الحوار المتمدن - موبايل


كتاب (منهج الاخراج)

فاضل خليل

2021 / 8 / 10
الادب والفن


" إن من الضروري أن نحصل على ممثلين جيدين،
بدلا من الحصول على عرض مسرحي جيد" (جوته).

فن المخرج : فن الفعل ... فن المتفرج

إن فن المخرج يعني فن الفعل، و بمعنى أكثر دقة: هو الفن الذي يوصل المعنى، والثقافة، وكل المواقف إلى الناس بمسؤولية. وذلك من خلال التجسيد الدقيق لذلك النشاط (الفعل)، فلا وجود للفعل على خشبة المسرح إلا من خلال ( النشاط و الحيوية )، التي يتولى مسئوليتها (الممثل ) المتحرك الفاعل والذي يحرك المستلزمات لكل أجزاء العمل الفني على الخشبة بالتضامن مع فريق العمل أو المجموعة المسرحية. والسؤال هنا اذن هو:
- ممَ يتكون المخرج، ما هي إمكاناتهِ ومواصفاته، وأي السبل سيسلك من اجل إيصال الحقائق التي يخاطب بها هذا الكم المتناقض، المتفق، المختلف، من الجمهور في القاعة؟؟
اذن فالمهمة الاساسية هي مع القاعة، وعليه فلا جدال ، من أن ( فن المتفرج ) ليس فناً بالمعنى المتعارف عليه كما ليس شهلا. بمقدار ما هو حافز ومنبه للمسرح، يوازي في أهميته ( فن المسرح ) بكامل امكاناته. اذن هو النزاع العقلي العاطفي الذي يثير المشكلات ويستثار بها. وعليه فمهما اكتمل عمل المخرج من حيث امتلاك الحرفة والفن، إنما يظل ناقصاً بمعزل عن التفكير بالقاعة [ المتفرج ]. والمخرج الذي نسعى إليه هو من يضع نصب عينيه كل ( المستلزمات ) التي تحقق الإنجاز الفني الإبداعي (المسرحية) مشروطة بواحدة من أهم تلك المستلزمات (الجمهور). فالمخرج هو عين المتفرج طيلة عملهِ على المسرحية قبل العرض وبعده. تلك العين الواسعة المتنوعة التي تمثل كما هائلاً من مختلف أصناف الناس، بمختلف أهوائهم.
وخلاصة القول في أن العلاقة لدور المتفرج في المسرح بالمعنى الدقيق غير المشروط توضح لنا: كيف يجب أن يلعب هذا المنبه المحفز كما أسلفنا (المتفرج)، دورهُ ليكون أما إيجابياً مبدعاً أو سلبياً (متلقيا دون تدخل فقط). كما يعني أيضا، بأنه المسؤول عن الأجابة على الموقع الذي يحتله المسرح في اللحظة المعاصرة والآنية التي يعيشها المتفرج، كما أنه المعني بالسؤال التالي: في كيفية وجوب التركيبة الكاملة للمسرح المعاصر، وما سيؤول عليه المسرح في المستقبل؟ كي يمكننا اختصار الطريق إلى الخلاصة المشروطة بلعب المتفرج دورهُ الكامل في المسرح، مادام هو أحد شروط اللعبة المرحية وصولا الى التكامل الفني في العرض المسرحي. وما يتوجب ايضا أن يتم توافره بشكل سليم في قاعة العرض. وفي التفاعل الحقيقي مع الأفكار المعاصرة المطروحة على خشبة المسرح والتي تقود المتفرج نحو مستقبل كل الأشياء المؤدية الى الحياة الأفضل التي يجب أن تكون، ومعها التطور والنهوض بالظاهرة المسرح.


أن التجديد في الأفكار ومعالجتها يجب أن تتفق مع ما يشغل الواقع الإجتماعي للفنان وعصرهُ . وإذا ما انعكست تلك الصورة على الواقع ستؤثر سلباً على عمل الفنان وسيهدد أيضاً كامل المعمار المسرحي بكافة مستلزماته . وسيكون المسرح كل شيء إلا أن يكون ( مسرحاً ) بالشكل الذي نفهمه .
هذا هو المنهجي في عمل المخرج على المسرحية ، بدءاً من التفكير في اختيار النص . وحتى لحظة انفراج الستارة عن أول يوم للعرض ، ومغادرة آخر متفرج لصالة العرض بعد آخر عرض لتلك المسرحية . لتبدأ بعد ذلك مرحلة جديدة ، هي مرحلة استقبال نتائج سلامة التفكير أو عدمه عندما كان المخرج يلعب دور المشاهد [المتفرج] في الصالة أيام التمارين . كي تتحقق المعادلة التي تقضي أن يكون ( المضمون أولاً + الفهم المعاصر للمسرح في وضوح العرض ) حين يصل بلا وساطة إلى القاعة .
من هذا الفهم المتقدم لدور المسرح في المجتمع يعيب على العرض الذي لا يصل بسهولة إلى ( المتفرج ) ، ويعتبره عرضاً فاقداً للموقف الفني الذي من أجلهِ قام المسرح نشاطا مهما كأداة للتغير وللتحريض . وكما لايمكن أن يكون مسرحا بلا ممثل كذلك يستحيل أن يكون المسرح بلا متفرج . لان فكلاهما يحمل ذات الأهمية في العملية الإبداعية . وكلاهما [المسرح والمتفرج] في حالةمستمره من إحراج أحدهما الآخر ، بقبول أو رفض الموضوعات والأشكال المكررة – التي لا تحمل الجديد للاثنين . وعليه فان موقع المسرح يوازي بالأهمية دور المتفرج . لأن كل منهما يهدي للآخر عيوبه ومحاسنه من اجل ازدهار الظاهرة المسرحية وتطورها . وحين تزدهر الثقافة المتمثلة بالمسرح معناها ازدهار المجتمع . أن هذه الأهمية تنطلق من أهمية عمل المخرج في المسرح ، مما يدفعهم لأن يخصصوا الجزء الأهم في اختيارهم للموضوعات التي تعتمد الدراسة الدقيقة للمجتمع وميوله ضمن المرحلة – دراسة سايكولوجيه – متعمقة مع طرح مجموعه من التساؤلات أهمها :
1. ما الذي يهم المشاهد اليوم ؟
2.كيف يمكن إدراك متطلباته المشبعة لرغباته ؟
3.ما هي حاجاته الملحة , وكيف يمكن الوصول إلى خصوصياته ؟
4.ما الذي يجري في حياته العامة , والداخلية في وجه الخصوص ؟
وغير ذلك من الأسئلة المهمة التي تؤرق الفنان .
وفي ضوء تلك المعرفة تتنوع وتختلف المسرحيات التي يتم اختيارها كما يختلف تقديمها ضمن الزمان والمكان ، وطبيعة المجتمع – و بمعنى آخر – كيف نستطيع أن نتوصل إلى التنوع الكمي المقبول من الجميع عبر ريبورتوار متنوع . وبما أن المخرج هو المخول من الجميع في القاعة – وهي قاعدة معروفه – يمكنه أن يختار نوع المعالجة , لان المخرج وفي كثير من الأحيان يتأثر عندما تبدأ عملية التجسيد لأفكار الناس الذين لهم علاقة به ، ويتفقون مع الهم الذي يشغل بال الاثنين . وفي النهاية تجد أن تلك المعالجة ستشمل إيجابيا مجموعه كبيره من الناس , أي أنها وفاق جمعي لهذا الكم من الناس الذي يعرف ما يريد ، ويتأثر به . على أن نعرف أن هذا النوع من الاعمال لا يخلو من خطورة التأويل والتكرار والتعددية التي من شأنها تحجيم الفنان مثلما تحجم الجمهور الخاص الذي يعرفه اذا ما أسئ فهمها واستخدامها.

تاريخ وتطور عمل المخرج
أن الأسباب في ظهور شخصية المخرج حديثاً كان لضرورة وجود المفكر و القائد والمنظم على رأس المجموعة المسرحية ، و كذلك بسبب ظهور الفهم الحديث لمكونات عناصر الإنتاج المسرحي في عصرنا .ولان المسرح وشكلهُ يتأثران بالتحولات وقوانين التطور الاجتماعية, فهو يتكيف تبعاً لتلك المتغيرات .ونتيجة لذلك تبلورت تدريجياً مهمة المخرج ، فمن تجاربه في عصر النهضة ظهر المسرح المرسوم ، ومن عقلانية طروحاته في القرن الثامن عشر ونظرية الحكمة للقرن التاسع عشر ظهر (مسرح التشبيه) ومن ذاتية ونسبية القرن العشرين ظهر المسرح التعبيري . فكان ظهور المخرج نتيجة لتلك المعادلات من أجل التوحيد (1) ، وعليه يصبح فن الإخراج –تعريفا- هو الفن الذي ينظم العناصر المكونة لتأسيس العرض المسرحي ابتغاء الوصول إلى التكامل الفني في المسرح .
أما من الناحية التاريخية فيعود فن الإخراج إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر وهو أمر شبه متفق عليه. إلا أنه كان موجوداً قبل هذا التاريخ ومنذ مراحله البدائية، لكنا سنتناول بالحديث تلك البدايات تدريجيا حسب قدمها التاريخي.
ففي اليونان القديمة (الإغريق) مثلا كان (المؤلف) هو الشخص الذي يتولى عملية التنسيق والإعداد والتهيئة والتفسير وغيرها "فالكاتب والشاعر في العصر الإغريقي لم يكن يعلم الرقص للراقصين المنفردين والرقصات الجماعية فحسب ، ولكن كان يفسر موضوع الدراما وكان يتدخل في النواحي الفنية الأخرى كأماكن الوقوف وحركة المجموعة وإيقاعها"(2)، وتعتبر( هيلين.ك.شينوي) في تقديمها للكاتب (مخرجون في جلسات الإخراج) أن (أسخيلوس) من أبرع من قاموا بتجسيد نصوصهم على خشبة المسرح ، والا فكيف نفسر ملاحظاته الدقيقة التي وردت في نصوصهِ ، وهي اقرب ما تكون إلى ملاحظات المخرج والمؤلف الموسيقي معا. وفي أحيان كثيره كان ( قائدا أ لمجموعة ) يقوم مقام المؤلف المسرحي. وقد اعتبر المؤرخ الشهير لتاريخ الإخراج المسرحي ( أد ولف فيندس ) أن تنظيم فعل الجوقة و إعطاء السمات الخاصة لها عند تقديم أ لعروض المنفذة بالرقص والحركة والتي يتولى مسؤولياتها رئيس الجوقة عمل من مهام المخرج لذلك أطلق على رئيس الجوقة تسمية( المخرج) الذي كانت من مهامه إضافة إلى قيادة الأوركسترا وتدريب الإلقاء والغناء أنه كان يقوم أيضا بتدريب الجوقة اليونانية لأن تتكلم بشكل منغم وتتحرك وتمثل ضمن إيقاع محدد . وفي رأي ( فيندس ) كذلك ’ أن رئيس الجوقة في التراجيديات اليونانية كان يحضر كل الأشياء اللازمة لتجهيز العرض المسرحي وكل ما كان ضروريا لأن يظهرعلىالمسرح(3)، إلى جانب مجامع القتال والمعارك مما أدى إلى ضرورة انفصال مهمة منظم العرض المسرحي( المخرج) – كما صار يطلق عليه فيما بعد- عن صلب المجموعة المسرحية. إذن هو من ضروب السذاجة الاعتقاد بعدم وجود من يدير تلك الفعاليات(العروض الدينية). بل على العكس فقد كان لها يقودها وينظمها ويفكر بشكل العرض ونوعه وطبيعته وما يتطلب ذلك من جهود لتقديمه. كما أن من ضروب المستحيل كذلك المستحيل أن لا يكون لتلك أ لمواكب الاحتفالية التي تتسم بارتداء الملابس التنكرية من اجل الدعاية للترويج لها من قبل منظميها . ومن المؤكد أن من ينظم كل تلك العمليات هو شخص خبير. إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار الجانب النقدي في المسرح الروماني كان المسرح اكثر تعقيدا من حيث إجراءاته من المسرح الإغريقي’ فقد كانت عروضه تتطلب من العاملين فيه تهيئة الكثير من المستلزمات من: ديكور ، وملابس ، والشعر المستعار الذي كانت تحمله تلك العروض للكثير من الظواهر والعادات والتقاليد الباليه يتخللها الإثارة و طابع السخرية اللاذعة لتلك المواضيع. أما في فترة القرون الوسطى وما تاخمها من فترات في أوربا، وعهد تيمور في إنكلترا، وعهد لويس الرابع عشر في فرنسا: كان الممثل الأول في الفرقة المسرحية هو من يقوم بمهمة التنظيم وتوجيه المجموعة.

