الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الانتحار بين التكييف القانونى والمرض النفسى

على زايد عبد الله

2021 / 9 / 30
دراسات وابحاث قانونية


آثار الانتحار (Suicide) جدلاً واسعاً على نطاق عدد كبير من المجتمعات فى دول العالم، فقد يحدث فى اى مرحلة من مراحل العمر، وقد صُنف الانتحار فى عام 2019 فى المرتبة الرابعة كأهم سبب من أسباب الوفاة بين من تتراوح اعمارهم بين 15 و 29 عاماً على الصعيد العالمى وذلك وفقاً للتقارير الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، كما أشار التقرير الصادر عن المنظمة فى عام 2019 الى أن حوالى700 ألف شخص يلقون حتفهم سنوياً بسبب الانتحار اى أن شحص من كل 100 شخص حول العالم يموت بسبب الانتحار. ويعرف الانتحار فى معجم المعانى الجامع بأنه قيام الانسان بقتل نفسه بوعيه أو بدون وعى أو الفعل المقصود لقتل النفس أو زهق الروح عن سابق تصميم، كما تعددت تعريفاته بين أهل الاصطلاح وجاءت تعريفات عديدة له منها على سبيل المثال أنه "إنهاء متعمد لوجود المرء، أثناء امتلاكه للقوى العقلية والتمتع بها" كما يعرف أيضاً بأنه الموت الناجم عن سلوك مؤذ موجه ذاتياً بنية الموت نتيجة هذا السلوك، وتتعدد اسبابه واساليبه فبين هذه الاسباب وتلك الاساليب يظل الانتحار حائراً بين التكييف القانونى وبين اصابه من يحاول الانتحار بمرض نفسى يدفعه إلى الإقدام على اقتراف هذا الفعل. فالسؤال هنا هل يجب أن نتعامل مع الانتحار بمنظور قانونى وبمنظور اجتماعى نفسى ام التعامل بمنظور دون الاخر؟
اما فيما يتعلق بالمنظور الاجتماعى النفسى للانتحار فيعود الانتحار حسب النظرية النفسية إلى طيات التكوين النفسي ومن رواد هذه المقاربة صـاحب مدرسـة التحليـل النفسـي سـيغموند فرويـد، Freud Sigmund حيث شرح النفس وكذا العوامل والـدوافع المسـيرة لهـا و عـرف كيـف يسـبر أغوارها ويغوص في أعماقها ويدقق في تحليله ، ويشير فرويد إلى أن الانتحار هو نتيجة إخفاق دوافع الفرد العدائية نحو التعبير عن نفسها ، فوجهت نحو الفرد نفسه (أي اتجاه الذات) فدمرته أما محرك أو وقود تلك الدوافع العدائية فيتمثل في حالات نفسية كثيرة كالاكتئاب ، كما يدخل من ضمن دوافع الفرد إلى الانتحار الاصابة ببعض الامراض المزمنة كالاصابة بفيروس نقص المناعة البشرية (الايدز) والاصابة بمرض السرطان ، كما أن إدمان المخدرات يعتبر من أهم اسباب محاولة البعض الانتحار.
اما عن المنظور الثانى وهو الذى يتعلق بتناول الانتحار من المنظور القانونى والبحث فى عدم مشروعية الفعل وتجريمه او عدم مناقشة تجريمه، فثمة خلاف قانونى بين فقهاء القانون حول تجريم الشروع فى الانتحار فهناك بعض القوانين فى بعض الدول تجرم الشروع فى ارتكابه كالقانون الايطالى والانجليزى وبعض الدول الأخرى لا تعتبره جريمة وكل من الاتجاهين له اسانيده وحججه، أما عن فلسفة المشرع الجنائى فيما يتعلق بعدم تجريم الشروع فى اقتراف هذا الفعل يرجع إلى أن التجريم يؤدى الى نتائج سلبية على من يشرع فيه، فهذا الشخص يعانى من مشاكل أسرية تشتمل على نواحى اقتصادية واجتماعية ونفسية، فإذا ما فشل الشخص فى فعله، فعدم تجريم شروعه هنا يأتى تشجيعاً له على عدم الإقدام مرة أخرى على اقتراف مثل هذا الفعل. فقد تتحسن الظروف التى يمر بها من أقدم على ذلك وتتحول طاقاته السلبية إلى طاقات إيجابية تكون سبباً فى إحداث نقله نوعية فى حياته وحياة الاسرة، ويرى البعض أن معدلات الانتحار تميل الى الانخفاض بعد إلغاء التجريم، كما أن ممارسات التشهير العام سواء من الناحية القانونية أو فى التقاليد الثقافية تمنع أولئك الذين يتعافون من محاولة الانتحار من الحصول على العلاج والدعم ، ولا يؤدى إلا إلى زيادة ترسيخ وصمة العار. ولا يزال الانتحار غير قانونى فى حوالى 20 دولة ويرى البعض أن الذين يدافعون عن تجريمه يميلون الى تقديم ثلاث حجج رئيسية:
