الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


و تعفنت عراجين البلح علي أكمامها .

محمد حسين يونس

2021 / 10 / 7
سيرة ذاتية


عندما تدخل ويكيبيديا أو جوجل .. و تكتب إسمي .. ستجد أنني معرف علي تلك المواقع ككاتب .. و ليس كمهندس.. رغم أنني أضعت عمرى أعمل و لمدة 60 سنة((1962 - 2022 )) في مهنة الهندسة ( مدني و عسكرى ) ..و شاركت في تشييد و إنشاء العديد من المشروعات الكبرى في مصر (سيناء و الوادى) ..و في خارج مصر (اليمن و العراق) .
والان رغم كوني في سن الثمانين إلا أنني لازلت .. أستيقظ كل يوم قبل الفجر .. أذهب لعملي ( الهندسي كإستشارى مقيم .. بمشروع محطة معالجة مياة الصرف الصحي بالجبل الأصفر ) شهدت ميلادها و عاصرت شبابها و..عندما أصبحت مسنا.. أصبحت هي أيضا عجوز وكان لزاما أن تدخل غرفة الإنعاش
رأيت هذا المكان لاول مرة في منتصف يناير 1992 حيث كنت عضوا في طاقم إشراف بريطاني أمريكي مصرى يعمل كإستشارى لإنشاء المشروع ..
و كنا نصل إلية عبر ترعة مكشوفة تجرى فيها مياة الصرف الصحي المنتجة بواسطة جزء من مدينة القاهرة.. و يعيش علي ضفافها بشر و طيور داجنة تملأ الشارع الترابي .. ويسبح في المياة السوداء بقر و جاموس الفلاحين .
.. و كان المكان الذى أقيمت عليه المحطة .. الف فدان مزارع فواكه ( برتقال و يوسف أفندى و جريب فروت ) تنمو أشجارها فوق مخاضات و برك و مستنقعات تغطي الموقع.. و تمتليء بالحشرات و الزواحف ..و الروائح غير الطيبة .
و كان علي شركات المقاولات العاملة .. أن تزيل تلك الأشجار .. و تسوى الأرض و تعالجها بحيث تصبح صالحة للإنشاء .
في ذلك الوقت أخذت علي نفسي عهدا أن أعيد زراعة المحطة بعد إستكمال العمل بأشجار مثمرة تعويضا عن ما قطعناه من قوت المصريين .
التصميم الذى قدمه المقاول الإيطالي و وافق علية الإستشارى الأجنبي .. كان يحتوى علي مساحات صغيرة مزروعه بأشجار الزينة و الزهورحول المنشئات .. أما أغلب المكان فقد ترك علي حاله دون أشجار أو نباتات .
عام 1997 و كان الموقع قد إقترب علي الإكتمال و يزوره بكثرة كبار المسئولين و كنت قد أصبحت الرجل الثاني في طاقم الإشراف فأخالطهم و أناقشهم .. و خلال أحد زياراته ..أقنعت السيد الوزير ( محمد إبراهيم سليمان ) أن نغطي الأرض غير المشغولة بأشجار ذات محاصيل بحيث تروى بالمياة التي تم معالجتها .
و إنتهي النقاش بأن نزرع بها نخيل يتكامل مع البيئة المحيطة للمحطة .. و زيتون علي أساس أن له أوراق كثيفة تدوم طول العام تنقي الجو وتمتص الروائح غير المرغوب فيها و تعطي ثمرا .
1999 عندما إفتتح المحطة الرئيس ( محمد حسني مبارك ) .. كانت تزدان بالفي شجرة زيتون و مئتي نخلة أو أكثر .. بالإضافة إلي مساحات واسعة من النجيلة و أشجار الزينة .. و ثلاث جميزات ( مقدسات عند القدماء ) إخترت لها أماكن إستراتيجية .
لقد أحببت هذا المكان فقد كنت مسئول عن طاقم الإشراف علي العمل بالموقع و أقود ما يزيد عن مائة مهندس من جميع التخصصات .. يدققون في كل صغيرة و كبيرة به ..بحيث تجد حتي الأن بعض من لمساتي في كل ركن من أركانه ..و لهذا قصة أخرى أرجو أن يسعفني العمر بروايتها .
و هكذا بعد إنتهاء الإنشاء إستمريت أقود مجموعة الإستشارى المصرى التي تشرف علي تشغيل و صيانة المشروع لمدة سنتين .. و عندما سلمها الإيطاليون لشركة مصرية أنشئت خصيصا لإدارتها .. نقلت للإشراف علي إنشاء توسعات محطة أخرى في أبي رواش .. ثم عدت مع إستشارى فرنسي مصرى لإنشاء جزء أخر من محطة الجبل الأصفر أضيف لرفع كفاءتها وتعظيم إنتاجيتها ..
2018 عندما عرض علي الإشراف علي تشغيل المحطة و إضافتها .. لم أمانع في قيادة طاقم الإستشارى المصرى المكلفة بالمهمة .
أى أنني أمضيت ما يقارب الثلاثين سنة .. حوالي نصف مدة عملي كمهندس .. أنشيء و أدير محطات للصرف الصحي