شكسبير مخرجا :
تاريخيا كان {شكسبير} هو من يقوم بدور المخرج في فرقته وعلى كافة عروضه المسرحية فهو الذي كان ينظم ويقود ويوجه الممثلين لتجسيد أدوارهم . ومن الدلالات الموثقة على ذلك ما يرد من حوار يقوله هاملت يوجه به فرقة الممثلين الجوالة التي يستعين بها لتقديم أفكاره في محفل الملك لتوضيح شكوكه في عمه بمقتل أبيه . تلك الملاحظات تدلل على خبرة اخراجيه تميز بها شكسبير من خلال ملاحظاته الدقيقة التي وردت في الحوار عندما يطلب هاملت من الممثلين بملاحظات قليلة داله أن ينطقوا الكلام بوضوح ، وأن يلائموا الحركة للحوار حسب ما يتطلبه الفعل ، وأن يبتعدوا عن الإيماءة العشوائية . أن شكسبير هنا يعطي درسا إخراجيا ولو نستعرض هذا الحوار ( المونولوج ) نلمس ذلك بدقه :
هاملت - ألق القطعة أرجوك ، كما بينت لك ، إلقاء خفيفا من طرف لسانك ، أما إذا نطقت
بها كما ينطق كثير من ممثلينا، فخير لي أن أدع منادي المدينة يلقي أبياتي. وكذلك
ينبغي أن لاتشق الهواء بيديك ، هكذا أكثر مما يجب ، بل قل كل شيء في هدوء ، فأنه
عليك وأنت في خضم انفعالك العاصف كالزوبعة، أن صح هذا التعبير ، أن تبلغ حداً
من الاعتدال يضفي عليه شيئاً من الرقة. أوه لكم يسؤ وني في الصميم أن أصغي إلى ممثل
صخاب ذي شعر مستعار ، يمزق العواطف إلى مزق ، بل إلى مجرد خرق ، ويشق آذان
جمهور الصفوف الخلفية ممن لا يستطيع أغلبهم أن يفهموا غير التمثيل الصامت أو الضجة
الصاخبة … ولاتكن أيضاً أهدأ مما ينبغي ، بل اتبع ما تهديك إليه فطنتك. لائم بين الحركة
والحوار ، والكلمة والحركة ، فإذا راعيت هذا لم تتجاوز اعتدال الحياة ، فأن كل مبالغة
في الأداء تتجاوز الغاية من التمثيل ، الغاية التي كانت وما زالت أن نعكس الحيلة في المرآة
لترى الفضيلة وجهها ، والمهانة صورتها الحقة ، ويرى كيان العصر وجوده ، ووجوده
قوامه وملامحهُ … ولا تدعوا من يقومون منكم بدور المهرجين يزيدوا شيئاً على دورهم
المكتوب ، فأن منهم من يرى من يضحكون هم أنفسهم ليثيروا ضحك طائفة من المشاهدين
التافهين ، في حين أن بهذا الموضع من المسرحية قضية ما هامة ينبغي الالتفات إليها .
هذا الحوار يوضح الأسس والقواعد التي على الممثل اتباعها ’ ففيه ما يتوجب عليه عمله على الدور و مع نفسه ومع الآخرين . وفيها الذي يبعده عن الملل كالذي يتركه الممثل النمطي الذي لا يلتزم بالتعليمات ولا يتحكم بإمكاناته الجسمانية والصوتية . وهو ما نوه عنه شكسبير حين شكى من الممثل الصخاب الذي يمزق العواطف ويشقق الآذان.

موليير مخرجا:
وكان موليير(1622-1673) في فرنسا يلعب نفس الدور الذي لعبه شكسبير من حيث التفكير والتنظيم وقيادة الفريق المسرحي ويبدو ذلك واضحا " في إحدى صفحات مسرحياته كيف كان يوجه إحدى الممثلات ’ وكيف كان يحلل لها الدور ويشرح بعض النواحي التقنية في التمثيل مثل : نظرة من العين ’ خطوه ’ فإيماءة "(4) . وفي العديد من مسرحياته تناول الكثير من نقد أسلوب التمثيل التراجيدي في عمل ممثلي فرقته {الاوتيل دي بورجوني} لمسرحيات : راسيين و كورنييه . وتعتبر مسرحيته ( نقد مدرسة الزوجات ) من الأعمال الرائدة في نقد الزيف والدعوة إلى الصدق في التأليف ’ وفي أداء الممثل "(5) . أما في مسرحية ( ارتجالية فرساي ) عام 1663 التي هي التكملة لمسرحيته ( نقد مدرسة الزوجات ) ففيها يبين موليير لممثلي فرقته كيف يجب عليهم أن يواجهوا شخصيات المسرحية
موليير: ( للممثل دي كروا زييه ) انك ’ أنت ’ تلعب دور الشاعر ’ فعليك أن تتشبع بهذه الشخصية وأن تبرز طابع الحذلقة الذي يظل سائدا بين علاقات العالم الراقي ’ ونغمة الصوت القاطعة المتعالية ’ وتلك الدقة في النطق التي تضغط على جميع المقاطع ولا تسقط حرفا واحدا من اعنف الكلمات هجاء . ( ثم إلى الممثل بر يكور ) أما أنت فتمثل الرجل السوي من بين الحاشية ، كما سبق أن فعلت في ( نقد مدرسة الزوجات) ، اعني أن عليك أن تتخذ سمة الرزانة ، ونغمة الصوت الطبيعية ، وأن تقتصد ما أمكن ، في الإرشادات باليدين . ( ثم إلى الممثلة بيجار ) وأنت ستمثلين واحدة من اؤلئك النساء اللائى ما دمن يرتكبن الفاحشة ’ يعتقدن أنه مسموح لهن بكل ما تبقى من اؤلئك النساء يحتمين خلف تعاليهن بكل انفه وينظرن إلى كل من عداهن من أعلى إلى اسفل … الخ "(6). وعلى الرغم من كل ما تقدم ، لكننا لا نستطيع تحديد التأريخ الثابت لبداية الإخراج ، والى البداية التي من خلالها نستطيع أن نعتبر المخرج عنصرا أساسيا في العملية المسرحية ما بين الأعوام 1750 – 1850. والتي خلالها تأسست أول أكاديمية لتدريس التمثيل في ألمانيا في العام 1753 والتي أسسها ( كونراد أيخوف ) ’ وكان فيها يطلب من الدارسين {الممثلين} إلى دراسة المسرحية دراسة تحليليه . كما كان لإضافات ( جوناثان ولنفغانغ جوته ) في ألمانيا أهميتها في الاعتناء بالأدوار الصغيرة ، وأن يعهد بها إلى ممثلين أكفاء ، كما دعا إلى الواقعية في العرض ، وخاصة فيما يتعلق بالأزياء ، وفي توزيع الممثلين على المسرح . في ضوء ما تقدم وحالات أخرى تم تثبيتها في الممارسات الإخراجية في عمل العديد من رجالات المسرح كماحصل في إنجلترا فقد كان ( كامبيل ) و ( وليم مكر يدي ) يدعوان إلى الضبط والنظام واحترام مواعيد التمارين التي تسبق العرض . وأخذا يعملان على إيجاد التناسق بين المناظر والاناره والمجامع . لكن الثابت هو أن الأول من آبار ( مايو ) تاريخا لبداية الإخراج في العالم منطلقين من محاولة ( الدوق ساكس مايننغتن ) وفرقته الالمانيه في( برلين) ’ والذي من خلال تلك التجربة حاول خلق التوافق بين الممثل والمنظر إضافة ألي إعطاءه النص ، الصورة التشكيلية ، وكان نتيجة لتلك التجربة أن اتبع الكثير من المبدعين ما حدده مايننغتن في فن الإخراج المسرحي. ولم تكن مهمة المخرج تحتل ذات الاهميه التي كانت تحتلها شخصية المؤلف أو شخصية الممثل ، كما احتلته في السنوات ألا خيره من القرن التاسع عشر وما تلاه ، بعد أن تبلورت وأخذت موقعها اللائق وبرزت أسماء كبيره ورائده في حركة الإخراج العالمي أمثال : ستانسلافسكي ، أندريه أنطوان ، لينيه بو ، جور دون كريح ، أد ولف آبيا . الذين أكدوا أهمية الدور الذي يلعبه المخرج في العملية ألا بداعيه في التكامل الفني للعرض المسرحي . وهكذا توالت الأسماء المهمة في الإخراج من أمثال : جان كوبو، ماكس راينهاردت ، فيسفولد مايرخولد ، تايروف ، أخلبكوف ، فاختانكوف ، فيلا ند فاجنر ، جان فيلا … وغيرهم في مختلف أنحاء العالم 0 إذن ففكرة ( المخرج ) كانت وليدة التطور الذي نشأ في القرن العشرين . وكذلك نتيجة للحاجه الناشئة من سلبيات النظام القديم الذي كان يتطلب من الممثل أن يتأكد من اكتمال حفظ دوره في غضون عشرة أيام ولا صعب المسرحيات ، أما الشغل الحركي فكان في معظمه تقليديا متوارثا ، القديم عن الأقدم ..وهكذا . ويورد فرانك.م.هوا يتنج هذا النظام – الذي كان بمثابة القاعدة – في تقديم العروض المسرحية في عموم القرن العشرين وفي المسرح الأمريكي بالآتي :
1- كانت فترة التدريبات , قصيرة تصل إلى بضع ساعات في الأعمال الدورية ’ ونادرا ما تتعدى الأسبوع للأعمال الجديدة .
2- الأزياء والماكياج ’ كانا يتركان في الأغلب للممثل واجتهاده ’ وكان هذا سببا في غياب الوحدة الاسلوبيه للعرض ’ بل والى فوضى الأساليب في العرض الواحد .
3- الديكور ’ كان من النوع التقليدي ’ عدى بعض التعديلات الطفيفة التي قد تدخل عليه , لملائمة احتياجات العرض .
4- الأدوار الصغيرة ’ ومشاهد المجامع ’ غالبا ما كانت تهمل , أو , يعهد بها إلى أشخاص غير ممثلين تفرضهم الصدفة .
هذه الفوضى دعت إلى البحث عمن يعمل على توحيد تلك الأجزاء ، وعلى تنظيمها ويكون قادرا على قيادة المجموعة . فكان ظهور {فن الإخراج} و{المخرج} ، كصيغه مستقلة كما نعرفها اليوم ، التي تكونت بشكلها النهائي في نهائيات القرن الثامن عشر في ألمانيا في الفترة الواقعة بين الأعوام 1826-1914 ( دوقية ساكس مايننغتن ) على يد الدوق جورج الثاني الذي احب المسرح وقاد فرقته الناشئة ومنذ العام 1874 ، وقام معها بجولات في عموم ألمانيا , ليعرض معها أول مسرحية ضمن ما عرف بمسرح المخرج في الأول من أيار (مايو) كما أسلفنا . تميز مسرح مايننغتن بما يلي:
1- الشدة بالتزام النظام , لذلك كانت فترة التمرينات فيه طويلة ودقيقه .
2- امتازت الفرقة بعدم احتوائها على النجوم ، لذلك كانت فيها كل الأدوار تعامل بنفس الاهميه وكذلك الفنانين .
3- كانت المجامع بأهمية أدوار البطولة .
4-الإضاءة، الملابس، الديكور، الماكياج، تخضع للتخطيط الدقيق.
ويقال بأن (جوته) هو أول من استخدم مصطلح (المخرج)، والبعض يذهب إلى أن ( ليون دي سوميه), الذي عمل مرشدا في (قصر ألما نتوان) كان أول من مهد لظهور المخرج. ومن أفكاره قوله: " إن من الضروري أن نحصل على ممثلين جيدين ، بدلا من الحصول على عرض مسرحي جيد " ، وهو دليل على مناداته بالاهتمام بالممثل في العرض للحصول على عروض مسرحيه جيده . كما طالب بالدقة التاريخية في الأزياء ، وأكد على الاعتناء بالأجواء النفسية بواسطة الضوء . وهو الذي طالب الممثلين باتباع قواعد المحاكاة الارسطيه . وفي ألمانيا كان نوعين من المخرجين :
1- الذين توجهوا تماما إلى عقل الممثل ، وطالبوه بالتحليل التفصيلي والدقيق للدور
2- الذين وقفوا على قمة الوجدان الإبداعي للممثل ، ورأوا بأن مهمة المخرج الأساسية تنحصر في إيقاظ الحس الإبداعي عند الممثل .
ومنذ ذلك الوقت تركز عمل المخرج في أنه : المفكر ، القائد ، المنظم ، للمجموعة المسرحية والمؤلف الأول للعرض المسرحي . الذي بدونه تصعب الحياة على المسرح . في ضوء هذا التعريف برزت أسماء مهمة وكبيرة في الإخراج المسرحي سنتناول أهمها من التي أثرت وكان لها دورها البارز في المسرح العالمي.

