الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الغرق

ساطع هاشم

2021 / 9 / 24
الادب والفن


جلست بضجر امام شاشة التلفون الصغيرة، وهي تتابع الاخبار العالمية وتفكر باشواك المستقبل امامها وقت الشدائد القادمة وهي بلا عمل او وظيفة ولا زواج ينتظرها فالزواج سر مقدس وكل الاسرار المقدسة كريهة وحقيرة عندها، وهي تكره المقدسات منذ ان خُلقت، فالمرأة خلقت لمتعة الرجل كما يقول دينها الحنيف، الذي لم يقل لها لماذا خُلق الرجل، ثم أبعدت التلفون عنها فقد اصبح هذا مصدراً للبلاء عليها، وقالت:
لو تحكمت الإنسانية فينا جميعاً فما الذي سيحدث؟
كانت غارقة في سحابة من الاسى والكآبة، تشعر وكأن روحها اللينة قد سُحقت، فقد اذبلها القلق والفزع وهي تواجه حشداً من المحن وينتظرها مصير مُبهم وهي عاطلة عن العمل ربما سيجبرها ان تكون مستهترة وغير مبدئية ويزدريها الجميع بعد ان كانت ناعمة ومحبوبة، فلقد فرض حظها العاثر هذا عليها.
لقد اذلنا صبرنا ولم يبقى امامنا سوى تصحيح ذلك بالقوة، فطالما تستبد بنا هذه الطبقة فسنظل نسير من انحطاط الى انحطاط ،فلم يقدموا لنا سوى الجرائم والرذائل والعار، ولكن كيف؟
هل المجتمع متحد ضدهم، واذا لا، فمتى سيتحد؟
كيف يسمح المرء لنفسه بافساد مبادئه؟
ثم ماذا لو زاد الحقد في نفوسنا اثناء المقاومة وحرب التحرير فهل سيبقى شيء من انسانيتنا؟ ثم هل يستحق كل هذا العدد من الخراب الذي يحدث حولنا ان نضحي بانفسنا ووقتنا في سبيل اصلاحه؟
ما نفع الخير الذي نريد نشره في هذا العالم التافه؟
ثم اذا لا يوجد عندك ما تقدمه للمجتمع فما اهميتك؟
كل هذا قد غمر تفكيرها في هذا اليوم العكر وعادت الى التلفون ثانية والبحث في صفحات الانترنيت وعثرت صدفة على مقالة بعنوان:
اوصاف المرأة الجميلة عند الغربيين في القرون الوسطى تقول:
شعر اشقر
وجه مستطيل
عنق طويل نوعًا ما
بشرة فاتحة
اسنان بيضاء و "مزروعة جيدًا"
فم صغير
أنف مرتفع قليلاً
عيون زرقاء أو رمادية (بالتأكيد ليست خضراء، لان الأخضر لون عيون الساحرات)
جبين أملس واسع
حواجب ملتفة مقوسة

جسد الأنثى:
نحيفًا ومرهفا
ورك ضيق،
أرجل طويلة
اقدام صغيرة حساسة
ولا توجد ولا صفة واحدة من هذا تنطبق عليها، فما اسعدها وهي تعيش في عصر الخراب ودمار الشرق وحكم رجال الدين الانذال وطبقتهم الفاسدة فهي على الأقل مازالت نافعة لمتعة الرجل رغم بشاعتها مقارنة بالمرأة قبل الف عام.

وعادت بها افكارها الى ما قرأته يوماً ما من بلاد اليونان، والى حكمة او مثل اغريقي قديم ومشهور ورد في مسرحية -انتيجوني(انتيغون) للكاتب الملحمي الكلاسيكي سفوكليس 497 – 406 قبل الميلاد -، يقول: ان من ستقضي الالهة عليهم سيصابون بالجنون اولا.
والمسرحية كلها صراع هائل بين الحكمة والجنون بين الطغاة والمعذبين بين الشر والخير، وقد اثارت موضوعاتها في الغرب ومنذ ان اعاد الاوروبيون اكتشاف تراث اسلافهم القدماء بالقرون الستة الاخيرة خيال الكثير من المفكرين والادباء والفنانين وخاصة خلال العصر الصناعي من هيجل وحتى بريخت.
واحداث المسرحية شبيهة الى حد كبير بما يجري حاليا بالشرق الاوسط من جنون واستهتار وماسي، وكأنها رسالة قديمة مستوحاة من مآسي سقوط بابل ودمارها سنة 539 قبل الميلاد وقد وصلت متأخرة بينما الشرق الان على وشك الزوال والدمار الكامل، هذا اذا ما صدقنا بما تقوله الاساطير والدعايات الدينية اليهودية وكما وردت بالتوراة بان نبوخذ نصر قد اصيب بالجنون قبل وفاته الى ان انهارت دولته وقضت الالهة عليه وعلى بلاده.
وخاطبت نفسها:
لقد بلغ الجنون في الشرق مستويات لا يمكن احتمالها، وازالة الاسلاميين او اجتثاثهم قل ما شئت اصبح اسمى الاهداف السياسية والاجتماعية على الاطلاق، ففي كل يوم يعودون والدم على اياديهم، فموت البشر لا يعني لهم شيئاً على الاطلاق.
لكن نداءاً اخراً جاء من أعماق روحها يقول:
افضل شيء هو اعتزال المجتمع كلياً والاهتمام بمعارك النفس، فلا تقل معارك البشر عن معارك النفس وحشية، كما قال الشعراء الحالمون ذات يوم.
وأغلقت التلفون وتسائلت: لو قمنا باعتزال الناس فما الذي سيحدث لنا نحن الاحياء؟
انها مسببات متناقضة يدمر احداها الأخرى في نفوسنا، وعادت الى غرقها في حيرتها وقلقها ورعبها من الحاضر.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فنان يشارك يومياته مع اضطراب -الحبسة الكلامية- على -تيك توك-


.. نجلاء بدر: محضرتش لشخصيتى كممثلة في -روليت- وصورت الفنانة كب




.. فصل من عمله بسبب انتقاده للسلطة الفلسطينية.. تضامن مع كاريكا


.. عمرو سعد: إنتاج فيلم عن عادل إمام من أهم مشروعاتى المقبلة




.. -المؤتمر الاقتصادى- فيلم تسجيلى يرصد مراحل نجاح وتطور اقتصاد