نعود لموضوعنا
كنت قد خططت أن أوزع المحصول( بلح و زيتون ) علي العاملين بالمحطة لأربط بينهم و بين العمل بإحساس الملكية و الإنتماء .
و لكن عندما فعلت هذا في السنة الأولي جاءني من يقول إنه محصول ملك الحكومة و عليه أن يباع بمزاد تدخل عوائده للخزينة العامة .. فرفعت يدى عنه و تركت الحكام .. يسوقونه ويبيعونه بمعرفتهم بالإضافة إلي بيع الحمأة المعالجة و التي تصلح بقليل من الجهد أن تكون سمادا للأراضي الزراعية .
إستمر هذا لمده 22 سنة ..نرى كل عام عراجين البلح تنبت علي رؤوس النخيل.. ثم يأتي من يجمعة في شهرى أغسطس و سبتمبر .
و تمر الأيام .. و تعاني المحطة من إدارة مقاول التشغيل و الصيانة و جشعه و توفيره في الإنفاق بتخفيض العمالة و التخلص من الخبراء الأجانب و المهندسين ذوى المرتبات العالية ..أوبعدم شراء مستلزمات العمل و قطع الغيار .
فيتدهور حالها و تصبح في حاجة لإستبدال الكثير من معداتها و رفع كفاءة و تحديث معظم وحداتها ..وإن كانت لازالت تعمل رغم كثرة المشاكل ..و مزدهرة من الخارج بسبب كثافة الزراعات و الأشحار بها .
و لكن حتي هذه الميزة .. أصابها ما أصاب المحطة .. من تدهور .
في صيف هذه السنة 2021 ظهرت العراجين في ميعادها و لكن تأخر جمع المحصول لأوائل سبتمبر ..ثم خلال الشهر إسود البلح علي أعناقه .. ثم عفن في مكانه .. و تساقط دون جمع .
ورغم أنني ( كإستشارى ) نبهت المالك عدة مرات إلي أن البلح (الذى يملكه ) سيتلف ..إلا أنه لم يتخذ إجراءا مناسبا .. فلقد أقاموا مزادا لبيع المحصول و لكن لم يصل عائده لنفس قيمة السنة الماضية ..
فإنتظروا إسبوعين ثم أقاموا مزادا أخر .. فلم يصل للسعر السابق في المزاد الأول ..
ثم إنتظروا إسبوعين .. كان البلح فيها قد عفن علي أكمامة .. فلم يأت لهم مشتر ..
و كان السيد البيروقراطي الحكومي سعيدا لأنه لم يخالف اللوائح و القوانين ..رغم علمة بأن الحكومة بدلا من أن يدخل خزائنها ثمن المحصول ستدفع أضعاف ثمنه لمعالجة التلوث الذى حدث بسبب عدم جنيه في موعدة ..
لأول مرة منذ ربع قرن .. أرى أنني أخطأت في إقتراح زراعة أشجار مثمرة.. أضعها بين يدى موظفي البيروقراطية الغبية . .
و أتساءل إذا لم يكونوا قادرين علي جمع المحصول في أوانه .. فكيف سيديرون محطة توليد كهرباء نووية .أو البرج الأيقوني الذى يتحدثون عنه .
من الواضح أن الإنشاء بالإستعانة بالخبرات الأجنبية في أغلب مشاريعنا الكبرى .. سهل .. و لكن الإدارة و الصيانة و التشغيل أمر شديد الصعوبة علي موظفي حكومات الإنجازات التي توجه ميزانياتها (للإنجاز ) و تبخل علي تدريب و تعليم العاملين .. و الإنفاق علي الصيانة ..و إتباع الطرق العلمية للإحلال و التجديد
يكفي أن تزور أى محطة تنقية مياة أو توليد كهرباء أو حتي الخط الأول لمترو الأنفاق .. للتأكد أن السادة اللواءات الذين يتصدون لإدارة وحدات التشغيل و الصيانة بعد رحيل الخوجات ..خارج محددات الزمن بقرون .
لاول مرة أشعر بأنني أضعت عمرى و جهدى في عمل أصابة الإهمال بالشيخوخة المبكرة .. وتحول رغم العرق الذى بذله الأف العمال و المهندسين و الخبراء .. والملايين التي أنفقها الشعب المصرى إلي خرابة .. تنعي سوء الإدارة و ضيق الأفق .
و هكذا أن للمبحر أن يصل إلي المرساة .. و للمسن أن يجلس تحت الشجر يتأمل الأخطاء قبل النجاحات .. فقد قررت أن يكون فساد البلح علي عروشه سببا في نهاية رحلتي مع كوابيس العمل في بلد مريض ينفق المليارات علي مشاريع لا يستطيع صيانتها أو إدارتها و يسميها إنجازات .
و ليكن الله في عون الأحفاد إذ كيف سيفعلون في حريق يشتعل بقمة ناطحات السحاب التي يزرعونها في الصحراء .. و علي شاطيء البحر المتوسط .. أم سيتركونه يأكل المبني كما فعلوا من قبل .. أف