فكر المخرج :
الاخراج فلسفيا يعني: الجهود المسرحية التي تسعى الى التوليف والجمع بين كامل المعطيات المعرفية والعمل على صياغتها وفق نسق كلي، منطقي، معقول، ومتكامل، ووحدة فكرية منظمة، نطلق عليها في عمل المخرج بـ [الوحدة الفنية والاسلوبية].
الفكر: هو أعلىالنشاط المخي عند الانسان، بالاستناد الى اللغة والمعرفة.
وهو الانتاج الأعلى للدماغ. ويمثل العملية الايجابية التي بواسطتها ينعكس العالم الموضوعي في: * مفاهيم.
• أحكام.
• نظريات.
وكما هو معلوم، بأن من أبرز خصائص التفكير الفلسفي هي:
• العقلانية.
• النقد والتحليل.
• الشمول والعمومية.
• التأمل والتركيب.
بديهي بأن التفكير ينطلق من العقل، الذي هو منبع العلم والمعرفة المنطقية المخزونة. وان التفكير الفلسفي هو الذي يبدأ بالتحليل للمعارف والاراء بهدف التأكد من حقيقتها او زيفها. وعلى اختلاف تلك المعتقدات سواء كانت سائدة [دينية، معتقدات شعبية ...وغيرها] أو نظريات فلسفية. وهذا الشمول هو شرط أساس يدخل في نطاق كل النشاطات الفلسفية بشكل واسع وغير محدد، لكي يكون البحث في المعرفة شاملا وغير محدد بقيود. و- حسب (وول ديورانت) في قصة الفلسفة: [ان أي مشكلة يمكن ان تكون مادة للفلسفة، بشرط أن تدرس من زاوية شاملة في ضوء سائر التجارب والرغبات الانسانية]. وانطلاقا مما تقدم فان التأمل والتركيب بامكانه صياغة ماتقدم من المعارف وفق نسق اجتماعي يتفق مع فكر الانسان – المخرج- ووعيه واهتماماته ومصيره، في كل متماسك، منطقي، وذو هدف معقول.
وتتحدد اهتمامات الفلسفة في علوم الحياة عموما ومنها المسرح ، وعلى وجه الدقة بالمباحث التالية:
• مبحث الوجود [الانطلوجيا ontology].
• مبحث المعرفة [الأبستيمولوجيا epistemology].
• مبحث القيم [الاكسيمولوجيا axiology]. ويشمل مبحث القيم:
ـ علم الأخلاق ethics
ـ علم المنطق logic
ـ علم الجمال aesthetics
وعليه ووفق ما تقدم فان [فكر المخرج] يكمن في العمل على تحقيق الوحدة الفنية والاسلوبية لكافة الجهود المسرحية التي تعمل على ادارة وتصميم وتنفيذ كل المستلزمات التي من شأنها الوصول الى التكامل الفني في العرض المسرحي. وتقوم – الوحدة الفنية والاسلوبية – على اسس التعاون الفني والفكري والجمالي الفلسفي، مع الانسجام الكامل للمفاهيم الفنية بين كافة مكونات العرض المسرحي. ان القوى المختلفة المكونة للعرض انما تسعى الى التوحد ليبدأ فعلها في التأثير على الجمهور – وهو هدف العرض – عندما يتشبع التجسيد بروح الفريق الموحد الساعي الى خلق التاثير المطلوب، وان اي خلل في الانسجام والتنسيق بين عمل الفريق المكون للعرض سيجر الى خلق عرض هزيل باجزاء منفصلة وغير منسجمة جماليا وخاليا من الوحدة الفنية والاسلوبية.
وفكر المخرج هو: الوصول الى حقيقية فنية مشتركة لكامل الفريق المسرحي، بقيادة مبدع الرؤيا الفنية، المفكر القائد المنظم (المخرج)، والذي بواسطته يتحقق فكر المسرح أو مانطلق عليه ايضا بـ[فكر المخرج] . ان الوصول الى فكر المخرج يتحقق من خلال :
أ‌- تحقيق الوحدة الفنية والاسلوبية للعرض المسرحي، ونعني بها الحقيقة الموضوعية التي تعني الانسجام الكامل في كل مستلزمات العرضالمسرحي، من حيث : الوحدة الفنية والاسلوبية، وكذلك هي: وقوف كل القوى المكونة والمحركة للعرض . وبالتالي هي الموقف الموحد في الفن الذي يخلق التأثير المطلوب للجهود المسرحية المراد ايصالها الى الجمهور أو ما نطلق عليه بـ[فكر القاعة]. المساهم دائما على توكيد الحقائق التي يطرحها المسرح .
ب‌- الهدف الأعلى، أو الهدف الموحد : وهو وحدة المبادئ الفنية المتفق عليها بين المخرج والممثلين والمصممين والاداريين وكافة المجموعة التي تحقق العرض وفق المتفق عليه في جلسات القراءة التي تسبق التنفيذ، وا تخللها من تحليل وتفسير وتركيب ، وتفكيك ثم اعادة البناء وفق الصيغ العلمية المدروسة. على ان نعرف بأن اي عملية عدم انسجام في اي من جزئيات العمل، معناه فقدان لوحدة الفريق، الذي يعني بالتالي فقدان للانسجام في تركيب جزئيات العمل، وسيتقاطع حتما مع طموحات الجمهور التي ستظل النتائج المرجوة والطموحة للوصول الى [الهدف الأعلى] غامضة وبعيدة عن احكامها وخالية من الجمال ومن الوحدة الفنية والاسلوبية. وغير منسجمة كذلك مع انعكاسات الحياة الواقعية في الفن . لأن الحياة بالنسبة الى الفنان هي مثار التساؤلات المستمرة التي تحتاج الى اجوبة، كونها مصدر البحث الدائم للوصول الى الحقائق. فالموازنة بين متطلبات المجتمع وبين ما يريده الفنان مسألة غاية في الأهمية، تتيح الفرصة للوصول الى الأهداف المراد تحقيقها من غير تعقيد، حتى في في الأفكار المتسمة بالتعقيد والدقة المبالغ في تجريدها.
وهنا سيظهر فكر المخرج واضحا جليا في كل تفاصيل العمل المسرحي، فـ [الأناة الابداعية] ونعني بها حماس والهام ونظرة مستقلة للحياة لابد من ان تظهر في العمل الابداعي. وعندما يتوافق [التجسيد] مع [المعرفة] التي يمنحا المخرج في عملية [التجسيد] سيتوصل حتما الى التكامل الفني الذي يسعى اليه العرض المسرحي.

فكر المؤلف :
عمل المخرج مع المؤلف: ويبدا - كما ميشيل فوكو- من "التحليل الأدبي للنص ويعني: امكانية تكوين لغة جديدة، من لغة معطاة نسميها [الأثر]. ويمكن للغة الجديدة ان تتحدث في اللغة الاولى وانطلاقا منها". واللغة الاولى، هي لغة المؤلف او ما يطلق عليه [الجوهر الانفعالي] ، وهو الشحنات الانفعالية القوية، والشديدة التأثير، المتجمعة في خيال الكاتب المنطلقة من احتجاجاته وتساؤلاته ومخافه الاجتماعية المتبلورة الى شخصيات درامية. والجوهر الانفعالي – عند المخرجين – ينطلق من مقترحات الكاتب. وهو عبارة عن عالم كامل من الناس والمكانات، مع سلسلة من الصور والتصورات الكامنة في مخيلة المخرج . زائدا الهواء والجو العام الذي تتنفس فيه تلك الكائنات. وبدونها تصبح الحياة فوضى من الافكار والمشاعر والتصورات الباهتة. ووظيفة المخرج تتلخص في قدرته على ادخال النظام على هذه الفوضى بالعمل على ايجاد ذلك الجوهر الانفغالي الذي يتمثل :
أ‌- الحيوية الداخلية للعرض المسرحي.
ب‌- الهدف الاعلى الذي تنزع اليه هذه الحيوية الداخلية للعرض.
ت‌- خط الفعل المتصل، الذي يسلكه الفريق نحو الهدف الاعلى الساعي الى انجاز العرض المسرحي.
اذن فالاحساس بالجوهر الانفعالي سيولد حتما رؤية معينة للمواقف الدرامية والمشاهد والميزانسيناتوكافة التفاصيل الجزئية التي غالبا ما تؤلف فيما بينها لوحات ترتبط فيما بينها منطقيا ، لتخلق رؤية سليمة وواضحة لبداية العرض ونهايته ايضا.
وفي الغالب يعجبك كـ [مخرج] في نص المؤلف اما [مقطع حواري] او حوار، او معنى، او بداية . ولان كل البدايات صعبة لابد لك وبعد الدخول ، وكي يسهل عليك العمل ، لا مانع من ان تبدأ تمارينك بالمشاهد التي تستهوينك نصا وتركيبا صوريا اكثر من غيرها. ولا مانع من ان تبدأ تمارينك كل يوم بالمشاهد او المشاهد التي تحب وباستمرار.
يبدأ اللقاء بين المخرج والمسرحية وحتى بين المخرج والممثل وبقية العاملين على العرض، تبدأمن لحظة (الاكتشاف) التي يعتبرها ستانسلافسكي بـ (لحظة اللقاء بين عاشقين)، منذ (الانطباع الاول : هو لحظة النظرة الاولى وما ستتركه من انطباع آني وا يلحقه من معاني، أولية سريعة أو علمية مجربة) التي تتولد لحظة التعرف بالصدفة، وهي اللحظة التي تسبق (التألق) و (المحبة). وماستتركه من انطباعات اخرى – متغيرة او ثابتة – تتفق او مختلفة مع الانطباع الاول
من خلال :1. المعرفة بالتفاصيل .
1. المعايشة لتلك التفاصيل .
2. التجسيد للتفاصيل .
3. التأثير الذي تتركه التفاصيل على الممثل(الأنا والآخر) والمتفرج.

عمل المخرج مع الممثل :
ان العناصر الاساسية في عمل (نظام) ستانسلافسكي تكمن في رغبته للعمل مع الممثل الذي يريد ان يصبح ممثلا جيدا، ان يكون قد امتلك :
أ‌. الجسم .
ب‌. الصوت .
ت‌. الموهبة .
مع اسم ستانسلافسكي تعرف المرحلة النظرية المادية لتأسيس فن المسرح، ووضع القواعد له في روسيا ومنها الى كافة ارجاء العالم. عندما ندرس ستانسلافسكي انما ندرس اصول فن التمثيل واصول عمل الممثل. ستانسلافسكي لم يستند فقط الى تجربته الخاصة وانما الى الفن كنظام شامل لتقاليد المسرح الواقعي. استفاد الى الارث المسرحي الذي تركه الاسلاف القدماء، والمعاصرين، وقد اشار باحترام الى جهودهمبدءا من [شجبكن] ومعاصريه من الذين مثلوا المسرح الواقعي الروسي. ففي كتابه [حياتي في الفن]، الذي القى الضوء فيه على تاريخ كامل له الفضل في التأسيس [الشكل] ولم ينسى التطرق الى التأثيرات الايجابية الفاعلة للمسرح الموسيقي والى أعلامه أمثال [كوميسارشفسكي]، [شاليابين]، وآخرين. ففي كل فصل من فصول الكتاب عكست جانبا هاما من الجوانب التي تهم الدارس لفن الممثل . والنظام الذي حققه ستانسلافسكي يؤسس لتقاليد عمل واضحة في المسرح الواقعي. كان لتقاليد المسرح الروسي ذات الميزة التقدمية والديمقراطية في العمل، لقد درس ستانسلافسكي ذلك الواقع بعناية فائقة وناضل بجدية ضد سقوط الثقافة الواقعية. لهذا تركز الجزء الاول من كتابه (عمل الممثل مع نفسه) على تربية روح الشخصية من خلال عوامل عدة أهمها :
1* الفعل .
2* اذا السحرية .
3* الظروف المعطاة .
4* المخيلة .
5* ذاكرة الانفعالات .
6* التركيز .
7* التصور .
8* الوحدات والمواضيع .
9* العلاقات وأقوى علاقة .
.... وأخرى .
وفي الجزء الثاني ( التجسيد ):
نلخص تصوراتنا فيه لما قاله ستانسلافسكي شخصيا به: (في محصلة هذا الكتاب التي هي محصلة ليست لأجل العلم فقط، وانما الهدف منها ايضا هو تدوين خلاصة تجربتي التي حاولت من خلالها ان اعطي ما حصلته من تجاربي مع التمثيل، الاخراج، والتربية.)
وفي الجزء الثالث فيتكون من :
اولا : المعرفة : التي تتكون بواسطة القراءة والتحليل .
ثانيا : المعايشة .
ثالثا : التجسيد .
لقد تركز عمل ستانسلافسكي مع الممثل في تكوين احساسه الداخلي بادئ ذي بدءن لكنه لم ينس ان ينمي فيه الجسم وامؤهلات من خلال : الاكروباتيكن والجمناستيك، وصولا الى المرونه المبتغاة . وكانت دائما اسئلته مع الممثل تنصب في :"بماذا نشعر عندما نريد ايجاد حل فني لذلك اللقاء بين الجندي وزوجته؟؟"(1) أو "على اي اساس كنتم ستبنون هذه اللعبة؟ فكروا جيدا، واياكم ان تبتدعوا الحل.. حاولوا ان تِعروا به اولا ان كل حساباتكم يجب ان تنبع من الاحساس المباشر.. كلما شعرتم بشكل اعمق، كلما خلصتم انفسكم في هذه الوضعية"(2) . وهكذا نجد بان نظام ستانسلافسكي يعلمنا الوصول الى طبيعة المشاعر، وكيف من خلالها نصل الى الفعل العضلي المعبر . لقد اتبع هذا النظام من قبل كافة المدار الاخراجية والمعاهد المسرحية العالمية. وحتى ان تمكنت من اختيار منهجها الخاص، لكن البداية كانت منه. ونظام ستانسلافسكي يعني ان لا تمثيل من غير المشاعر بالاساس.. واستمر الحال هكذا وصولا الى (بريخت)، الذي قنن استخدام الشعور في الاداء التمثيلي، خوفا من الانسياق خلف المشاعر التي تفقد المتلقي التفكير في مناقشة المسرح، "والممثل الذي يبدأ عمله بمنهج ستانسلافسكي، وينتقل الى منهج مايرخولد يجب ان يظهر في عمله هذا شئ ثالث، نتاج نهائي، هو النتاج المطلوب"(3) . وبذلك ندرك المعنى الباطن الذي يرتبط بالعناصر الفنية المكونة للعرض، وبالوسائل التعبيرية في الاخراج التي تعمل على خلق التكوينات في المسرح. ان الاهمية التي اعطاها ستانسلافسكي الى (الظروف المفترضة) هو مسعى الاخراج في النهوض بمهمة التأليف، فالتأليف يعتبر ناقصا مالم يكمله (تفكير المخرج). اي سعي المخرج في اكمال نواقص الكاتب التي لا يمكن للكاتب ممارستها، فان " كتابة حوار لمسرحية ك(هاملت) مثلا عملية خلق ممتعة، أما ان تشغل الفكر: من أين يدخل الشبح؟ من يمين المسرح او من يساره؟ فهو أمر مقرف، يحسن بالمؤلف ان يتركه للمخرج "(4) . يضاف الى ذلك التطور الايجابي في العلاقة بين المخرج والمؤلف، سعيا في تسهيل مهمة الممثل الذفيه يكمن جوهر نجاح العرض المسرحي، في ايصال افكا الفريق بما فيهم المؤلف والمخرج. وهي عملية تتم تدريجيا بدءا من قراءة النص وتحليله، وما يتبعها من دراسة المؤلف ومعرفة زمنهما ( النص والمؤلف) قبل اعتلاء منصة التمارين لتنفيذ النص المسرحي. فان من اهم مزايا العرض المسرحي الجيد، يكمن في معرفة تلك الاسرار الزمنية. وهي واحدة من اهم مزايا عمل المخرج القادر على الوصول الى فكر النص من خلال مد الجسور بين مفاهيم الكاتب وعصره ومفاهيم الحاضر الذي تقدم فيه المسرحية. من خلال التعامل مع الزمان والمكان المطلوبان في العرض، وما يحتاجانه لاظهارهما من: الممثل، المناظر، ووالملابس، والموسيقى، والضوء، والمؤثرات، وما يتبعها من العناصر المكونة للعرض المسرحي، وصولا الى المتفرج الذي ينهي العرض.
ان شخصية المخرج رغم حداثة ظهورها(*) تاريخيا اصبحت تشكل الموقع الاهم – الذي كان يحتله المؤلف في الازمان التي سبقت ظهور المخرج(**) في المسرح، حتى " أن قيمة العرض المسرحي اصبحت لا تعتمد على حجم المدرسة أو موقعها أو نوعها، بقدر ما تعتمد على مهارة المخرج واتساع آفاق مخيلته "(5) .
ان المتفرج لا يتمكن من فهم الدور من الداخل، ولا يمكن ان يدرك ما تريده المسرحية(الفعل) من الداخل. اذن لابد ان يقدم الدور عن طريق الفعل (فيزياويا) عضليا (من الخارج)، شرط ان يتم التفاعل النفسي ويتماهى مع الفعل العضلي. وهو فحوى اشتغالات ستانسلافسكي في بدايات عمله. عندما اراد من الممثل ان يدرب نفسه كي يعطي الدور من الداخل الى الخارج، لكنه اكتشف بان الدور يجب ان يبدأ من الخارج الى الداخل، ومن ثم الى الخارج .

