الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الى حكام السعودية: لا تستهينوا بلبنان المقاوم الذي انتصر على اسرائيل

جورج حداد

2021 / 11 / 7
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


بعد انتصار الثورة الفرنسية في 1789 بمبادئها القائمة على وضع "الحق فوق القوة"، ثم انحطاطها الى البونابرتية القائمة على وضع "القوة فوق الحق"، مرت مرحلة تاريخية طويلة، استمرت حتى الحرب العالمية الثانية، تمحور فيها تاريخ المجتمع البشري حول الصراع بين المفهومين الحقوقيين: "قوة الحق" و"حق القوة".
وكانت نتيجة الحرب العالمية الثانية ان جميع دول العالم وعلى رأسها اوروبا كلها واليابان، والاتحاد السوفياتي والصين، خرجت من الحرب مدمرة، ضعيفة ومفقرة. الا دولة واحدة استفادت من تلك الحرب، وخرجت منها سليمة، قوية وغنية، هي الولايات المتحدة الاميركية. وهذا ما مكن هذه الدولة من ان تفرض "قانونها" و"مفهومها الحقوقي" على جميع دول وشعوب العالم. والمفارقة هي ان هذه الدولة لم تكن قد وجدت بنتيجة مسيرة تاريخية حضارية لشعبها، كما هي جميع الدول الاخرى، بل قامت بنتيجة عملية اغتصاب استعمارية، بالقوة، لارض شعب اخر، وابادته ابادة كاملة والحلول محله. اي انها دولة بلا اي تاريخ حضاري، سوى تاريخ الاستعمار، وقامت بنتيجة افظع تطبيق عرفه التاريخ لقانون "حق القوة". وكانت حصيلة هذا التطبيق: ابادة 112 مليونا من "الهنود الحمر" (السكان الاصليين لاميركا)؛ و"شراء" 100 مليون رجل وامرأة وطفل تم اصطيادهم كالطرائد في الاراضي الافريقية، و"شراؤهم" وترحيلهم كعبيد الى اميركا، فمات تسعة اعشارهم في الطريق، وأستعبد العشرة الملايين الاخرون لدى المستعمرين البيض لـ"العالم الاميركي الجديد".
وفي اعقاب تراجيديا الحرب العالمية الثانية، اسست الولايات المتحدة الاميركية منظمة "هيئة الامم المتحدة"، بهدف واحد ووحيد هو: تطبيق "القانون الاميركي" او "شريعة الغاب الاميركية" على العالم، اي شريعة "حق القوة"، الذي تأسست عليه اميركا؛ وهو ما يعني، في الحساب الاخير: حق الولايات المتحدة الاميركية في الهيمنة على االعالم، لانها اقوى واغنى دولة في العالم.
وقد نُظمت هيئة الامم المتحدة (بما فيها مجلس الامن الذي يضم الدول الخمس الاقوى في العالم ويعطيها حق الفيتو) لكي تنفذ المفهوم "الحقوقي" الاميركي وتعطيه "شرعية دولية". ولكن بوجود "خروج" روسيا (الاتحاد السوفياتي سابقا) والصين على الهيمنة الاميركية، وقدرتهما على استخدام حق الفيتو، وضعت الولايات المتحدة نفسها فوق هيئة الامم المتحدة، واعطت نفسها وحلفاءها حق انشاء الاحلاف العدوانية، وشن الحروب وارتكاب المجازر والجرائم ضد الانسانية، خارج اطار الامم المتحدة نفسها، واحيانا كثيرة ضد قراراتها بالذات.
