الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


محضر اجتماع

ضيا اسكندر

2021 / 10 / 17
كتابات ساخرة


أيام الطفولة وخيالاتها الواسعة، كنا نعتقد بوجود قبعة للتخفي نستطيع من خلالها أن نرى ولا نُرى! وظلّ حلم اقتنائها – بالرغم من لا علميّته - مصاحباً لي حتى هذه اللحظة. خاصة بعد انخراطي عالم السياسة. ولما كان شغفي بمعرفة ما يدور من مباحثات وحوارات بين رؤساء وملوك العرب خلال اجتماعاتهم المغلقة، لا حدود له! فقد كان شغلي الشاغل ولسنوات طويلة، الوصول إلى هذا الهدف؛ كأن أكون مترجماً أو مرافقاً أو حتى مقدّم ضيافة للزعماء. وقد تحقق حلمي ذاك بمعيّة عدد من كبار المسؤولين، بعد سلسلة طويلة من الوساطات والاتصالات، استطعتُ من خلالهاً الحصول على وظيفة كاتب محضر الاجتماعات. وتشاء الصدف أن يكون الاجتماع الذي حضرته، هو أول وآخر اجتماع أحضره.
وإليكم فيما يلي أهم ما دار في ذلك الاجتماع بين جلالة الملك وفخامة الرئيس:
بعد أن رشف الزعيمان الكبيران القهوة العربية المرّة، واطمأنّا مجدداً عن أحوالهما الصحية والعائلية وعن المناخ في بلديهما.. باشرا اجتماعهما المتعلق بصدور القرار الدولي رقم (6666) والمتضمن إلزام كافة أنظمة الشرق الأوسط بإجراء انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة وطيّ ملف الاعتقال السياسي إلى الأبد. وقد استهلّ فخامة الرئيس الضيف حديثه قائلاً:
- كما تعلم جلالة الملك، الضغوط الدولية تزداد علينا هذه الأيام من كل حدبٍ وصوب وبصورة لم يسبق لها مثيل. ويبدو أن الأوضاع ستتفاقم أكثر مستقبلاً. لقد وصل المجتمع الدولي في وقاحته إلى درجة التدخل السافر في شؤوننا الداخلية، وحتى في أدق التفاصيل. تصوّر أنه إذا نوينا استدعاء أحد المعارضين للاستيضاح منه مثلاً عن تصريح أدلى به، أو مقالٍ كتبه.. تقوم الدنيا ولا تقعد، مطالبةً بالإفراج عنه فوراً تحت طائلة سحب جميع سفراء الدول من بلدنا، وطرد سفرائنا من بلدانهم، وفرض جميع أنواع العقوبات علينا! وكأننا فعلنا السبعة وذمّتها!
- هذا كله يا فخامة الرئيس من نتائج ثورة الاتصالات الملعونة والديمقراطية البغيضة التي بدؤوا بتطبيقها في عالمنا العربي.. الله لا يوفّقهم!
- الله وكيلك يا جلالة الملك بتنا نشتهي نصفع أحد المعارضين كفاً! يا إلهي! من كان يتوقع ذلك؟ إخس على هذا الزمان..
- لا حول ولا قوة إلا بالله.. بسيطة فخامة الرئيس.. بدْها طولة بال.
- (متحسراً) الله على تلك الأيام.. عندما كان الذباب الأزرق يعجز عن معرفة مصير أي معتقل سياسي نغضب منه..
- (متنهداً بحرقة) لا تفتح لي جروحاتي يرضى عليك..
- هل تعلم؟ لولا العيب لقدّمتُ استقالتي و..
- (قاطعه معاتباً) لا تكمل! أرجوك فخامة الرئيس.. لمن ستترك شعبك؟ هل تقبل أن ترتاح على حساب من أحبك وتفانى ويتفانى من أجلك؟ فكّرْ بالمسيرات المليونية التي تجتاح كافة مدنك وقراك أثناء مبايعتك.. بالتماثيل، بالاحتفالات، بالهتافات المدويّة، بالأغاني، بلـ... والله حرام عليك يا رجل!
- (بامتعاض) ما اختلفنا.. بس أي والله كمان مو معقولة أشتهي أضرب بوكس مثلاً أحد المعارضين العملاء ولا أستطيع ذلك! افرض نفسك محلي يا جلالة الملك! بشرفي رح طق!
- (مهوّناً عليه) ماذا أقول أنا إذن؟ تصوّر، كنت سابقاً وبكل بساطة أُشرفُ شخصياً على تعذيب المعتقلين. وياما كنت أتفنّن بتعذيبهم بنفسي. أما الآن.. هه يا حسرة! أوف.. المهم فخامة الرئيس دعنا الآن نفرفش وننسى هذه الأيام السوداء التي لا تسرّ أحداً.
- (وقد عادت السعادة إليه من جرّاء تذكّر الماضي) هل تصدّق جلالة الملك؟ مرات ومرات كنت أزيح بنفسي الكرسي من تحت من نريد شنقه.. هئ هئ هئ .. صدّقني منظر المشنوق وهو يلعبط كان يسكرني تماماً وكأنني شربت ليتر ويسكي.
- يا رجل، ياما قطعت رؤوساً بهذا السيف المعلق خلفك (مسترسلاً) الله وكيلك أذكر مرة ضربت عنق أحد المعارضين، مخمّناً أنني كالعادة من أول ضربة سوف أدحرج رأسه إلى جانب جسده.. إلا أن الحقير كان يملك رقبةً كالخنزير. تخيّل أنني اضطررت إلى ضربه أكثر من عشر ضربات حتى تمكنت من فصل رأسه عن جسده.. قه كه هه هه.. وعينك وما تشوف نوافير الدم كيف انبجست من أوردة رقبته.. يا سلا....م!
