الحوار المتمدن - موبايل


هل يكتمل الصراع حين يغيب الآخر في المونودراما ؟

فاضل خليل

2021 / 8 / 21
الادب والفن


المؤلف، المخرج، الممثل، والمتفرج، حين يدخل هذا الرباعي المبدع في محنة التفرد بالوحدانية في عروض المونودراما، تأليفا، واخراجا، وتمثيلا، وتلقي، تنشأ مشكلة غاية في التعقيد، وهي كيف يمكنك التعامل متفردا مع الابداع؟ ربما سيذهب الذهن الى تجارب الفنون ذات البعد الواحد مثل الفنون التشكيلية، والفنون الموسيقية، وفن الكتابة. عندها ومن غير تردد سينطلق السؤال التالي:
كيف يمكننا جعل المونودراما قريبة من المتلقي؟
بل وكيف يمكننا أن نجعل منها دراما شيقة ورصينة تصل بسلاسة إلى المتفرج؟ بل كيف يمكننا أن نجعلها بمستوى الجهد الذي يبذل فيها كي تستحق المشاهدة. ونادراً ما يتوصل الثلاثة أو واحد منهم إلى الحلول من غير المألوفة في تعويض غياب الممثل الآخر، واحد كان أو اكثر. هذا لأننا غالبا ما نرى الممثل حين يدخل المحنة وحيدا على المسرح يبحث له عن من ينقذه من هذه الورطة. فيوجه الحديث إلى آخر متخيل يساعده على قتل غربته فيكون هذا المتخيل هو النفس حين يوجه لها الحديث ، أو مع الأشباح التي تحيط به وهي كثيرة. وفي أحسن الأحوال يكون الحديث موجها إلى متخيل عبر (المرآة) أو عبر (الهاتف). ومع كل تلك الحلول تبقى النتيجة واحدة بل اكثر تعقيدا وغاية في عدم الاستساغة من قبل الرائي وغالباً ما تجهض العرض وتبعده عن تحقيق أهدافه . حسناً ، لنحاول أن نثير مايلي:
• لماذا لا يحضر الآخر ؟ وما المشكلة التي يثيرها حضوره ؟
• لماذا هذا الإصرار على غيابه ؟
• ولماذا لا تنهض المونودراما الا في ذلك الغياب ؟
• هل الإصرار عليها ينطلق من رغبة الممثلين في امتحان قدراتهم في الأداء على الحوار الطويل [المونولوج] ؟
إن كان كذلك فنحن نسأل مرة أخرى:
• ألا تعوض الحوارات الطويلة التي تمتلئ بها اغلب المسرحيات ومنذ العصر الإغريقي والى الآن ؟
• أم لأنها تشكل كامل العرض لا حيزاً منه ؟ عندما تكون مونولوجا من مسرحية طويلة ؟
وهكذا فالأسباب تتعدد و الإصرار على إنتاجها يستمر ، الأمر الذي يجعلنا ننصاع لها ولدراسة العمل على النهوض بها كونها تشكل أهمية في المسرح الحديث . وانطلاقاً من هذه الأهمية ولأنها تشكل كل العرض لا جزءا منه ، لا بد لنا إذن أن نفكر بالأسباب التي تنهض بها وتبعدها عن الاتهامات المزمنة لها في اتهامها بالفشل الذي يحكمها – وهي حقيقة - . علينا إذن أن نبحث لها عن البدائل المفترضة في فشلها ابتداء من أداء الممثل الواحد والبحث عن ما ينهض بها الواحد من عوامل مساعدة تعينه على تجاوز [ إشكالية محنة الوحدانية ] له على المسرح بسبب غياب الآخر الذي شخصناه سببا في ضعف عروض المونودراما .
كما في مقترح الكاتب ( تشيخوف ) للخلاص من محنته في الوحدانية ، حين اقترح تعويض ذلك الغياب باعتبار حضور العرض من جمهور المشاهدين في صالة المسرح في مسرحية ( ضرر التبغ ) حضورا للمحاضرة التي يلقيها البروفيسور في أضرار التدخين على الإنسان وهي مشكلة تشكل مجتمعا كبيرا من الناس المدخنين لا فردا أو مشكلة ذاتية لاتهم الكثيرين .
أو كما في مقترح التونسية ( جليلة بكار ) في مسرحية ( البحث عن عايدة – فاضل الجعايبي ) التي كان اقترحت أن تكون [ عايدة ] الصديقة الفلسطينية التي اعتادت حضور عروضها ، والذي شكل عدم حضورها إشكالية في هذا العرض . مما أعطاها الحق في مخاطبة الغائبة في الصالة ، - وهو مقترح قريب من مقترح تشيخوف - حين استعاضت بمتفرج واحد من جمهور المشاهدين في القاعة . مما ساعد ذلك على إيصال الفكرة تماما . والفكرة هي : [ أن عايدة صديقتها التي اعتادت حضور مسرحيات صديقتها الممثلة بكار شكل عدم حضورها العروض الأخيرة لمسرحيات بكار مشكلة كبيرة ، لاسيما وان عايدة الفتاة الفلسطينية ، وما تعنيه فلسطين – القضية في القاموس السياسي ] . إذن من المؤكد في أن هذا الغياب شكل أهمية للكثيرين من الحضور في الصالة وخارجها فهو ليس هم فردي هامشي بل كان مشكلة لمجتمع واسع جدا ] . فكان واحدا من اجمل الحلول في استحضار الآخر - الغائب .
كذلك في العرض الليتواني ( انتيجون – بروت مار ) حين فكرت المخرجة الممثلة – بطلة العرض – بإدخال الفيديو الذي صاحبها طيلة العرض فعوضها عن غياب كافة أبطال مسرحية سوفوكليس [أنتيجون] ، الذين عوضت عنهم بالفلم الذي شكل الشاشة الخلفية back groundمن المسرح ومن السينوغرافيا .