وبناء على هذا "المفهوم الحقوقي" الاميركي شنت اميركا وشاركت في الحروب ضد كوريا الشمالية وكوبا وفيتنام وافغانستان والعراق وغيرها من الحروب، وقتلت ملايين المدنيين، ودمرت الاوابد الحضارية التي هي ملك الانسانية جمعاء؛ واعطت لنفسها "الحق" في ان ترسل اساطيلها الوف الكيلومترات بعيدا عن حدودها، الى الخليج العربي ــ الفارسي، والبحر الابيض المتوسط، وبحر الصين، والبحر الاسود، وغيرها من المحيطات والاصقاع، بحجة "حماية الامن القومي الاميركي"، في حين "لا يحق" لاي انسان في العالم حتى ان ينتقد على الفيسبوك قيام الشرطة الاميركية بقتل الزنوج "الاميركيين!" دوسا بالاقدام.
وبموجب هذا "المنطق الحقوقي" "يحق" لممثل اسرائيل في الامم المتحدة ان يمزق امام انظار العالم تقريرا امميا يدين الممارسات الوحشية لاسرائيل ضد الفلسطينيين؛ و"لا يحق" للفلسطينيين ان يؤدوا الصلاة في المسجد الاقصى او في كنيسة القيامة، الا تحت فوهات البنادق الاسرائيلية واشداق الكلاب اليهودية البوليسية وغير البوليسية.
XXX
وباعتبار ان لبنان هو "بلد الاشعاع والنور" (قبل ازمة الكهرباء الحالية)، واحد "مؤسسي" هيئة الامم المتحدة، وشارك مندوبه، العميل الاميركي والفيلسوف شارل مالك، في وضع ميثاقها؛ كان لا بد من "لبننة" الالتزام بمفهوم "حق القوة"، الذي يعطي اميركا "الحق" في الهيمنة "بالقوة" على العالم، وإعطاء طابع "فلسفي" و"حقوقي" لهذا "الالتزام اللبناني" بقانون "حق القوة" الاميركي.
ولهذه الغاية انبرى في حينه عميد معسكر الخيانة الوطنية، شيخ عملاء اميركا واسرائيل والسعودية في لبنان، مؤسس حزب الكتائب، الشيخ بيار الجميل، بطرح الشعار "الفلسفي" القائل: ان "قوة" لبنان هي في "ضعفه"!
وهذا يعني ان لبنان يكون "قويا" و"سيدا" ــ داخليا، وعلى الساحات الدولية والاقليمية والعربية ــ بمقدار ما يكون "ضعيفا" ومنبطحا امام اميركا واسرائيل وايران الشاه والسعودية الخ.، وداعما لستراتيجية الهيمنة الامبريالية الاميركية وحلفائها "الاقوياء"، ومعاديا لاعدائها واعدائهم.
وبناء على هذا المفهوم الانبطاحي والخياني لـ"الحق" و"السيادة الوطنية"، فإن الدولة اللبنانية العميلة والفاسدة من اساسها شربت حليب الكلاب الجرباء، وقررت الوقوف "بقوة" ضد كل جهة تعارض اميركا صاحبة "حق القوة"، والى جانب كل من يقف في صفها؛ فتم التزوير الفضائحي للانتخابات النيابية في ايار 1947، وصار اطلاق النار ضد المظاهرات العمالية والشعبية الوطنية ممارسة دائمة للسلطة اللبنانية، ومنعت جريدة "صوت الشعب" الشيوعية، وصدرت القوانين المعادية للشيوعية ولكل نضال شعبي ووطني بتهمة "النشاط الهدام"، وفتحت السجون للشيوعيين والقوميين السوريين وغيرهم من الوطنيين، وجرت محاولة اغتيال القائد النهضوي انطون سعادة على ايدي حثالات حزب الكتائب المدعومين من السلطة، وحينما لجأ انطون سعادة الى سوريا، قام الدكتاتور السوري العميل حسني الزعيم بتسليمه الى السلطة اللبنانية، وجرت محاكمته الصورية واعدامه صبيحة 8 اذار 1949 بعد 16 ساعة فقط من اعتقاله؛ وصوت مجلس النواب اللبناني على قرار بتقديم 50 الف دولار لمساعدة اميركا في الحرب ضد الشعب الكوري؛ وبعد قيام اسرائيل وتشريد الفلسطينيين ولجوء مئات الالوف منهم