقتدر على اداء مهامه وفنه في العمل الذي دخله على دراية ، وامكانات تؤهله لان يكون بكامل ادائه وابداعه . ليصبح بعدها ملهما لغيره من المبدعين وقدوة مثلما كان الشبلي الذي ظل المثل الاعلى للكثيرين ممن حذو حذوه . فهو ضرب من المستحيل ان يحافظ المبدع على مقوماته الابداعية طوال عمره وبذات القيم التي اهلته ان يكون يوما ما قبلة لعشاقه ومريديه . وليس مثلبة او عيبا انه سيصل الى اليوم الذي سيكون فيه لا يصلح لاداء مهامه كما كانت عليه قدراته في السابق . كما لاعب كرة القدم الذي يعتزل وهو بعمر الورود ، وهو ايضا بدا من مرحلة يطلقون عليها في الرياضة (البراعم) ، ليتدرج بعدها : شبلا ، فناشئا ، فشابا ، فلاعبا محترفا في الاندية والمنتخبات . لينتهي به الامر الى الاعتزال في عمر (30 – 35) سنة . اي انه يترك اللعب وهو في كامل قوته البدنية ، لكنها قوة لا يمكنها ان تجاري القوة البديئة للاعبين الجدد ، فيتوجه الى العمل الى طاقم التدريب ، حافظا لسمعته التي كان يتمتع بها لاعبا يوما ما ، غير فاقد الاهلية ، ممتلكا لذات السمعة التي كان يتمتع بها وبنفس التقدير عند جمهوره الذي آزره واحبه لاعبا . وهكذا الممثل في المسرح يمر بنفس المراحل ، الى ان تخف قدراته وموازينه في عمر ما ، هي ليست واحدة عند الجميع . لكنها تكمن في ظروف وقابلية كل ممثل على انفراد ، محكومة احيانا بالعمر واحايين كثيرة بالوهن والمرض ، وضعف القدرات .
علي ان ابين بأنني لا اشجع على الاعتزال ، بقدر ما اوصي بالتحول الى اعمال فنية اخرى اكثر ملائمة للفنان في واقعه الحتمي الجديد ، تتفق مع واقعه فسلجيا ، ذهنيا ، وادوات عمل . يحكمها الاستعداد الجديد الذي يقل بالتأكيد بفعل تقادم الزمن واستهلاك المخيلة وضعف الخلايا بمختلف مواقعها من الجسم ، وبمقدار استثمار الباقي منها بما يتفق والحالات الجديدة من غير التمثيل وهذا لا يمنع من اداء الادوار التي تتفق وهذا الحاضر . شرط ان لا يعرض تاريخه الى السخرية ومهما كانت الاسباب . ورحم الله حقي الشبلي .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قريبًا.. يمكنك استئجار منزل فيلم -Home Alone- مقابل 25 دولار


.. الكويت تفتتح مهرجانها المسرحي في دورته الجديدة بعد انقطاع لق


.. فنان أميركي يثير دهشة رواد مواقع التواصل بموهبته الغريبة في




.. -أثر الفراشة- تهدي ألوانها لأحياء بغداد المهملة.. وجدرانها ت


.. بطربوش وجلابية .. الديب شو بيقلد الفنانين ويعمل أحلى كبدة وح