1- إن توقيع العقوبة يتحقق بها الردع الخاص ومن ثم العام.
2- إن توقيع العقوبات الجنائية على محاولات الانتحار يمكن أن تعبر عن شعور المجتمع بالإدانة الاخلاقية لسلوكيات معينة.
3- توقيع العقوبة يعتبر بمثابة تعبير عن الرغبة فى القصاص، بحيث ينظر إلى العدالة على أنها محققة ويعاقب الشخص الذى يرتكب فعلاً شائناً أو غير اخلاقى مهما يكن هذا الفعل.
وتقدم الرابطة الدولية لمنع الانتحار أربع فوائد رئيسية لإلغاء تجريمه نعرض لها على النحو التالى:
1- إن إلغاء تجريم الانتحار سيقلل من وصمة العار ويزيد من محاولات طلب المساعدة من خلال وضع الشخص الذى يحاول الانتحار خارج القانون ، فإن الاشخاص الذين يفكرون فى ذلك أو الذين حاولوا الانتحار لا يطلبون المساعدة التى يحتاجونها، فلابد من تقليل وصمة العار من خلال تشجيع الأفراد والمجتمعات على التحدث بصراحة عن قضية الصحة العقلية ودعم من هم فى أَمس الحاجة إليها.
2- يُحسن إلغاء التجريم قياس مدى وخصائص السلوك الانتحارى ، والذى يعزز بدوره فرص الوقاية والتدخل الفعال فى الانتحار. فمن أجل منعه نحتاج إلى بيانات دقيقة لتحديد الأشخاص المعرضين للخطر وأفضل طريقة لمساعدتهم.
3- نتيجة إلغاء التجريم ، سيتم التعرف على السلوك الانتحارى ومعاملته على أنه مشكلة صحية عامة ، وسيكون الأفراد المعرضون للخطر أكثر قدرة على الحصول على المساعدة التى يحتاجون إليها.
4- عدم التجريم يجنب الآثار السلبية على الصحة العقلية من تطبيق الاجراءات القانونية والعقوبة بالسجن . فيحتاج الأفراد إلى بيئة داعمة لتلبية احتياجات صحتهم العقلية.
وبين المنظور الأول والثانى يمكن أن نقول إنه يجب التعامل مع حالات الشروع فى الانتحار بالاهتمام والبحث فى النواحى النفسية التى قد تدفع إلى التفكير فى الإقدام على ذلك ، والغوص أيضاً فى اعماق المجتمعات للوقوف على الاسباب الحقيقية التى تؤدى وتدفع الافراد إلى الشروع فى الانتحار ، وتقديم كافة أوجه الدعم الاسرى للعديد من الأسر التى تعانى من التفكك والتى تعانى من ظروف اقتصادية صعبة ، وتقديم يد المساعدة اللازمة لهؤلاء الاشخاص وإخضاعهم لبرامج تتعلق بالصحة النفسية والعقلية (mental health) لإعادة تأهيلهم من جديد وتحويل طاقاتهم السلبية الى طاقات ايجابية موجهه، مع إيلاء المناهج التعليمية بالمدارس والجامعات دوراً كبيراً فى تضمين المقررات الدراسية دراسات ومادة علمية تعزز من الاهتمام بالنواحى النفسية والعقلية ، وتعزيز احترام الاختلافات الفردية والعرقية والثقافية. مع عدم إغفال محاسبة من يهمل فى الاهتمام بتربية ورعاية أبنائه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الداخلية الفرنسية تأمر 1000 شرطي بإخلاء مخيمات اللاجئين


.. اللاجئون في لبنان.. صرخة وجع ومرض وفقر من أمام مفوضية الأمم


.. عقوبات اقتصادية تعرض لها العراق عقب غزو الكويت كادت أن تؤدي




.. Protests In Iran: Over 20 Days On


.. مراهقان يلقيان بنزين على أحد ذوي الاحتياجات الخاصة في البحير