من الجليل وشمال الارض الفلسطينية المحتلة، الى لبنان الشقيق القريب، عومل اللاجئون الفلسطينيون أسوأ مما عوملوا به في اي دولة عربية اخرى، وأسوأ بكثير من اسرائيل ذاتها، وزرعت المخيمات الفلسطينية البائسة بمخافر رجال الدرك الذين كان يتم اختيارهم من أحط وأسفل العناصر من الطائفيين والعنصريين وعديمي الشرف والاخلاق، الذين سمح لهم باستباحة حرمات اللاجئين الفلسطينيين ليلا ونهارا، حتى في مخادعم الزوجية، وتوقيفهم واهانتهم وتعذيبهم، بدون اي قرارات قانونية، وبدون اي حسيب او رقيب؛ وهو ما تحدث عنه فيما بعد القائد الوطني كمال جنبلاط الذي قال "لم نكن ندري ماذا يجري في المخيمات الفلسطينية التي تحولت الى معسكرات اعتقال مغلقة"؛ وحينما أنشأ المناضلان الفلسطينيان جورج حبش ووديع حداد، اللذان كانا يدرسان في لبنان، بواكير المنظمات الفدائية الفلسطينية، سمحت الدولة اللبنانية لاجهزة الامن والمخابرات باعتقال "المشبوهين" الفلسطينيين وتعذيبهم حتى الموت؛ وحينما بدأت بواكير التحركات الوطنية، ولا سيما في المناطق الشعبية ذات الاغلبية الاسلامية، للتضامن مع الشعب الفلسطيني ضد اغتصاب فلسطين، رفع حزب الكتائب العميل واضرابه شعارات "لاعروبة لبنان" و"السيادة اللبنانية" و"الحياد" بين العرب واسرائيل؛ كما ان عميلا صهيونيا قديما يختبئ في ثياب رجل دين، هو المطران اغناطيوس مبارك، نزل الى الميدان يزعق ان "المسلمين ليسوا لبنانيين اصليين، بل هم طارئون جاؤوا من الصحراء؛ وعليهم العودة من حيث اتوا".
ولكن في الوقت نفسه الذي كان يمنع فيه اللاجئون الفلسطينيون من العمل بشكل مشروع، ومن امتلاك ولو غرفة واحدة للسكن، ويمنع ادخال مواد البناء الى المخيمات الفلسطينية، لان ذلك يتناقض مع "السيادة اللبنانية"، فتحت جميع الابواب على مصاريعها لامراء وشيوخ النفط الخليجيين، وبنيت لهم الفنادق والملاهي والمواخير، وسمح لهم بشراء افضل الاراضي اللبنانية، وبالسيطرة على القطاع المصرفي والدورة المالية ــ الاقتصادية اللبنانية؛ وكان الشيخ بيار الجميل بجلال قدره يذهب شخصيا الى المطار لاستقبال "الاشقاء العرب!" المعطرين بالنفط والبنزين، والموالين لاميركا "سيدة العالمين"!
XXX
والان كيفما نظرنا الى المواجهة اللبنانية ــ السعودية الحالية، ومن اي زاوية نظر كانت، فهي لا تخرج عن كونها مثالا نموذجيا على تطبيق قانون "حق القوة" الاميركي، وفلسفة "السيادة" اللبنانية الخائنة والعميلة والانبطاحية امام اميركا واسرائيل والسعودية وزعانفها.
فأميركا "يحق لها" ان تحاصر ايران وسوريا ولبنان، وتجوّع شعوبها؛
ولكن المزارعين اللبنانيين "لا يحق" لهم بيع منتوجاتهم لسوريا حتى لا يخرقوا قانون "القيصر" الاميركي.
والسعودية "يحق لها" ان تستخدم الطائرات الحربية الاميركية من الجيل الخامس، واحدث الصواريخ الاميركية، لقصف دور العبادة والمستشفيات والمدارس والاعراس والمآتم، واغلاق مطار صنعاء وميناء الحديدة، لمنع الوقود والقمح وحليب الاطفال والادوية، وقتل عشرات الوف الاطفال والنساء والمدنيين اليمنيين، بالقنابل الذكية والتجويع والامراض؛