في الخلاصة إذن لا بد لنا من البحث عن الحلول في التعويض عن الغياب القسري للآخر قبل الإقدام على تقديم عروض المونودراما . وهو شرط رغم قسريته ، إلا انه يبدو مقترحا معقولا في الحفاظ على ما يبذل من الجهود في تجهيز العرض . ولكي تصيب عروض المونودراما النجاح ويستطيع المخرج المبدع – المفكر تحقيق ما يطمح إليه من نجاح ، أن يضع بحسبانه أن الوحدانية معضلة لابد من تجاوزها بنجاح , وإن الحياة لا يمكن لها أن تستقيم بغياب الآخرين . ولا يمكن لها أن تنهض أو تتطور بجهد الواحد , بعيداً عن الآخرين . وان المسرح كما الحياة لا يستقيم إلا بجهد المجموع . واليد الواحدة لا تصفق ، والأمثلة كثيرة في هذا المجال . أما حين يريد الممثل امتحان قدراته أو تقديم مشهد فردي في معاهد المسرح ، فبأمكانه تقديم المونودراما لابراز طاقاته ، وقدرته على التواصل في مسرحية قصيرة بدل المشهد المقتطع من مسرحية . ومع ذلك فهو حين يقرر عرضها كمسرحية قائمة بذاتها – خارج حدود المعاهد ومجتمع المختصين – فسيشقى لكي يجد لها جمهورا يستمتع بالوحدانية في كل شئ [ التأليف ، والخراج ، والتمثيل ] إن جمهور المونودراما ومنذ قيامها هم أساتذة وطلبة المعاهد وقليل من المثقفين . انهم وحدهم من يقدر على تحمل أعباء مشاهدتها ، ولا ننسى جمهور المهرجانات الصابر المجامل غالبا .
يبرز سؤال إلى ممثل المونودراما وهو : -
- كيف يمكنه العيش وحيدا ؟ في مجتمع هو فيه الناطق الوحيد ؟
- كيف يمكنه خلق الحياة وحيداً مع ضمان استمرارها بدون الآخر ان لم نقل الآخرين , والحياة لا قدرة لها أن تنهض بجهد الواحد الفرد ؟
الإجابة غاية في الصعوبة , لان عروض المونودراما تَمَّلُ حتى هذا الواحد فتجعله في نهايات عروضها يفارق الحياة أو يتركها حين يخلو المسرح منه . حينها تكون الحياة بلا بقعة نور في آخر النفق يعطي الأمل باستمرارية الحياة . وهذه هي النهايات الطبيعية في عروض المونودراما العربية بشكل خاص .
إذن فالسؤال الذي يثير الاستغراب هو : ما هي الأسباب في الإقبال على تقديمها عربياً ؟ والجواب الذي لا يخلو من صحة ، في أن ذلك يعود إلى :
1- السهولة في إنتاجها من الناحيتين المادية والفنية .
2- إن ارض فضاءاتها متنوعة و متعددة وليس شرطا أن تكون عروضها على مسارح نظامية , ولا يهم حجم المكان صغيراً يكون أم كبيراً .
3- السهولة في التعامل مع الممثل الواحد والفريق الصغير .
4- سرعة إنجازها كمحصلة لشروط تقديمها الثلاثة التي مرت أعلاه .
ما تقدم من أسباب وغيرها الكثير يشكل السبب الأهم في هذا الإقبال . ومع هذا الإقبال لابد من البحث عن سبل تكفل للمهتمين بهذا النوع من العروض للارتقاء بها كظاهرة تنسجم وحجم الإقبال عليها . ولكي نبدأ ببعض المقترحات ، فان هذه المسرحيات تحتاج أول ما تحتاجه هو :
1] الممثل ( الآسر ) الذي ( لا يمل ) حضوره على المسرح ,
2] كما تحتاج إلى موضوعات كونية بعيدة كل البعد عن الموضوعات الذاتية الخاصة التي لا ترقى إلى أن تكون عقد أو مشكلات تستحق الجهود التي تبذل في تجسيدها إبداعيا ، كونها لاتلمس غير نزر قليل جدا من الناس لا يشكلون ظاهرة تستحق البحث شأنها في ذلك شأن البحث العلمي .
3] إن تكون موضوعاتها أهم وأبعد من موضوع انتظار الغائب الذي يستحيل حضوره ، وان غيابه يشكل عوقا مستديما للحياة .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الكويت تفتتح مهرجانها المسرحي في دورته الجديدة بعد انقطاع لق


.. فنان أميركي يثير دهشة رواد مواقع التواصل بموهبته الغريبة في


.. -أثر الفراشة- تهدي ألوانها لأحياء بغداد المهملة.. وجدرانها ت




.. بطربوش وجلابية .. الديب شو بيقلد الفنانين ويعمل أحلى كبدة وح


.. ظافر العابدين: بداية قصة فيلم -غدوة- حقيقية وهي اصابة شقيقي