الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ظل آخر للمدينة39

محمود شقير

2021 / 9 / 28
الادب والفن


سكنت في بيت مستأجر في قرية "بدو" وسط حي مكتظ بالبيوت. وكنت أمضي بعد الدوام إلى الصحيفة. أذرع شارع صلاح الدين بخطوات واسعة، أداوم في مكاتب الصحيفة الواقعة في شارع علي بن أبي طالب المتفرع من شارع صلاح الدين، ساعة أو ساعتين. أسلم سكرتير التحرير المواد التي قمت بتحريرها تمهيداً لنشرها، ثم أغادر مبنى الصحيفة إما عائداً إلى بيتي في جبل المكبر أو إلى بيتي المستأجر. وكنت أشعر أنني أرهق نفسي بهذا العمل المتصل، وهو لا يتم إلا على حساب تفرغي للقراءة، إذ كانت فسحة الوقت المتبقية لدي للقراءة محدودة، وقد جعلني هذا الأمر قلقاً على الدوام.
غير أن عملي في الصحيفة جعلني على صلة شبه يومية بالقدس. وكنت ألاحظ ظهور نقلة في الأزياء وفي بعض مظاهر السلوك فيها وفي غيرها من مدن البلاد. فثمة شباب يطيلون شعورهم، متبعين موضة "الخنافس" التي كانت رائجة في الغرب، وكنا نستقبح هذه الموضة، وننفر من مؤيديها. ثم أخذ هذا التزمت يتراجع، حتى أصبح بعض زملائنا من المدرسين يطيلون شعورهم، فلا ننفر منهم ولا نوجه لهم أية اتهامات. وأصبح آخرون يلبسون بنطلونات ضيقة من ذوات "الخصر الساحل"، ويضعون على خصورهم أحزمة رفيعة لامعة سوداء أو بيضاء، ثم أخذوا يرتدون جاكيتات قصيرة غير فضفاضة، وأصبحت البنطلونات بلا ثنيات، فأبدينا رفضنا لتلك الموضة في البداية، ثم فرضت نفسها وأصبحت ذات انتشار.
أما أزياء النساء في جبل المكبر، فقد قفزت خطوة أخرى حينما راحت بعض العائلات، التي ظهر فيها شبان مستنيرون، تشجع نساءها على ارتداء الفساتين، تماماً مثل نساء المدن، فارتدينها، وزدن عليها أحذية لها كعوب عالية.
غير أن هذا الزي الجديد لم يجد رواجاً وقابلية للبقاء، إلا لدى النشء الجديد من الطالبات، أما النساء اللواتي لم يدخلن المدرسة، أو لم يلبثن فيها إلا بضع سنين، ثم غادرنها للزواج، وللبقاء داخل البيوت، فقد بقين محجمات عن ارتداء الأزياء الحديثة، ومنهن من أرغمن على عدم ارتدائها، فاستعضن عن ثوب "الحَبَر" الذي يبلغ طوله في العادة مترين أو أكثر قليلًا، بأثواب بسيطة يسمى الواحد منها "مِدْرَكَة"، وظهرت فيما بعد أنواع محسنة منها، هي فساتين "الماكسي" الطويلة التي تغطي جسد المرأة من رقبتها حتى كعبيها، فارتدينها، ولم تعد ترتدي الثوب التقليدي سوى قلة من العجائز الطاعنات في السن.
كنت معنياً بمتابعة الظواهر الجديدة في المدينة وفي القرية سواء بسواء، وقد شجعتني على ذلك دراستي لعلم الاجتماع إلى جانب دراستي للفلسفة في جامعة دمشق، وكنت أغتبط وأنا أراقب تلك الظواهر، بل إنني كتبت بعض مقالات لصحيفة الجهاد لها علاقة بذلك.
وكنت أراقب المدينة وهي تزدحم في أيام الجمع، بالمصلين الذين يأتون إلى المسجد الأقصى، من مختلف مدن البلاد وقراها، وتزدحم كذلك بالسياح، وبالحجاج القادمين إلى كنيسة القيامة من كل بقاع الدنيا. فتبدو المدينة كأنها في موسم أو مهرجان، لكن ذلك لم يمنع عنها العدوان.
يتبع..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فنانون يخلدون ذكرى شيرين أبو عاقلة • فرانس 24 / FRANCE 24


.. صباح العربية | عبد الله جاسم.. كوميدي عراقي أميركي في ضيافة


.. فيلم ملّا علقة Trouble الثلاثاء 21:30 على ال LBCI




.. كلمة أخيرة - غضب بين المثقفين والتراثيين لما تردد حول هدم مد


.. كلمة أخيرة - ابنه حفيدة الدكتور طه حسين توضح آخر المعلومات ع