الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مخيم الزعتري وشعوب ستبقى ضائعة!!

عبله عبدالرحمن
كاتبة

(Abla Abed Alrahman)

2021 / 8 / 18
مواضيع وابحاث سياسية


في اول يوم عمل لي في مخيم الزعتري للاجئين السوريين في الاردن تحديدا في محافظة المفرق القريبة من الحدود السورية انتهى الدوام قصيرا بسبب الاخلاء. والاخلاء لنا كموظفين يعني مغادرة المخيم على وجه السرعة خوفا على حياتنا. وسبب الاخلاء جاء نتيجة اندلاع الحرائق في عدد من الخيام والتي اقيمت على وجه العجلة لايواء المتضررين الهاربين من الحرب المشتعلة في سوريا. وقرار الاخلاء يأتي بالاتفاق ما بين ادراة المخيم والمنظمات الانسانية العاملة على ارض المخيم. كأجراء وقائي وحرص على حياة العاملين من تهور اللاجئين بأعمال شغب نتيجة ما تعرضوا له من ظروف قاسية نفسيا وماديا ومعنويا ليكتمل بؤسهم بالاقامة بهذه الارض الجرداء خلا الدوامات التي تبدأ بدائرة صغيرة وتأخذ بالاتساع على طول النظر بحيث تصبح حاجزا لانعدام الرؤية يتميز حضورهم باصواتهم لا اكثر. في وقت اندلاع الحريق يصعب حصره في حينها فيكون قرار الاخلاء قبل تقدير الخسائر او نتائجها. في مثل هذه الظروف تستخدم الشرطة الغازات المسيلة للدموع لتفريق اللاجئين خوفا عليهم ومن اجل تقديم المساعدة لمن يحتاجها. عند عودتنا في صباح التالي عرفنا ان الحريق شب في اربع خيام دون خسائر بالارواح. المخيم عند نشوءه كان قبلة للكثيرين من العالم من المشاهير ومن يمكنهم تقديم المساعدة بشتى طرقها لذلك كان الاهتمام بتسييرحاجات كبيرا ومن دون اي تأخير فكل طارئ كان يحدث لاسباب لم يكن محسوب ضرره كان الاسراع بايجاد الحلول المناسبة خوفا من تكرار الخطأ لان مثل هذه الاسباب كانت تمس حياة الناس مباشرة. ذلك النهار لم يغادر مخيلتي ونحن ننتظر الحافلات التي ستعيد كل موظف الى مدينته ونحن نفترش ارصفة الشوارع بعيدا عن المخيم بمئة متر تقريبا. الحقيقة ان الوضع كله لم يكن عاديا، بيدا انه زمان استقامت فيه حياة الالفية الثالثة وما قبل الالفية الاولى بذات الظروف. كنت كأنني اشاهد مشهدا تلفزيونيا من مسلسلات رمضان التي تحتاج الى ميزاينة عالية للتصوير وتحضير مثل هذا البؤس الجغرافي. فقد بدت الجماهير وكأنها تخبرك انهم قد خرجوا توا من غياهب التاريخ، وان وجوديتهم تنبئ عن كونهم من عالم افتراضي قد اندثر، تماما كالارض المغلقة التي حطوا رحالهم عليها، ارض جرداء، صفراء من غير شجر، الغبار فيها يثور زوابع بين الحين والاخر فتتضاعف صفرة الارض فيما تبقي على هؤلاء المنكوبين صفرتهم التي اكتسبوها من الموت الذي هربوا منه بحثا عن الحياة. عن اية دهشة سوف اتحدث والعذاب قد استدل طريقه الى هذه البقعة التي تقاسمت اليأس مع السكان الجدد حتى ارتاحوا لبعضهم دون امل بفراقهما الا بالموت!.
اللغات جميعها فقدت حروفها امام حالة التشرد الجماعية تلك: شيوخ واطفال ونساء ورجال، صراخ وعويل واناس يفترشون الارض وملابس رثة متناثرة هنا وهناك لا اثر لاي مبنى خرساني في هذا المكان. لا عجب اذا كان مسكونا قبل حضورهم القسري بالضباع والحيوانات المفترسة والضالة، بحسب اقوال سمعتها من السكان الجدد الذين يتندرون فيما بينهم بسماعهم أصوات غير معروفة قد تكون اصوات الجنيات.