الهدف – الهدف الاعلى
ومهما تعددت اهتمامات المخرج واختلفت، فان اعتماده يظل اسير ابداع الممثلين وتبلغ النسبة من اهتماهم حدا يتجاور ال75% من عمل المخرج على التجسيد ويظل تحقيق بقية المستلزمات تحتل الباقي من تلك النسبة. اذن فعلى المخرج ان يفهم هدف المؤلف جيدا كي يتمكن من تقديم العرض بشكل جيد، فهو بدون ذلك لن يتمكن من تقديم العرض كما ينبغي. عليه ان يوصل هدف المؤلف وهدفه – فبدون هدف المخرج سيجعل من عمل المخرج عملا تفسيريا فقط - الى الممثلين وبقية العاملين على تحقيق العرض ليعملوا بموجبه ويقدموا العرض بشكله الامين. فبدون الهدفين سيكون العرض ناقصا وبعيدا عن اغراضه. ان هدف المخرج وفكره ضروريان ويبدءآن منذ القراءآت الاولى التي تخرج بـ (الانطباع الاول) وما يتولد عنه من (فكر المخرج) القابل للبقاء او للتغير والتحول الى (فكر المخرج). ومن : (الهدف الأعلى) ستتولد سلسلة من الأفعال ذات الاسماء والعناوين لكل هدف صغيرومتوسط وكبير، ومن الاهداف مجتمعة لكل وحدة ومشهد وفصل وبالتالي هدف المسرحية ككل ستسهل مهمة الاخراج، التي تهدف الى الوصول الى (الهدف الأعلى) للمسرحية.
في الحياة كما في المسرح كل شئ متغير او قابل للتغيير، معنى ذلك ان لا ثبات في العملية الابداعية. و[الممثل] هو المتحرك الأهم على المسرح، بابجديات ثابتة هي:
أ‌- الموهبة .
ب‌- الجسم .
ت‌- الصوت .
وبدونه تصبح حياة المسرح عسيرة، وبدونه سيفارق المسرح الحياة. (الممثل : هو المؤلف لقرارات المخرج)، وهوالمحرك الأهم لكامل (السيينوغرافيا)(***) المتدخل في تغيراتها من حيث: المكان، الزمان، البيئة، الظروف، وكل المتغيرات الاخرى في الايقاع والنبض والديمومة، التي تشعرنا بـ ( المواطنة في الفن) . والمواطنة تعني ان يكون لمن يقود الحياة في (الوطن – المسرح) كامل مواصفات المواطنة في الامانة وحب الوطن والتمتع بكامل الحقوق في : الخيال، والظروف (معطاة ومقترحة)، واتمني من خلال (اذا السحرية)، في حق السؤال: ماذا ولماذا وكيف؟ ان يكون له تاريخ لشخصيته وانحداره، له حق المثيل الوطني: تجسيدا ومعايشة وتأثير... وغيرها من الحقوق. وعليه وبناء على ما تقدم فان (الممثل) هو باعث الحياة في المسرح، يعطي لكل الجهود اهميتها في تادية واجباتها من خلال امتلاكها لمهماتها في ايصال مهمات العرض الى ( المتفرج) الثابت المكان في قاعة العرض. ذلك الثبات النسبي، الديناميكي المتحرك مع حركة العرض الذي يقوده الممثل. فيتحرك تفكيره بالراي والملاحظة بقناعات المتلقي – المساهم الرافض – القابل لفكر المسرح وكل ما يغني التجربة المسرحية ذات الفكر النافع البعيد عن اجترار القديم، وكل ما يبعده عن سلبية التلقي القابلة لكل ما يطرحه المسرح، كما في المسارح الاستهلاكية التي نطلق عليها تسمية (المسارح التجارية).
• الجسم : بناء الجسم ، طريقة الوقوف ، الجلوس ، المشي = تعكس الشخصية .
الخبرة الجسمانية : تخبرنا عن نوع المشاعر . مثال: جسم بارد يرتعد من البرد ، نشعر بالبرد ، ننزعج منه ، [ نقرر انه البرد ] .
الخلاصة : [ الخبرة الجسدية ] تخبرنا بنوع المشاعر، والحالة العقلية تغمرنا بنشوة الفرح.
خط الفعل المتصل
ان كل حياة تتكون من من سلسلة من الاحداث والافعال المتغيرة، وكذلك الحال بالنسبة الى حياة الدور في المسرح. التي تتغير باستمرار، ولفترات لا تنتهي، وهذه الحالات، مثل ما هي حقيقة هي كذلك محض خيال ابداعي وضرب من ضروب الذكريات العابرة واحلام المستقبل، وصفة التواصل ذات أهمية قصوى ونطلق عليها في المسرح بـ[خط الفعل المتصل]. ان تتابع الأشياء والاحداث بخط مؤتلف متصل خال من التباين يعرف طريقه الى القاعة [الجمهور].
ان انتباه المثل الذي ينتقل باستمرار من فعل الى آخر أو من حدث الى آخروما يصحبه من تغير في الانتباه بخط فعل متصلفالحياة الواقعية هي من يمسك بمعقولية الانسيابية في التسلسل في المشهد او بالمسرحية باكملها، والا اصابها الاختلال والخروج عن المألوف. ان فكر المخرج اولا وبالاستناد الى مقترحات النص [التأليف] هي من يخلق خط الفعل المتصل في صورة التقارب مع الحقيقة، وبدونها تصعب الحياة فيتجزأ العرض الى نتف واجزاء منفصلة بعيدة عن الواقع.

الحركة :
وانطلاقا من ان الجسم اساس الحركة. فان [ الحركة على المسرح ] تعني :
صورة التشكيل الحركي { الميزانسين } في حالة الفعل .
• الميزانسين (التشكيل الحركي) : والميزانسين احدى الوسائل الهامة في التعبير عن خطة المخرج، وافكاره التي تبعث الروح في النص، ولا يتم ذلك بمعزل عن الحياة العامة والجهود الطويلة الامد – اساس العمل في الخطة الاخراجية – هذا الفهم المسبق للاحداث والوسائل التعبيرية التي توصل الى التشكيل الحركي في التجسيد مما يبعد الميزانسينعن الصراع السطحي الذي يحوله الى مجرد توزيع باهت، خال، من التفكير. مما يحول مهمة المخرج من [مبدع] الى [منفذ آلي] . فيصبح العمل على المسرحية مجرد اشكال مرصوفة خالية من الروح، والجوهر الابداعي الذي يوصل المنجز بسهولة الى الجمهور مما يسهل قراءته الابداعية لتعطي الى كافة مستلزمات العرض بدءا من الممثل [ المحرك الأهم ] لبقية مكونات العرض من [ الديكور، الازياء، الموسيقى، الاضاءة، الماكياج...وغيرها ]. ومن حركة الضوء واللون والعتمة مع الصمت المعبر والحوار- من خلال اللغة المنطوقة- مع الايماءة والتعبيرات في الوجه والجسد وما يتبعها من مشاعر مزوجة بالايقاعات المتباينة المتناظرة والمختلفة، المتناغمةمع عناصر العرض الاخرى، انما هي جميعا تشكل حركة الميزانسين. من كل ما تقدم يتشكل العرض المسرحي بالاستناد الى الحالة القائمة بين الانسان في المسرح وارتباطة في بيئة العرض والفضاءآت الخالية التي تحتاج الى من يخدمها، والشعور بـ [المواطنة في الفن ] من خلال الاشكال والاشياء + قيم الجو العام. بالاعتماد على [ قواعد التكوين ] في : التناسب، القوة والضعف، التركيز، التوزيع الرشيد المستند الى قوة العلاقات العاطفية بين الشخصيات. فالتشخيص الخاطئ للحالة يشتت الافكار ويضيع جراءها الممثل [ المحرك الأهم لكل ما على المسرح وخارجه]، كذلك الامر في حركة المجاميع ويبعدها عن الانسجام مع بقية مكونات العرض. لتضيع بعدها كل الجهود الساعية للوصول الى التكامل الفني في العرض المسرحي.
• [دوافع الحركة]، أو مصادرها فهي :
- مادية. } وهي نتيجة لدافع
- عاطفية. } أو اثنين
- عقلية. } أو أكثر
وفي الحركة [ تفاعلات متعددة ]، و[ تغيرات لا نهائية ] ، ينتخب منها الاجمل.
أمثلة : 1) عند فيض المشاعر : نقفز ، نرقص ، نغني ، نفرح .
أي أن فيض المشاعر يعبر عن نفسه في شكل حركات بدنية [ جسمانية ].
2) عندما تظن بأنك خدعت ، يسبب لك ذلك اضطرابا نفسيا – عاطفيا ، ويؤدي بك الى ان تصرخ ، وتتعارك.
ان الحركة تساهم في خلق تشكيلات متعددة، ومعبرة عن التبدل الحاصل في العلاقات القائمة بين الشخصيات وانفعالاتها وعواطفها .... الخ . وهذا كله يرتبط بقدرة المخرج وفاعلية مخيلته في النظر الى تطور القصة عاطفيا وفكريا . هذه الفاعلية هي التي يمكن ان يعبر عنها بالعلاقات المختلفة، وقد تستخدم القوة الجسمانية ووضعياتها في الاشكال التي حددها الكسندر دين مثلا في : الامامي الكامل ، الربع المواجه ، الخانبي النصفي ، الـ 3/4 ، الخلفي الكامل (7).
الخلاصة : الأفكار تثير مشاعر وسلوكيات معينة .
* وتصميم الحركة وتنفيذها تحكمها عوامل هي:
أ- ان تكون [مبررة]: تحمل أسباب قيامها، وأسباب دوافع القيام بها .
ب- أن تكون [منطقية]: بمعنى غير مفتعلة، ولا تدخل ضمن مفهوم (الحركة من أجل الحركة) .
ج- ان تكون [ذات هدف]: أو[أهداف]، ولا تقوم الا لاشباع رغبة .
ان تصميم الحركة ينظم عمليات تنفيذها في : الدخول ، الخروج ، الاقتراب ، الابتعاد ، الوقوف ، الجلوس، ..... الخ . وهذا لايمكن ان يتم ما لم تتوافر في القائمين على التصميم والتنفيذ من [ مخرج وممثلين ومصممين واداريين وتنفيذيين وغيرهم ] قدرات : ادارية ، قيادية ، تفكير ، تنظيم ، والقدرة على التعبير بالعناصر ، الأفكار ، الأفعال ، العواطف ، والمشاعر ..... وغيرها .
ان اهمية الحركة لا تأتي من خلال قدرتها على بث الروح [ الحيوية ] في الصورة الثابتة فـ " الصورة لاتبقى ثابتة خلال الفصل الكامل ، لكنها تتغير قليلا بتغير الانعكاسات العاطفية للشخصيات الرئيسية .... وقد يتغير معنى المشهد نتيجة لتغيير طفيف في الصورة "(6).