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - مقال مميز ونقد بناء
محمد زكريا توفيق ( 2021 / 10 / 7 - 09:02 )
شكرا يا باشمهندس على هذه المقالات الممتازة. يا أخي العزيز، لا أدري ما أصابنا. أنا متفهم معاناتك وقلقك على مستقبل بلدك مع وجود هذا الإهمال واللامبالاة. يا أخي الفاضل، كنت في زيارة
لمصر منذ ثلاث سنوات. حاولت إيداع شيك مصرفي من حسابي الخاص في أحد البنوك في مدينة نيويورك، إلى حسابي في أحد البنوك المصرية الحكومية الكبيرة، والمبلغ كان 30 ألف دولار. طلب البنك رسوم تحصيل مبلغ 168 دولار، وهو ما يعادل 2600 جنيه مصري. تعجبت وسألت الموظف، ليه الرسوم باهظة هكذا؟ قال لأنه هناك شركة أجنبية تقوم بتحصيل الشيك لحسابنا. قلت له مصاريف تحصيل الشيك في نيويورك لا تزيد عن 25 دولارا، ورفضت إيداع الشيك ورجعت به إلى أمريكا. الغريب أن الموظف شعر بسعادة كبيرة عندما سحبت الشيك ورفضت إيداعه، وكأن هما كبيرا قد أزيح عن كاهله. هذا ليس له إلا تفسير واحد. وهو أن هناك لعنة قد أصابت بلادنا عندما تخلت عنها آلهتها القديمة.