- طيب هل جرّبت تعليق معارض من عضوه التناسلي؟
- هوهوو..ت، ياما وياما.. اسمع هذه القصة؛ أذكر مرة جاءني وزير داخليتي وهو يغلي من الغضب بسبب عناد أحد المعتقلين. وأخبرني أنه لم يترك وسيلة من وسائل التعذيب إلا واستخدمها معه، ومع ذلك لم يستطع استنطاقه! سألته هل استخدمت معه الكرسي الألماني؟ أجاب: بالتأكيد يا مولاي. هل استخدمت معه بساط الريح؟ أجاب: بالطبع يا مولاي.. هل قلعت له أظافره؟ هل كويته بالحديد المحمّى؟ هل وضعته بكيس خيش مع قط شرس؟ هل أطلقت عليه الكلاب الجائعة؟ هل استخدمت الخازوق؟ هل اغتصبت إحدى شقيقاته أو زوجته أمامه؟ هل؟ هل؟ هل.. كان يجيب في كل مرة: نعم، نعم.. العمى! شو هاد؟ قلتُ له طيب جرّب أن تعلّقه من عضوه التناسلي، لنرى صموده ومدى تحمّله، لن نخسر شيئاً..
وبالفعل، وبعد أقل من ساعة عاد وزيري مبتهجاً ليخبرني بأن زبون العوافي قد فطس بعد دقائق من تعليقه، فقد انقبع عضوه من جذوره.. قه كه هه هه.. ومنذ ذلك الحين أصبحنا نستخدم هذه الوسيلة..
- أي يعود الفضل إليك باكتشاف هذه الطريقة؟
- قصدك تقول براءة اختراع؟
- هئ هئ هئ.. الله عليك يا جلالة الملك.. يا سيدي أذكر مرة أن مجموعة من المعتقلين نفذوا إضراباً عن الطعام.. قال شو؟ قال سيقلّدوا بعض السجناء في أوروبا. هل تعلم كيف أجبرناهم على كسر إضرابهم؟ لن تحزر! يا سيدي وضعنا رأس كل منهم بجورة المرحاض و.. هئ هئ هئ.. وشربوا حتى تقيّأوا.. ثم أطعمنا كلاً منهم فأراً، ومن نافل القول أن الفئران لم تكن مشوية أو مسلوقة أو مقلية.. هئ هئ هئ.. وبعدها جمعنا من تبقّى منهم على قيد الحياة ووضعناهم في طائرة ورميناهم عراة في عمق الصحراء لتأكلهم الوحوش الضارية.. هئ هئ هئ.. وبعدها الله وكيلك لم يتجرّأ أخو قحبة على الإضراب عن أي شيء..
- قه كه هه هه.. أي.. يه ذكريات.. سقى الله تلك الأيام.. هل تعلم بأن أصوات توجّع وصرخات واستغاثات وأنين المعتقلين.. أفضل موسيقى سمعتها بحياتي؟
- صدقت يا سيدي.. أي.. يه! برأيك هل يمكن أن تعود تلك الأيام؟
- (وقد انقلبت سحنته وأجاب بجدية) والله يا صاحبي لا أعتقد. ويبدو أننا سننشئ قريباً رابطة للديكتاتوريين القدامى.. مع أنه الله وكيلك لم تنجب البشرية نظاماً أفضل من النظام الديكتاتوري.. يا أخي شعب جحش لا يساق إلا بالعصا.. قال شو؟ قال ديمقراطية وبطيخ مبسمر.. العمى لهالقصة! منّين طلعولنا فيها؟
- أفهم من هذا جلالة الملك أنك تنوي تطبيق قرار مجلس الأمن رقم (6666) المتضمن إلزام بلداننا بإجراء انتخابات حرة؟
- شوف يا فخامة الرئيس! دخولنا لعبة الديمقراطية بات محتماً علينا. خلّينا نكون صريحين وبلا لفّ ودوران! لذلك علينا تحضير أنفسنا لهذه اللعبة. أصلاً هم أنفسهم يسمّونها لعبة! وبصراحة أنا من جهتي أقوم منذ مدة بتهيئة وليّ عهدي لخوض غمار هذه اللعبة. وطبعاً كما تعرف نتيجة الانتخابات محسومة سلفاً..
- لا أخفيك سراً جلالة الملك أنني ومنذ زمن ليس بالقريب، أقوم أيضاً بإعداد المحروس ابني، خادمكم طال عمرك.. لوراثة، أقصد لتولّي مقاليد الحكم من بعدي.. لقد تعبتُ وأصبحتُ قاب قوسين أو أدنى من الشيخوخة.. يكفيني يا أخي نصف قرن من تحمّل مسؤوليات تجاه هذا الشعب، الله وكيلك انهدّ حيلي..
- أي.. يه! قدرنا يا فخامة الرئيس أن نكون أباً عن جدّ في الصفوف الأولى خدمةً لشعوبنا.. والمكتوب ما منه مهروب..
- بالفعل يا جلالة الملك المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين..
هذا، وفي نهاية الاجتماع قام الزعيمان بتقليد كل منهما الآخر، وسام النخوة العربية الأصيلة من الدرجة الممتازة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الذكاء الاصطناعي يكشف عن مسرحية مجهولة لكاتب إسباني كبير في


.. المخرج أحمد نور عملنا على فيلم لحظة تحول بين الألم والأمل بر




.. مفيد فوزي كان البوصلة بالنسبة لينا.. الشاعر جمال بخيت والكات


.. النائب محمود بدر بعض حالات فيلم لحظة تحول بين الألم والأمل ت




.. كلمة أخيرة - مفيد فوزي كان نفسه يشوف حفيده شريف على المسرح..