* الهدف : ومعناه: هو ما يهدي الى الطريق الصحيح . ومن الخطأ أن نفكر في [النتائج] بدلا من التفكير في [الافعال]. ومن سلسلة الافعال التي توصل الى الاهداف بانواعها ومن ضمنها [الهدف الأعلى] .واذا تجنبنا [الفعل] واتجهنا الى [النتيجة] مباشرة، كانت نتيجة التمثيل زائفة ومصطنعة. ومن الاخراج تتحقق القاعدة الهامة فيه [لا تتحدث عما يظهر .. ولا تكشف عن ما هو قادم] .
* الاهداف : هناك سلسلة من الاهداف المسرحية، ولكن ليست جميعها أهدافا ضرورية، بل هناك الكثير من الاهداف الضارة، علينا تجنبها، واختيار الاهداف الصحيحة التي توصلنا الى [الهدف الاعلى] .
* الأهداف الضرورية هي :
1. المرتبطة بالممثلين .
2. النابعة من شخص الممثل .
3. ان تكون اهداف فنية وخلاقة .
4. ان تكون حقيقية، حية، انسانية .
5. ان تكون صادقة، يتفق على صدقها الفنان والمتلقي [الجمهور] .
6. ان تتسم بالقدرة على اجتذاب وتحريك المشاعر .
7. ان تكون واضحة، ومستوحاة من الحياة، والظروف المعطاة في المسرحية والدور .
8. ان تكون الاهداف ذات قيمةن ومضمون يتناسبان مع الحقيقة الداخلية للدور .
9. ان تكون اهداف فاعلة تدفع بالعرض المسرحي والممثل الى لامام، ولا تدعه يتوقف عن الحركة فيركد. تما مثل البيت الشعري التالي:
اني رأيت وقوف الماء يفسده، ان
سال طاب وان لم يسر لم يطب
ولابد لنا من ان نضع نصب العين بان : الفرق بين [النص] و[العرض] هو في [مادة التعبير] .
• الحركة [ تغير ] أسس التكوين . أو التوزيع للصورة الاصلية.
• الحركة [ تثير ] قيما جديدة غير القيم التي يثيرها ثبات الصورة.
• الحركة [ تمتلك ] أهمية في التأثير على خلق الصورة الجديدة المتجددة والمعبرة.


• [الصوت] وفق التعريف الفيزياوي : هو سلسلة من التضاغطان والتخلخلات، تنتقل في الاوساط المادية كـ [الهواء] مثلا، وتتحسس بها الأذن البشرية.
_ تردد الصوت المسموع ـــ من20ـ20.000 هزة .
_ لتوليد الصوت وانتشاره يجب توفر شرطين هما 1.مصدر مهتز .
2.وسط ناقل .

* تقسيم العمل :
لكل عضو من فريق العمل (دوره) على المسرح ان كان مرئيا كـ (الممثل) أو مخبوء خلف جهده المرئي في (الاضاءة الملابس الديكور الالوان الاكسسوارات..وغيرها) أو مخبوء خلف جهده المسموع في (الموسيقى والمؤثرات..وغيرها من المسموعات). كل تلك الجهود تصب من اجل الوصول الى (الهدف الاعلى) من خلال سلسلة الاهداف المتنوعة. اذن كل الجهود المسرحية هي جهود جماعية ولا مجال للجهد الفردي بدون الجماعة – وحسب كارل ماركس - فان "تقسيم العمل الذي يجعل من الانسان أحادي الجانب مما يجعل الانسان والمجتمع ضدان" .

• الصراع :
ينبثق الصراع من مفهوم الضدين كـ (الخير والشر ، الابيض والاسود ، النقيض ونقيضه ... والخ) مثل صراع : الأفكار، والمعاني، والاهداف، الفنان(المسرح) والجمهور( القاعة)... وغيرها، بمعنى : ان لغة الحياة والمسرح تتفجران تحت وطأة (الصراع، والتوتر) .

• الايقاع :
ومعناه : ان يكون (الكلام والحوار والشخصيات والمشهد والفصل والمسرحية) ذات وزن متساو في (الزمان والمكان) بشكل فني.

• الحوار : وبغض النظر في ان الكلمة تقتل المسرح _كما كوردون كريج_ ، أوان الكلام ليس من أدوات التعبير في المسرح، ومن ثم لا مكان له في المسرح _كما انتونين آرتو_ . فالحوار بالنتيجة _الذي تموت حروفه بعد نطقها_ لابد له من مصاحبة المشاعر، ولغة الجسد، والا سيصبح بدونهما ناقصا لا معنى له، وسوف لن يؤدي أغراضه بمعزل عنهما .
• الوزن : هو التساوي .
أي ، [أن يكون له عدد ايقاعي] .
[ان كل جملة منه تكون عبارة عن قول مؤلف من أقوال ايقاعية] .
[ان زمان القول ، مساو لعدد أزمنة الاقوال الاخرى] .


الخطة الاخراجية
ومثل ما للبحث الادبي – الاطروحة او الرسالة – خطة يسير على هديها الباحث – طالب الدراسات العليا – ، كذلك لـ [ المخرج ] يجب ان تكون خطته الدقيقة الواضحة التي يسير على هديها عبر سلسلة من الافعال المتصلة والمتغلغلة وصولا الى [ الهدف الأعلى ] للعرض المسرحي. أو بصيغة اخرى من أجل ايصال أفكار العرض التي هي [ فكر المسرح ] ونعني به : هي ما أراد المؤلف + المخرج + كامل فريق العمل = ايصاله الى الجمهور[فكر القاعة ] ، أملا في ان يلتقي الفكران .
الخطة الاخراجية، اذن، تبدأ منذ لحظة اكتشاف الافكار الهامة الاساسية، والهامشية ايضا، التي تلتقي مع تفكيره واهتماماته السلسلة من الافعال المتصلة والمتغلغلة وصولا الى [ الهدف الأعلى ] للعرض المسرحي. أو بصيغة اخرى من أجل ايصال أفكار العرض التي هي [ فكر المسرح ] ونعني به : هي ما أراد المؤلف + المخرج + كامل فريق العمل = ايصاله الى الجمهور[فكر القاعة ]
، تبدأ منذ لحظة اكتشاف الافكار الهامة الاساسية، والهامشية ايضا، التي تلتقي مع تفكيره واهتماما
مستندة – بعضا – مع فكر النص [ المؤلف ]، الواجب ايصالها الى الناس بشكل ملح – كونها هي افكار الافكار السائدة في المجتمع والتساؤلات الباحثة عن اسئلة والبحث في الخلاص عن المخاوف – وعندها يبدأ التفاعل بين الافكار حد الامتزاج والتماهي التام ، ليبدا بعدها ايجاد الوسائل التي من شأنها التوصيل . حيث تبدا المقترحات التي من شأنها ذلك ، وفي كل قراءة هناك مقترحات وهناك تطوير في الشكل لمرات عديدة ، تستقر بعدها لتتبلور الى الصيغة شبه النهائية ، لتكون الخاتمة المستقرة للافكار – شكلا ومضمونا – على خشبة المسرح امام الجمهور . وعندها يقف المخرج على اهمية ودقة قراءته عندما تجد صداها من الجمهور او لا تجده او عندما تتفاوت نسبة الاستقبال ، وفي مختلف انواع التقبل تكون الحالة صحية . يتمكن الخرج خلال ايام العرض من التعديل او التبديل وفق المتغيرات اليومية . ويستمر الحال بالتعديل والتبديل حتى اخر يوم من ايام العرض امام الجمهور . وهناك العديد من المؤلفين – المخرجين منهم على وجه الخصوص – يستقر لديه النص مع العرض الاخير فيقوم بطباعته ليكون نصا مسرحيا مجربا بحق.
وكما ان للبحث الادبي – كتابة الرسالة او الاطروحة – خطته التي يسير على هديها الباحث. كذلك فان للمخرج، يجب ان تكون له خطته التي يسير على هديها، تمكنه من السير بسلام ودقة ووضوح عبر سلسلة متشابكة ومتصلة من الخطوط المتعددة، هدفها تحقيق [ فكر المسرح ] للعرض المسرحي وايصاله الى الجمهور او كما نتعارف عليه بـ [ فكر القاعة ] وهو [ الهدف الأعلى ] الذي يسعى المخرج والعاملين الى الوصول اليه. وخطة المخرج، تبدأ منذ لحظة الكشف عن الافكار الهامة في النص التي تلتقي مع فكر المخرج وبقية العاملين في العرض. مع البحث عن السبل التي تعتبر الوسيلة الأمثل في ايصال العرض الى احسن حالاته.
الخطة الاخراجية –اذن– هي جهود طويلة الامد ، لابد من ان تدرس ويهيأ لها بعمق وعناية، لتنفذ على دفعات. فالخطة تمتلك – استراتيجيتها – و – تكتيكها – ولا يمكن لها ان تؤدي اغراضها بمعزل عن جهود كل فريق العمل التي من شأنها ايصال الافكار والتأثيرات الفنية والفكرية والجمالية والفلسفية الى الجمهور ، وفي هذا نجاح اكيد لعمل الخطة الاخراجية. ولكي نتعرف على مدى نجاح الخطة الاخراجية ، يتوجب علينا ان نطرح السؤال التالي :
• متى نبدأ بالتجسيد العملي للخطة ؟
ويكون الجواب في : عندما تبدأ المسرحية بالحركة في الاذهان المنفذة بعد قراءتها ، وعندما تبدأ في شحذ فكر المخرج وتحفيز خياله الذي من خلاله يبدأ الانطلاق نحو التجسيد. فبدون الخيال لايمكن ان يكون ثمة ابداع لا في الحياة ولا في الفن . عندها سيتمكن المخرج من رؤية الذي يريده في النص. الامر الذي يمكنه بعدها من معرفة النتائج التي يستطيع بعدها معرفة حتى النتائج التي ستؤول اليها افكاره في المسرحية وما سيوصله اليه خياله كي يستقرأ نتائج العرض أو ما نطلق عليه اصطلاحا [ مستقبل العرض ] .
ان الوصول الى التجسيد الفاعل والدقيق، انما يتم بفعل الدراسة الطويلة الهادفة لاجل ايجاد صورة العمل الذي احتلت خيال المخرج والتي بدونها يستحيل الابداع. ان الكشف عن دواخل النص بعد قراءته اخراجيا قد تثير مشاكل الى المخرجين عليهم الخروج منهاباكتشاف ملامحها في المضمون والشكل والايقاع. وعندما ينتهي المخرج الى هذا الوضوح يبدأ بالعل على خلق الصور بايقاعاتها المختلفة، التي ستنساب بشكل منتظم ووفقا لاشكال متغيرة ومتوازنه تنظم الصراعات. فيبدأ المخرج بالتوجيه والتنظيم للصراعات : مهونا حينا، مقويا، محطما، وخالقا بالتالي الصورة التي يكمن فيها المضمون والشكل اللذان يوصلان خطاب المسرح الى الجمهور.