2 - مشكلة الصيانة والتشغيل
عبد الفادي ( 2021 / 10 / 7 - 23:46 )
مشكلة الصيانة والتشغيل ما بعد انجاز المشاريع هي مشكلة عامة لدى جميع الدول العربية ، فدول الخليج الغنية لا تتعب نفسها بتدريب الكوادر الوطنية فتلجأ الى ابرام عقود الصيانة مع الجهة الاجنبية المنفذة للمشروع ، اما الدول مثل مصر تريد تشغييل الكوادر الوطنية في اعمال الصيانة لتقليل التكاليف فأحيانا تكون المشاريع معقدة فنياً فبدلاً من التشغيل الصحيح وفق كراسات التشغيل تقوم الكوادر الوطنية بتشغيلها بطريقة التجربة العشوائية مما يقّصر ذلك من عمر الماكنة . معظم المشاريع التي تُقترح من قبل الحكومة تفرض بقرار سياسي متسرع دون دراسة دقيقة لجدوى المشروع ، فعند انجاز المشروع تأتي مرحلة مهمة وهي مرحلة الصيانة والتشغييل وهذه المهمة عندما توكل الى الكادر الوطني غير المدرب النتيجة تكون أندثار المشروع تدريجيا . افضل طريقة لأنجاح هذه المهمة هي المناصفة في العمل بين الكوادر الأجنبية والوطنية ولكن مزايدات المسؤوليين الحكوميين بإظهار حرصهم الكاذب على اموال الدولة غالبا ما يهملون رأي الجهة الأستشارية وهذا يشكل هدر في اموال الدولة ، تحياتي


3 - الحاله مع مصر
على سالم ( 2021 / 10 / 8 - 03:19 )
الاستاذ محمد يبدو ان مقالك السابق اخرج لنا حقيقه راسخه وهى ان اذا كانت البلد مريضه فالشعب ايضا يجب ان يكون مريضا وعليل بالتبعيه , على مدار سبعين عام سوداء اى منذ قيام ثوره الضباط الاحرار المشؤومه ومصر حالها لايسر عدو ولاحبيب وانهيار عام بعد عام والسبب بدون شك هو الحكم العسكرى الفاسد السارق الجاهل المتعجرف القاصر عقليا , كنت اسأل نفسى كثيرا عن ميزانيه القوات المسلحه المصريه ولماذا هى سريه وماداعى السريه فى هذا ؟؟ السريه تثير الشكوك والظنون , كل البلاد المحترمه تعلن عن ميزانيه الجيش للشعب وكل شئ شفاف وواضح , اذا كانت الميزانيه سريه اذن فقياده الجيش تخفى اشياء واشياء عن الشعب او الصح ان نقول ان قياده الجيش الفاسده تحتال وتسرق الملايين او ربما البلايين من قوت الشعب الجائع الدايخ , الا من حق الشعب ان يعرف ميزانيه الجيش , انا اكاد اجذم ان اى اصغر لواء فى الجيش المصرى هو بليونير وومكن جدا تجد لواء كبير يمتلك الملايين من الدولارات فى حسابات سريه اوربيه ؟ ؟ نحن فى كارثه والشعب نايم على نفسه , واقع بشع ومؤلم وكارثى , مصر لن ينصلح حالها الا اذا اتخلصت من حكم العسكر السارق الفاجر ابن الكلب الحرامى

اخر الافلام

.. الناخبون الموريتانيون يدلون بأصواتهم لاختيار رئيس للبلاد • ف


.. سكان بلدات لبنانية تتعرض للقصف الإسرائيلي يروون شهادتهم | #م




.. أمريكا ترسل 14 ألف قنبلة زنة ألفي رطل لإسرائيل منذ السابع من


.. هل ستتجه إيران لجولة انتخابية ثانية؟




.. شركة بيانات: مشاهدات مناظرة بايدن وترمب أقل من المتوقع بكثير