ولكن المثقفين الانسانيين، والاعلاميين الشرفاء، اللبنانيين، ــ الاستاذ جورج قرداحي او غيره ــ "لا يحق" لهم ان ينبسوا بكلمة اعتراض على العدوان الفظيع ضد الشعب اليمني الشقيق المظلوم، لان ذلك يتناقض مع قانون "حق القوة" الاميركي، ومع فلسفة "السيادة اللبنانية" الانبطاحية للخونة وعملاء اميركا واسرائيل والسعودية، الذين يختبئ بعضهم في الثياب الدينية كـ"طيب الذكر" المطران اغناطيوس مبارك.
XXX
ولكن حكام السعودية وزعانفهم الخليجيين، ومن فوقهم اميركا، ومن تحتهم الانبطاحيين "السياديين" الخونة، اللبنانيين، الذين يفتقدون تماما "قوة الحق"، يخطئون تماما ايضا في حسابات "حق القوة".
فقد مضى ثلاثة ارباع القرن على الحرب العالمية الثانية. والتاريخ العالمي لا يسير على التوقيت الاميركي. وحسابات "القوة" لم تعد في صالح اميركا واسرائيل والسعودية وعملائهم وكلابهم في اي مكان.
والامثلة على ذلك اكثر من ان تحصى. ويكفي ان نذكر منها ان السعودية حينما شنت عدوانها الغاشم على اليمن لم تكن تتصور ان تستمر الحرب الى الان. اما الان فقد اصبح واضحا لاي محلل ستراتيجي او حتى اي مراقب عادي إن انتصار السعودية في حرب اليمن هو مستحيل، اما انتصار الشعب اليمني البطل فقد اصبح مسألة وقت لن يطول.
وفيما خص لبنان الصغير، علينا ان ننصح حكام السعودية واسيادهم الاميركيين وغلمانهم وخصيانهم اللبنانيين بالقول لهم: لا تغتروا بقوتكم، ولا تلعبوا بالنار، ولا تستخفوا بلبنان الوطني المقاوم. فاسرائيل سبق لها ان هزمت جميع الجيوش العربية. ولكنها هُزمت في لبنان المقاوم. اي ان لبنان، بمقاييس "الحق" كما بمقاييس "القوة" ذاتها، هو الدولة العربية الاولى التي انتصرت على اسرائيل، اي انه اقوى دولة عربية، وخصوصا هو اقوى من السعودية التي كان لابطال المقاومة الوطنية اللبنانية دورهم الفعال في سحق مشروعها الداعشي في سوريا. وقد هُزمت اسرائيل في لبنان، حتى قبل ان يكون لدى المقاومة عشرات الوف الصواريخ ومائة الف مقاتل كما قال سماحة السيد حسن نصرالله.
اما السعودية فان لها "صفر قوة" في أي مواجهة مفترضة مع اسرائيل؛ وهي من ثم اضعف بكثير من ان تواجه المقاومة والجماهير الشعبية اللبنانية المناضلة التي انتصرت على "بعبع العرب": اسرائيل. واذا ركب حكام السعودية رؤوسهم وتابعوا المواجهة ضد لبنان، فمن المؤكد ان العاقبة ستنقلب عليهم وبالا.
والعين بالعينين، والسن بالفكين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب لبناني مستقل








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مظاهرات للنقابات وأحزاب اليسار ضد تعديل قانون التقاعد في فرن


.. باريس.. اشتباكات عنيفة بين مئات آلاف المتظاهرين والشرطة احتج




.. علاقة سعر الدولار بالأجور والغلاء في مصر ( 2)


.. بي بي سي نيوز عربي | الأزمة الاقتصادية في مصر تضرب مؤسسات خي




.. كيف يحدّ النظام الرأسمالي من حرية المرأة؟