• الحقائق الثلاثة التي يستند عليها عمل المخرج .
ان عمل المخرج يكمن في امتلاك الحقائق التالية:
أ‌- التفكير ، في توحيد الجهود ضمن وحدة فنية واسلوبية وعضوية واحدة في تنفيذ مكونات العرض المسرحي.
ب‌- قيادة الفريق المسرحي، وعموم العاملين على تكوين العرض المسرحي.
ت‌- تنظيم عمل الفريق، وفق خطة ابداعية موحدة لجهود العاملين.
ان توحيد تلك العناصر، متعددة الايقاعات والعمل على ان تكون منسجمة في مكوناتها الموضوعية وترتيبها، املا في الوصول الى التكامل الفني. على ان نعرف بأن العرض الذي يفتقد الى الانسجام [الهارموني] في المضمون والشكل، يعتبر العرض هابطا لا محالة.
ان التميز في الاسلوب بين مخرج وآخر مسألة لابد منها، وان المخرجون متنوعون كما الممثلين متنوعين، وان مهمة المخرج تكمن في الكشف عن الجوهر الابداعي الذي أسس له النص حين اعطاها الكثير من الافكار والاحداث المهمة منها والهامشية. وترك المهمة الاساس على عاتق المخرج ، وهو الي يفرز منها الحيوي المتفق في موازينه ليعمل على تطويره والنهوض لايصال افكاره الى الجمهور – الذي يعيش وسط التأثيرات الكبيرة والكثيرة وسط الاحداث التي تمر امامه فتسرع من ايقاعه او تبطئ حسب الحالة المطلوبة، ولأن الحياة اصبحت معقدة، اصبح معها ضرورة الاختصار بالخطاب المسرحي. اذ اصبح من المستحيل معها ان تكون المسرحية من خمسة فصول كما كانت عليها المسرحيات في السابق. ان التغيير في الايقاعات بين مسرحيات اليوم والامس، هو بسبب التغيير في ايقاعات العصروما يفرضه هذا الايقاع على كل مجريات العصر ومنها المسرح. وبما ان المخرج هو (مرءآة الممثل) الذي من خلاله يصل العصر الى محاكاة الواقع والمجتمع. وبما ان الممثل هو (المؤلف لقرارات المخرج) وليس منفذا او ناقلا غير ابداعي له عليه ان يكون امينا في التوصيل وان يكون لبصمته سماتها مثلما للمؤلف والمخرج لهم بصمتهم الواضحة.

* اخلاقيات المسرح والتنظيم الابداعي:

وهو المناخ الملائم الذي تتولد فيه حرية الممثل الابداعية. من الطبيعي بان الممثل في المسرح يحتاج الى ظروف من الحرية كالتي يتمتع بها الكاتب والرسام اللذان يعملان في عزلة بعيدا عن التأثيرات الجانبية البعيدة عن الابداع. هذه الحرية التي يجب ان يتمتع بها كل فرد من فريق العمل تعززها التجربة من النجاح والفشل لكل فرد من افراد الفريق المسرحي.
ان اخلاقيات المسرح كما تعارف عليها العاملون في المسرح ومنذ عهد ستانسلافسكي فتعني:[ الاحترام المتبادل بين العاملين، واللياقة في التصرف، مع القدرة على الاحساس بمزاج الاخرين ]. فخاصية التمتع بالاخلاق تتطلب، نكران الذات، وحسن النية، في العلاقة الروحية بين الفنان والناس الذين يعمل معهم، على ان نعرف بأن اخلاقيات العمل الفني لا تنفصل عن التكنيك الابداعي.
• كيف يكون الخيال مبدعا في الحياة ؟
ان الخيال المبدع : هو في لعب التصور المتحفز الديناميكي الجدلي غير الثابت .
ان ثراء الخطة الاخراجية او ضآلتها يتبع ثراء او ضآلة الخيال . وكما نعرف بأن الخيال يرتبط بالمبالغة ، ولولا موهبة الخيال ما كان الفن . وعليه لابد من تدريب الخيال وتنميته مثل اي موهبة في نفوسنا - على ان نعرف كذلك – بأن الخيال يفقد حدته مع تقادم الزمن والسنين . وبما ان الانفعالات والانطباعات التي يتم اختيارها مرتبطة بالحياة ووليدة عنها فهي – بالضرورة – تنهض في وعي الحياة مثيرة وعيها في الايقاع المتدفق . في الافعال ، والتصرفات ، والطبائع البشرية . متجسدة سيميولوجيا من خلال الاشارات والدلالات ، اي انها ترتبط بالظروف المحددة وبالزمان والمكان المحدد ، وفيض الذكريات ومخزونه المعرفي المرتبط ابداعيا في اقتراح اللوحات والمشاهد والصور التي تتشكل منها الخطة الاخراجية ، وهذه العملية – حسب الكسي بوبوف (8) – [ النضوج المعذب ] او [ لحظة الاستنارة الواعية ] وهي اساس التفكير الفني الواعي عند المخرج .
من الاخطاء الجسيمة في الفن ان نتوجه الى النتائج من خلال الطرق الاقصر . بعيدا عن معرفة ، ان عملية التبلور للافكار انما يتاتى عبر الصور الفنية وتسلسلها المنطقي المتتالي ، الذي لا يتحققبمعزل عن [ الصبر] صفة الباحث . هذا النضج المعذب ، هو لحظة الاستنارة الواعية التي تؤسس الى التفكير الذي يجسد العرض المسرحي [ فكر المخرج ] . ان دور الكاتب هنا قد تماهى وتلاشى مع فكر المخرج وكل العاملين على العرض . ان دور الكاتب لوحده سيظل قاصرا وعاجزا عن تحقيق فعله في نفوس الجمهور بعيدا عن المخرج وخطته الاخراجية التي تعكس الافكار بافعال منظورة تطرح. واذا كان [ نص الكاتب ] هو [ القلب ] فان تاليف العرض من قبل المخرج هو [ نبض ] القلب . وهنا لا بد لنا من طرح السؤال :
• بماذا تختلف شاعرية المخرج عن شاعرية الكاتب ؟
ان الخيال يكمن في خيال كل واحد منهما ، ان [ خيال الكاتب ] انما ينطلق من احداث وشخصيات الواقع نفسه . لكن [ خيال المخرج ] يلتهب عندما يلتقي انطباعه مع انطباع المؤلف ، وما ينشا عنه من انطباع الذكريات الانفعالية المعاشة ، التي يعني باعث تلك الانفعالات والمشاعر للمسرحية المقروءة . ومثل ما يرى الكاتب نصه قبل كتابته ، فان المخرج ايضا يرى العرض مجسدا في رأسه قبل عرضه على المسرح . وعليه فالمخرج لا يمكن ان يعطي للعرض صورا ومعالجات غير مجربة وبعيدة عن الواقع الذي كتبها المؤلف وفق الواقع الذي عاشه او تصوره . ان جوهر عمل المخرج على النص المكتوب هو : ادخال فكر المسرح والنظام ، لفوضى المشاعر وطوفانها في النص . الذي سيولد حتما رؤية فنية واضحة للمواقف الدرامية ، وما سيتبعها من التشكيل الحركي والتفاصيل الجزئية من خلال التنيق الفني والدرامي لفضاء المسرح [ السينوغرافيا ] .
• السينوغرافيا في المعنى... وإشكالات التعريف:
اختلف المهتمون في المسرح، حول معنى (السينوغرافيا) وحول تعريفها، فمنهم من اعتقد بأن المعنى فيها يقف عند حدود المنظر (الديكور)، والآخر في الضوء (الإنارة)، وغيرهم اعتبروها الزخرفة وغيرهم في المستلزمات البقية للتكوين الفني للصورة المسرحية وهكذا. ومثلما اختلف المعنى المحدد لها، تعددت التعاريف الكثيرة التي سترد في سياق البحث تباعا. لكني وجدت بعد المرور على أكثر من تعريف، بأن التعريف الأمثل لها هو أن ٍٍ" السينوغرافيا هي فن تنسيق الفضاء ، والتحكم في شكله بغرض تحقيق أهداف العرض المسرحي [.....] الذي يشكل إطاره الذي تجري فيه الأحداث "(9). وهو تعريف واف وشامل ولا يترك الفرصة لأن تنفرد واحدة من مكونات العرض بالمعنى وإنما كل ما يحقق الصورة المسرحية بكاملها أمام المتفرج، وبعكسه ستصبح السينوغرافيا ناقصة بغياب واحدة من مكوناتها. وعليه فأن السينوغرافيا هي "الفن الذي يرسم التصورات من اجل إضفاء معنى على الفضاء"(10) وإضفاء المعنى في وصول الفكرة لن يترك مكونا من المكونات التي تحقق تشكيل الفضاء وتنسيقه إلا استخدمتها. إذن هي العملية الأهم في عمل المخرج على إعداد العرض المسرحي من اجل الوصول إلى التكامل الفني في العرض المسرحي.وبدأ من تحديد المخرج لـنوع المسرح joiner، الذي يؤهل بالشروع في وضع الخطة الأرضية plan ، وما يتبعها من مناظر وضوء وألوان وحركة وإكسسوارات، وكل ما من شأنه توضيح المعالم النهائية المعبرة عن صورة الشكل والتجسيد في الفضاء المسرحي [ ساحة الأحداث ] المفترضة لحياة المسرحية، أو المكان الذي يتم اختياره في استخداماتها في الفضاءآت المتنوعة: [ المدينة ، الملاعب ، الساحات العامة ، العمارات ، السطوح ، المزارع ، السواحل البحرية أو النهرية أو البحيرات ، الشارع ، المقهى ، المعمل ، السجن ... وغيرها من الأماكن المهيأ للفعاليات وأنواعها ]. ولو أن البعض يرى بأن [السينوغرافيا] فن لا يتجاوز فهمه عن حدود الديكور[المنظر]، منطلقين. مبررين ذلك من أن المصطلح الوارد في الدوريات المسرحية الصادرة باللغة الانجليزية، والمستخدمة غالبا في معاهد المسرح في أمريكا وانكلترا. وان الاستخدام الأقرب للسينوغرافيا يكمن في المصطلح [ scene design ] و[ seenichut ] و[ setting ] و[ scenic setting ] وكلها تصب في [فن المنظر](11). إن هذا الرأي وكل ما دار في فلكه من الآراء، لا يمت بصله لمفهوم السينوغرافيا مدار البحث إذا ما عدنا إلى التعريف السابق [ فن تنسيق الفضاء ]. لسبب هام هو أن {فن المنظر} لا يبتعد عن تصميم وتنفيذ وتركيب المنظر [الديكور]، بعيدا عن خدمته بما يجعل منه مضمونا وشكلا واضحين ومتحركا باللون والممثل وبقية مستلزمات من موسيقى ومؤثرات وغيرها . والذي اثار انتباهي في هذه الآراء هو انه اتكأ على آراء تؤيد سيادة استخدام المصطلح الحرفي في تسيد [ فن المنظر] ، وليس المعنى الآخر الذي يعني كما أسلفنا [ فن تنسيق الفضاء ] وفي الفضاءآت على اختلافها. لكن وعلى الرغم من الاقتراب الكبير بين المعنيين القديم لـ [ السينوغرافيا ]، والمعنى الحالي، وكلاهما يبقى بعيدا عن مفهوم [ الزخرفة] بالمعنى الذي نعرفه، إلا أنها قريبة من معنى [ الديكور] أو انه يشكل جزأ من تكوينها. على أن نعرف من أن العديد من مصممي الديكور يؤكدون من أن السينوغرافيا ، والديكور ، فنان مستقلان عن بعضهما ، وكل واحد منهما فن قائم بذاته، كما أنهما لا يلغي احدهما الآخر ، والذي يمارسهما يلمس الفرق بوضوح ويتأكد من الاختلاف بينهما.
[ السينوغرافيا stenographic ] باعتبارها مصطلحا – في البدء كان يونانيا - و" معناه كل مايتعلق بالرسوم المتواجدة على خشبة المسرح "(12). ورغم الاعتقاد السائد بقوة في أن المصطلح اليوناني هذا لم يكن يقتصر على المناظر وحسب، وإنما تعداه إلى حركتها – المناظر - مع بقية العناصر المكونة لشكل العرض المسرحي كاملا، بدءا" من [ المضمون، وما يتبعه من حركة الممثل، ومستلزمات التنسيق لصورة الفضاء المسرحي. والذي ينطبق على سينوغرافيا المسرح ينطبق على غيره من سينوغرافيا الفضاءآت الأخرى، مارة الذكر. صحيح أنها جميعا ولدت من رحم [فن الزخرفة]، وإنها اشتقت من الكلمة اليونانية skenegraphein والتي تعني: تجميل واجهة المسرح skein بألواح مرسومة، عندما كان المسرح [ خيمة ] أو [ كوخا من الخشب ]، ثم [ مبنى ](13). و- أنا – اتفق تماما مع هذا المعنى لسبب غاية في الوضوح، وهو أن التقنيات الحديثة - المستخدمة الآن - لم تكن معروفة بعد في الفترة الرومانية وما تبعها من حقب، وإنما تدرجت في التطور لتصل إلى ما تعارفنا عليه اليوم بـ [ فن الديكور ]. ومن خلاله ما حصل من تطورات لتصل إلى فنون [ السينوغرافيا ] بمفهومها الحالي والذي نعرفه: [ فن تنسيق الفضاء ]، - حسب معماريو عصر النهضة أيضا – أو كما أطلقوا عليه [فن المنظورات](14). وقد برزت موجة في فرنسا، نهاية العقد الأخير من القرن العشرين، نزعة أخرى ثار أصحابها على كل المعاني القديمة فأطلقوا على حركتهم تسمية [ انفتاح السينوغرافيا ] ، وتعني " تطبيق ما يتصل بخشبة المسرح في مجالات أخرى غير العرض المسرحي. فبشروا بـ[ سينوغرافيا المعارض ] و [ سينوغرافيا الأحداث الهامة ] و[ سينوغرافيا المناسبات والاحتفالات ]"(15). والتي تهدف إلى "عمارة الفضاء. وخلق إطار معين وتحديد فراغ ما، وإضفاء طابع معين على مكان ما، من اجل شخوص معينة وحكاية ما، وصياغة وجهة نظر أو أكثر"(16). إن استخدام كل الوسائل والمستلزمات الواجب تحضيرها بما يحقق الصورة المثلى لتنسيق الفضاء في شكله ومضمونه قبل التحضيرات التركيبية لها، كي يعرف العاملون – من مصممين ومنفذين وفريق عمل - كيف يتصرف كل منهم في الحيز المخصص لواجبه وإبداعه ضمن مكانه المخصص له في السينوغرافيا ضمن مكانها المقرر المسرح أو أي مكان آخر كان. على أن نعرف بأن أهم المتحركين في كامل الفضاء المنوي تجسيده هو [ الإنسان ] في الفضاءآت خارج المسرح، أما الإنسان المقرر في فضاء المسرح فهو [الممثل] الممتلك لأدواته والعارف بنوع العلاقة التي تجمعه مع كل واحدة من تلك المستلزمات ومنها العلاقة مع الممثلين، وما يحيط به من الكتل الديكورية ومصادر الضوء وما يرافقها من ألوان تحدد نوع تصرفه في فعله وحركته ، وبضمنها المتفرج الذي يتلقى الخطاب المسرحي يدخل ضمن سينوغرافيا المسرح . بل وكل ما " يشير إلى تنسيق كافة العناصر الداخلة في الإنتاج المسرحي ضمن فراغ محدد هو المسرح "(17) وقاعة العرض وخارجها ، فهي جميعا تدخل ضمن الجو العام الذي يتحكم بالمزاج العام لكل ما يدور في فلك الفنون الدرامية. فلا يقتصر فعل السينوغرافيا على ما فوق خشبة المسرح وحسب ، وإنما يتعداه إلى ما هو خارجها أيضا ، بل وفي الفضاءآت المتعددة ومهما كان حجم فضاءها سواء كان ذلك الفضاء ضيقا حينا أو متسعا في أحايين أخرى . حيث ينشط في استثمارها [ السينوغراف ]: الرجل الخبير بالرسم والتصوير والنحت والعمارة والمنظور، الذي يبتكر ويصمم وينفذ ما يتاح له من أشكال معمارية فنية وكل أنواع الديكور اللازمة للمسرح"(18) وغيره من الفضاءآت التي مر ذكرها . فهو – السينوغراف – أو – المخرج - الذي يمارس عمله على إيجاد الخطاب المناسب – وفق رؤيته – كي يبثه إلى المتلقي ، من خلال تلك الفضاءآت، ومن خلاله يلعب دوره الذي يريد . وبالتالي السينوغرافيا : كأي فضاء حي دائم التبدل والتنوع ، تماما كما الحياة الواقعية الدائمة الحيوية المتغيرة في تحولاتها المتعددة والمنطقية للأشياء ، بل وحتى اللامنطقية منها أحيانا. والمسرح الذي يخضع للتغير وفق التطورات الحتمية في الحياة ، وفي حركة الممثل المتنقل دوما بين الأجزاء والمحرك الديناميكي لفضاءآت العرض. وهذا لا يمكن له أن يحصل إلا في لحظات ثبات الرؤية الفنية في وحدة فنية وأسلوبية للصورة المكتملة وما يليها من الصور في سياقات التطورات الديناميكية الدراماتيكية للحياة والمسرح ، تماما مثل حركة [المتواليات المنطقية] والمحكومة بقوانين التطور الاجتماعية. وهنا حيث تتدخل ضمن عمليات التكوين ، في الهدم والبناء ، قوانين : [ الكتلة ، والحركة ، والزمن ] مع الاستخدام الأمثل : [ للضوء ، والظلام ، والمؤثرات الصوتية والصامتة ، وما يلحق بها من الملابس على اختلافها ، وما يتخللها من الالون ]، في الفسحة التي تمنحها مكونات فراغ الفضاء من : [ الارتفاع والعمق والعرض ] . وهي المستلزمات التي تساعد الإنسان - الممثل في المسرح ] إلى امتلاك الأجواء في إتقان فعله المسرحي، في تأثيراته العاطفية والنفسية والجمالية، والتي تحقق الإيقاع – نبض الحياة الطبيعية أو المصنوعة، التي توصل الخطاب المطلوب في أحسن صوره. إن في فهم تلك العناصر المكونة للعرض – مجتمعة - كفيلة بخلق صورة السينوغرافيا التي نريد في الحياة أو على خشبة المسرح . وعليه فان الحركة في المسرح وتحريك كامل أجزاء الفضاء ، هي : [ صورة التشكيل الحركي ] أو ما نطلق عليه اصطلاحا [ الميزانسين في حالة الفعل ] .
والسينوغرافيا فن مركب – كما أسلفنا - ويمتلك التعددية في المعنى أيضا . فهو الجامع لكل الفنون وهو احد تعريفات المسرح الذي نطلق عليه مصطلحا [ أب الفنون ]. أو هو نتيجة حتمية لجمع شمل كل الفنون في تركيبة واحدة نطلق عليها [ العرض المسرحي ] ، في وحدة أسلوبية وفنية بقيادة [ السينوغراف ] أو [ المخرج ] – الرجل الأهم في المسرح – فهو المفكر ، والقائد ، والمنظم لكامل العميلية في تنسيق الفضاء ، والذي لن يستغني عن جهود المحرك لكل أجزاء السينوغرافيا ، ومكوناتها [ ألممثل ] ، في وحدة متجانسة ، وكل لا يتجزأ . والذي ينطبق على سينوغرافيا المسرح وتنسيق فضاءه ، ينطبق كذلك على الفضاءآت الأخرى – مارة الذكر - المراد تحريكها في السينوغرافيا. وعليه فإن أي تداخل بين عمل [السينوغراف] - إذا ما أفردنا له عملا في العرض المسرحي – يتعارض تماما مع عمل [ المخرج ] في المسرح وربما في مجالات العمل المرئية كافة – لن نخوض في نقاشها لأنها خارج موضوع بحثنا- . وبالتالي فان من يقترح وضع السينوغرافيا المسرحية هو [المخرج] حتما وليس الـ[ سينوغراف ] ، وذلك بعد دراسة علمية مستفيضة لكامل احتياجات شكل المضمون المراد تجسيده . والتي تعني في الإخراج: [علم المرئيات والمسموعات] للخطاب المبني على دراسة وافية التي تلبي حاجات المتلقي الاجتماعية وما يتبعها من إجابات لتساؤلاته وفي البحث عما يخلصه من مخاوفه في الحياة المحفوفة بالكثير من المخاطر. ولكي لا ينشأ الخلط بين عمل الاثنين [المخرج والسينوغراف ] لابد لنا من الاستغناء عن واحدة منها وبالتأكيد هي وظيفة – السينوغراف – للتخلص من التداخل في عمل الاثنين معا في المسرح . على أن نتفق على أن في التفريق بينهما ، لا يعني الاستغناء الكامل عن دور[ السينوغراف] في بقية الفضاءآت التي مر ذكرها حيث ستحقق هناك نجاحها الأكيد غالبا ، لكنها لن تستغني في النهاية عن مكملات المشاهدة بالاستعانة ببقية الفنانين – كما في المسرح - بإضفاء اللون والضوء وحركة الناس – من غير الممثلين - في الفضاءآت الأخرى البعيدة عن المسرح.معزولة عن وظيفة المخرج في المسرح، إذا ماتم الاتفاق عليها وممارستها – كدور معزول – له خصوصيته في صناعة العرض، ستعزز النقاش.
تتنوع السينوغرافيا في المسرح بتنوع الفضاء المسرحي الذي تقدم فيه العروض المسرحية من شكل الفضاء ونوعه ، فهناك الفضاءات المستوية والعلبة والمسارح المقوسة والدائرية ، وكذلك سعة الفضاء وضيقه ، كأن يكون ساحة عامة أو معمل أو مقهى .. وغيرها . كما في تجارب بروك واستخداماته لفضاءات بعيدة كل البعد عن مسرح العلبة الايطالية ولنا في تقديمه لأحد عروضه على ساحل البحر مثلا في مشاركته ألمعروفه في مهرجان شيراز في إيران . أو في تجربة ماكس راينهاردت ، حين قدم مسرحية ( حلم منتصف ليلة صيف - شكسبير ) التي قدمها على مسرح دوار. والبطل في اختيار الفضاء هو المخرج حين يقترح المكان الذي يعتقده مناسبا للمضمون الذي يشتغل عليه ، ويقوم بتدريباته فيه. وهي في كل الأحوال ليست من اختيارات الفنان التشكيلي أو المعماري أو [ السينوغراف ]. ولا نستبعد استعانة المخرج بهم لأغراض تحقيق الانسجام harmony في المنظور التشكيلي، وليس ابعد من ذلك. على أن نعرف بان السينوغرافيا لا تقدم أكثر مما يشاهده المتفرج من تلقاء نفسه حين تستهوية لحظة إبداع تتفق مع استقباله والتي تثير دهشته، للجزء المرئي من كامل السينوغرافيا وليس كلها – أحيانا – كما في الكاميرا التي تلتقط الجزء الهام من وجهة نظر الفوتوغرافي -. إذن [المثير] هو الذي يلعب الدور الهام في المشاهدة، سواء في الفضاء الواسع أو الضيق على حد سواء، وقد لا يثيره شيئا من ذلك الفضاء ، وهو ما نطلق عليه بـ [ موت السينوغرافيا ] أو فشلها. والسينوغرافيا المبدعة التي تحقق الدهشة، تأخذ بنظر الاعتبار ماتم عمله من قبل خوفا من السقوط في التكرار أو التقليد . والسينوغرافيا واحدة من ثلاث وسائل للرسم في البناء المعماري – مسرحي وغيره – وهي:
1) التخطيط الأفقي.
2) التخطيط العمودي.
3) السينوغرافيا، في بقية مكوناتها.
وهي هنا " تصوير لوجه من وجوه المبنى، والواجهات المتحركة التي تسمح بالحصول على تصور كامل عن مظهر المبنى النهائي عن طريق الحيل البصرية "(19). والحيل البصرية هنا هي ما يضفي على الواجهة من ضوء ولون ، وعليه فهي تأكيد كبير على إن السينوغرافيا هي ليست [ المنظر ] وحسب. والاختلاف في وجهات النظر حول مفهومها إنما تؤكده الممارسة لوحدها ، وهي الكفيلة التي تحسم الخلاف وفقا لتجربة كل فنان . فما جدوى من تأسيس الشكل المنظري المتكامل في ظلمة دامسة ، خالية من حياة الممثل التي تحركها؟ ومن بقية المستلزمان التي تحقق فيها المشاهدة الفنية ذات المتعة الحسية العالية.
وفي المحصلة نستنج بأن [ السينوغرافيا ] بالنسبة إلى المعماري: هي تصور المظهر التشكيلي الخاص بالحيز الذي يقام عليه العرض مدينة أو ساحة أم ملعبا أم واجهة لبناية ..وغيرها . تماما مثل [ خشبة المسرح حين يعمل على تنسيق فضاءها فنيا [ المخرج]. فـ [ السينوغراف ]: هو مقنن المهمات والمواد التقنية التي يحويها المكان. و [ السينوغرافيا ]: يجب أن تستوعب مكانا فيه: حكاية، وشخوصا، وصياغة. أو باختصار شديد هي: [ إضفاء معنى للفضاء الذي نختاره للعمل ]. وهي منذ المخرج الأول في المسرح الحديث [ ساكس ما يننغتن ] في[ ألمانيا - برلين في 1 مايو 1874 ] الذي دعى إلى" إخضاع المناظر والإضاءة والملابس والماكياج والملحقات الأخرى إلى جانب التمثيل والتخطيط الكامل ، وكلها تجتمع في إطار التأثير العام "(20).