البؤس غرز عميقا في جذورهم، مثلما انه غرز عميقا في ضمائرنا. الحرب طالت وقضت على كل شيء فيهم. اتحسر على بعض اللاجئين الذين التزموا بوعود قطعوها على انفسهم املا بأن تكون رجعتهم مبكرة ولجوئهم لن يطول.لا ادري كيف لتلك السيدة ان تبقى بثوبها كما اقسمت عندما خرجت به من وطنها حتى تعود به، وكيف لذلك الشيخ ان يبقى خارج خيمته وهو يخاف ان يدخلها ويبقى بها الى الابد. يحلّ التشاؤم وحده دون التفاؤل والامل المزيف بالنصر لم يتمكن من ابقاءهم بمعزل عن الذكريات الاليمة التي حملوها معهم شظايا بالنفس والجسد. الوجع يزداد عليهم وتلك الارض المغلقة تثقل على انفاسهم اكثر واكثر وقد ارجعتهم الى عصر ما قبل الكهرباء والماء. فتوقد فيهم الالم الدائم ونارهم تبقى مستعرّة في صدورهم. قدرهم ان يجربوا ويتعايشوا مع كل حالات الجحيم، فكأنهم هربوا من الموت الى الموت.
مسؤوليتهم اتجاه وطنهم كانت تظهر جلية بدفعهم ابناءهم بالانتماء الى حركات المعارضة التي تعددت لمواجهة النظام اما بالشهادة او بالاسر لانقاذ ما تبقى من شرفهم وعجزهم عن المواجهة بالفرار. احد الشباب السوريين الذين كانوا يعملون معنا كان بائسا ذلك اليوم لان والده اقسم عليه وكان يعمل في دولة الكويت بأن يحرمه من اي مساعدة مادية اذا بقي بمخيم اللجوء يحّمله وزر ضياع سوريا ويطلب منه فداءها. هنا تكمن المأساة وشدة الحزن لان الامل بالنصر قد تضاءل امام تعدد الجهات المتحاربة على ارض سوريا . حتى فقدت بوصلة النصر طريقها امام شدة الاطماع وتكالبت كافة الاطراف المشاركة بالحرب فبدت الاحداث جميعها اكثر تعقيدا واكثر وحشية.
حين تحركت المنظمات الانسانية لترميم ما تم كسره في شخصية هؤلاء الهاربين من الموت كان التعامل معهم اشبه بالمهمة الشاقة خاصة وانهم فقدوا دماثة خلقهم باسلوب الهجوم واتباع خط الدفاع عن النفس ومواجهة الخوف بالعزلة لذلك كان التواصل معهم مهمة شاقة جدا لان اكتساب ثقتهم لم يكن امرا سهلا لانهم اناس عاشوا ظروفا غير طبيعية وكابدوا شتى انواع العذاب لحين وصولهم الى ارض النجاة.
تساورني الشكوك مثل غيري حول الحرب السورية واهدافها ومتى سيكون افولها امرا واقعا لان الصورة بدأت تتجمد على هيئة الدمار الذي يحل ولا يذهب. عندما تتلمس العذاب بكل حواسك تصبح الحسرة اكبر والشعور بالامل ضئيل. كان من الصعب زرع الامل بنفوس اللاجئين الذين عاشوا الالم بكل مرارته من دون هبة تستنهض تحرك كافة الاطراف. انطلاقا من هنا انشئ مخيم الزعتري خلال تسعة ايام فقط من العام 2012 وما زال قائما لغاية الآن كجزء من الاستجابة لحالة الطوارئ التي افرزتها الحرب الاهلية. وقد بدأ المخيم باستقباله 100 عائلة بخيام كانت قد نصبتها المفوضية السامية بالتنسيق مع الهيئة الخيرية الهاشمية التي قامت بدورها بالتعاون مع المنظمات الانسانية سواء دولية او حكومية دون اغفال الجهود الفردية لتقديم المساعدات العينية والمعنوية للاجئين لمساعدتهم في محنتهم لحين عودتهم. وبصورة عاجلة تم اعداد البنية التحتية بتوفير الخيم والكرفانات والمياه والكهرباء والخدمات الطبية اللازمة لاستقبال اللاجئين حرصا منهم على دفع الاذى والخوف من حماقة الحرب التي طالت كل شيء. انه اقل ما يمكن ان يقدم امام حالة التشتت هذه التي استدعت من هؤلاء الناس العُزل ترك بيوتهم ومتاعهم والنجاة بأنفسهم.
نيران الحروب سواء كانت عسكرية او وبائية ستستمر مادام الانسان على وجه الخليقة. للاسف معنى الانسانية تعبير مخملي لا يمكن ان يكون حقيقيا ما دام الحل قائما بأن نتشعلق بطائرات الموت خوفا من الموت وما دام ومادام تفكيرنا معولي او شابهه بأن الحياة تتساوى مع الموت.
يتبع...








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. من ضخامتها ابتلعت السيارات..تشققات تسبب فيها الزلزال في طريق


.. الحكومة السورية تطلب المساعدة من الاتحاد الأوروبي بعد الزلزا




.. زيلينسكي أمام البرلمان الأوروبي: -إننا ندافع في مواجهة أقوى


.. سيارة فارهة تشق طريقها على سطح الماء في دبي




.. أرقام مقلقة وتحذيرات من الأسوأ حول نازحوا الكوارث