• الجو العام :
ويتولد من مجموعة الاحداث الرئيسية التي يتشكل بواسطتها العرض المسرحي، ويتكون بواسطتها العرض المسرحي. وتتكون من خلالها ايقاعاته، والجو العام، يرتبط بعلاقة وثيقة مع خط الفعل المتصل. ومثل ما ان لكل حدث في حياة العمل تكوينا جديدا مغايرا للحدث السابق وما يتبعه من احداث، فان شكل كل حدث يجب ان يختلف ايضا عما سبقه وعما سيلحق من احداث. من حيث نوع التعبير الصوتي والجسماني. وكل تعبير جديد يحكمه منطق حركي وفق [قانون الجاذبية] الذي يقربني من الشئ الذي أحبه، ويبعدني عن الشئ الذي لا احبه، ويمكننا ان نسميه :
• من الشئ.
• الى الشئ.
الامر الذي يحقق جوا جديدا يختلف عن الجو الذي يسبقه والجو الذي يليه. متفاوتا ومتباينا في شحنته الايقاعية من حيث الشدة، أو الضعف في [الأيقاع]، وهي نتيجة حتمية تنشأ :
1. من نوع العلاقة بين اطراف الصراع.
2. من نوح الحديث الدائر في شدته وقوته ونوع النبرة في الكلام.
3. من المحيط الذي يحكم تلك الاطراف.
4. من نوع التفكير الذي تتمتع به الشخصيات.
5. من الحالة النفسية السائدة.
6. الحالة الجسمانية .
7.من نو الافعال والتصرفات والشخصيات ..... الخ .
اذن فكل حالة وكل حدث درامي يخدم التكوين السابق يكتسب اهيته من وجهة نظر الفنان ، لتختلف من حيث شدتها وخفوتها . لتكتسب عنها في الشدة وعدمها والشفافية والقتامة والحرارة والبرودة، ويورد الكسي بوبوف مثالا على نوع الجو ، وكيفية اعمال الخيال من حيث نوع الحدث وطريقة سيره والنتائج التي سيؤول اليها، فهو يقول :
" – عندما نقرأ مسرحية [المفتش العام] لـ [غوغول]، تترآءى لك الأحداث وكأنها في
مدينة احترقت وشحب لونها."().
لكن فنان آخر يرى فيها جوا آخر يختلف في الرؤيا والتصور الذي شاهده [بوبوف]، وسبب الاختلاف يعود الى التباين الموضوعي بين الاول والثاني من حيث الوعي والثقافة، وكذلك من حيث نوع الاستقبال والقراءةوالحالة النفسية التي تدخلت في نوع القراءة لـ[حياة المشهد] . فالفنان اذن ينظر الى الحياة في المشهد من منظاره الخاص الذي لا يمكن لأي انسان اقتحامه. أما الاحساس بالجو فيمكن ادراكه في اي مسرحية بسهولة لقرب المقترحات لما يماثلها من الحياة الواقعية، فالقرب من الواقع المحيط، والمعرفة الدقيقة بقوانين التطور الاجتماعية التي تحكم الحياة، ونتائج تلك العرقات، وما تفرضه من اجواء على اختلاف انواعها، وارتباطها الزماني والمكاني، الذي ينشأ وفقه الجو العام، فينشأ نتيجته :
• ايقاع الحياة.
• تباين السرعة الايقاعية.
• الحالة الجسمانية والنفسية لمصادر الايقاع.
• طبيعة الاصوات المحيطة بنا: البشرية، وغير البشرية.
• الحركة النهائية الناتجة بفعل تلك الحوافز.
وعند العودة الى الحياة سنكتشف بأننا لا نستطيع ان نتخيل الحياة بدون مكملاتها. أي اننا عندما نريد التعمق في التفاصيل المكونة لجوانب العرض المسرحي، لابد ان نلاحظ الحياة بدقة، وعند العودة الى الحياة سنكتشف بأننا لا نستطيع ان نتخيل عملية جراحية من غير الجو الذي يميز المكان. فمن غير المعقول ان تكون المستشفى من غير[الهدوء الكامل] و[رائحة الدواء] و[اللون الابيض] و[الحركة الدقيقة والمحكمة]. وبعكس ذلك ستنعدم القناعة عند المشاهد في ان الجو العام الذي يقدم فيه المشهد هو جو المستشفى .



نماذج من المخرجين :
* أندريه أنطوان: ANDRE ANTOINE 31/1/1858 – 19/10/1943
ممثل ومخرج ومدير مسرح ، وواحد من أهم المبدعين في فرنسا، ينتمي إلى أسرة من طبقة العمال . بدأ العمل في فرق الهواة . اعتبره المعنيون مصلحا للأساليب المسرحية القديمة في فرنسا نهاية القرن التاسع عشر . أسس ( المسرح الحر Theatre libber ) في الثلاثين من مارس عام 1887 على غرار المسارح التي أنشأت في كل من ألمانيا وإنجلترا التي استمر عملها حتى عام 1896 . كمالم يتقيد بأساليب المسرح البائدة و السائدة آنذاك وانما ارتبط بتعاليم المذهب الطبيعي عند ( أميل زولا Emil Zola ) . لقد تعرف انطوان على أساليب مسرح الإصلاح وخاصة تقنية تشكيل مشاهد المجامع , واعتبره المؤرخون : واضع أسس مدرسة جديده في المسرح ,تبحث عن الصدق وتؤمن بأن العمق يكمن في بساطة العمل الفني لا في تعقيده ، هذه المدرسة كانت تتجنب كل ما يدعو إلى التصنع والمبالغة . قدم المسرحية الواقعية ، وأخرج للمؤلفين : هاوبتمان ، سترندبرج ، تولستوي . حاول أن يقرب المسرح من الحياة كحقيقة معاشة ، ولم يمنعه ذلك من استخدام الرمزية والشمولية في المنظر المسرحي ، والاهتمام بالطرازية والمشاهد الجماعية في المسرح. أسس مسرحه الخاص (مسرح أنطوان Theatre Antoine)في عام 1897، وعاد بعدها ليؤسس مسرح ( ألأوديون ) .كما أخرج عددا من الأفلام أهمها : عمال البحر المهرة –1917 .


* أدولف آبيا ( ADOLPHE APPIA 1/9/1862-29/2/1928
" انتهت مرحلة الخبره في مهنة الإخراج المسرحي.
ولم تعد المهنة تتطلب الذوق أو المزاج فقط . بل
دخلت في طور التعريف والتحديد ." (آبيا)
هو , من اصل سويسري , كان مهتما بالمنظر المسرحي , منظر , درس في فرنسا . عمل مع فاجنر ,وجاك كوبو , اهتم بالموسيقى . يعتبر مهنة الإخراج مهنة البحث الدائم في الحياة من اجل بث الروح في حروف النص الساكنة . والذي ينظم زمان تلك الحياة ومكانها ويخلق لها مبررات كونها الفني هو المؤلف . أما الذي يبعث النبض فيها ويحرك أجزائها فهو الممثل . هذه باختصار معادلة العرض المسرحي عند ابيا , الذي دعى إلى التزاوج بين فنون المسرح كافه . وقد حددها المعالم الداعية إلى ضرورة امتزاج المناظر والاضاءه والتمثيل والموسيقى وبقية العناصر في وحدة عضوية.

*إدوارد جوردون كريج EDWARD GORDON GRAIG
16/1/1872- 29/9/1966
مخرج ومهندس ديكور وممثل إنجليزي . ابن الممثلة الانجليزيه ايلين أليس تيري (27/2/1847-21/7/1928 ) . أبوه كان ممثلا أيضا مثل وهو في الثانية عشرة من عمره , واستمر يمثل حتى تخصص في تمثيل أدوار المسرحيات الشكسبيريه . أهم الأدوار التي مثلها كانت : هاملت , ما كبث , مالكو لم , روميو , عطيل … وغيرها . في عمله الإخراجي اعتمد كريج على التخطيط المسبق لعروضه المسرحية أملا في الوصول إلى بناء الشكل الفني المتفرد . هو مؤسس –المسرح الرمزي النسبي-. وابتدع في الإخراج مفهوم الفن الشامل . ومن وجهة نظره المخرج هو الشاعر الذي ينظم المشاعر على المسرح بصيغة الأشكال التي يقترحها . أما الممثل فهو أداة المخرج التي من خلالها ينفذ أفكاره ألا بداعيه , لها حق تنفيذ ألاوامر وليس لها حق المبادرة . لقد حرك الممثل على المسرح كما تحرك الدمية ( السوبر ماريوت ) وهي كانت فكرته التي تقوم على شخصية خيالية تجمع بين الدمية المتطورة والإنسان . الدمية التي تؤدي مختلف الأفعال والانفعالات والمشاعر دون أن تعكس ذاتها وهمومها كما يفعل الممثل الحي . لقد طبق نظرية –المخرج الديكتاتور- بسبب عدم إيمانه بنوع التمثيل آنذاك و لم تكن ترق له أساليب التمثيل التي كانت تمارس في المسرح الإنجليزي وحتى نفسه في التمثيل لم تكن ترق له هي الأخرى الأمر الذي دفعه إلى ترك التمثيل رغم تدخلات أمه و ضغوطاتها وحتى وساطات برناردشو-الذي كان من أهم أصدقاء أمه وعائلته- لم تجد نفعا وهوما دفعه إلى أن يهجر إنجلترا أيضا , ليستقر في ألمانيا ليعمل مخرجا في مسرح ( أوتو براهم ) . ومن ثم في موسكو التي ذهب أليها بدعوة من ستانسلافسكي ليقدم على ( مسرح موسكو الفني ) مسرحية (هاملت) رافقه فيها (فاختانكوف) و( مايير خولد) مساعدان للإخراج . ومن ثم في الدانمارك – كوبنهاجن في العام 1926 ليقدم واحده من أواخر اعمله إحدى درا مات (أبسن) . إن بيان كريج (الممثل والدمى العليا) عام 1907 أحدث هزة في الأوساط الفنية حتى إن ( الكسندر تاييروف) اتهمه بتفضيل الدمية على الممثل وكان في هذا الرأي شئ من الصحة . إلا انه استمر في عمله مخرجا ومؤلفا حيث بدأهما منذ العام 1896. إن نظرية – المخرج الديكتاتور – ابتدعها كريج واول من طبقها في المسرح انطلاقا من أيمانه من أن المخرج هو الخالق الوحيد- وا لمبدع الأهم في العرض المسرحي مما جعل بقية العناصر تشعر بالحيف وفقدان حقوقها في العمل معه . ومنهم الممثلين الذين كانوا غير سعداء بطريقته هذه وغير راغبين بالعمل معه , فتعاملوا معه كما تعامل هو معهم فكانوا غير مطيعين له وغير منفذين لأوامره فاستعاض عنهم بالدمى ( العرايس ) . ولعل تجربته في إخراج (هاملت) على الورق الدليل الأكيد إلى ما ذهبنا إليه( يمكن الرجوع إلى الموضوع " هاملت بين كريج وبيكاسو "- تجربة الإخراج بالرسوم على الورق لكل من بيكاسو وكريج- ترجمة الباحث ) كما أنه " كتب العديد من الدراسات في مجلته التي أصدرها (القناع) . وله العديد من المؤلفات في المسرح منها (فن المسرح- 1905) و (في فن المسرح) و (نحو مسرح جديد-1912)"() (معجم المسرح – ص89) .

* ماكس راينهاردت :MAX RAINHARDT (9/9/1873-31/10/1943)
مخرج وممثل مسرحي نمساوي , ولد في فيينا . يعتبر واحد من أهم المخرجين في العالم , عمل إلى جانب المخرج أوتو براهم في برلين . رغم انه كان متناقضا معه في آراءه , وقد استفاد من تجربة مايننجن الألمانية في الإخراج المسرحي كثيرا . هو أول من ابتكر مهرجانات المسرح المكشوفة الصيفية عام 1920 . ابتكر الكثير من الفضاءات المسرحية التجريبية منها تقديمه لمسرحية (أوديب) داخل علبة سيرك . هرب إلى أمريكا هربا من بطش النازية , ومات هناك في هوليود.


الهوامش:
1. مجلة الحياة المسرحية، العدد9، صيف 1979، ص55،56 .
2. نفس المصدر السابق .
3. ف.تيريشكوفيتش، ترجمة:ريمون بطرس، مجلة (الحياة المسرحية)، العدد9، دمشق، صيف 1979، ص56 .
4. جورج برناردشو: تعليمات شو للمخرجين، مجلة (فنون المسرح)، القاهرة، عدد أغسطس 1949 .
5. فرانك.م.هوايتنج، (المدخل الى الفنون المسرحية)، دار المعرفة، مطابع الاهرام التجارية، القاهرة 1970، ص307 .
6. الكسندر دين: العناصر الاساسية في الاخراج المسرحي، ترجمة: سامي عبد الحميد، ص220 .
7. الكسندر دين : ص27 .
8. الكسي بوبوف : التكامل الفني في العرض المسرحي ،
9. مارسيل فريد نون : فن السينوغرافيا ومجالات الخبرة ، كراس [ السينوغرافيا اليوم ]، ترجمة: إبراهيم حمادة وآخرون، وزارة الثقافة، منشورات مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي 1993 القاهرة ، ج.م.ع. ص8.
10. نفس المصدر السابق، ص8.
11. سامي عبد الحميد: السينوغرافيا وفن المسرح، بحث قدم إلى مهرجان أيام عمان المسرحية، الدورة الثالثة من 27/3/1996 لغاية 8/4/1996.
12. زينو بيوس: السينوغرافيا، ملحق الثقافة الأجنبية، إصدارات وزارة الثقافة والإعلام، دائرة الشؤون الثقافية للطباعة والنشر، بغداد 1980، ص128.
13. مارسيل فريد فون: ص13 .
14. الياس أنطوان الياس: {القاموس العصري} المطبعة العصرية، ط1، ج.ع.م، 1956.
15. مارسيل فريد فون: ص8 .
16. مارسيل فريد فون: ص8 .
17. لوي دي جانيتي : كتاب ( فهم السينما ) ترجمة : جعفر علي ، دار الرشيد للنشر ، بغداد 1981 ، ص75 .
18. مارسيل فريد فون: ص8.
19. مارسيل فريد فون: ص13.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ...الوثائقي -زيارة-: فيلم عن حراس الذاكرة اليهودية في الم


.. قريبًا.. يمكنك استئجار منزل فيلم -Home Alone- مقابل 25 دولار


.. الكويت تفتتح مهرجانها المسرحي في دورته الجديدة بعد انقطاع لق




.. فنان أميركي يثير دهشة رواد مواقع التواصل بموهبته الغريبة في


.. -أثر الفراشة- تهدي ألوانها لأحياء بغداد المهملة.. وجدرانها ت