الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


جائزة نوبل و علم الاقتصاد... أيُّ علمٍ هُو ..؟

محمد عبد الشفيع عيسى

2021 / 11 / 8
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم


حصل ثلاثة من الاقتصاديين مؤخراً على جائزة نويل "التذكارية" فى علم الاقتصاد لأبحاثهم عن سوق العمل، وقبل ذلك حصل باحثون آخرين فى السنوات الماضية عن موضوعات مختلفة من قبيل "الاقتصاد السلوكي" و "سلوك المستهلك" و "بحوث الفقر" و "المضاربات".

وقد أثار ذلك نقاشاً جاداً وغنياً تجاوز حدود الجائزة المذكورة ، إلى علم الاقتصاد ذاته. وتركز النقاش حول مدى (علمية) "علم الاقتصاد" ، حيث ينافح البعض عن "علمية" هذا العلم ، وأنّه علم تجاوز العتبة التجريدية إلى ميدان "التجريب" شأنه شأن العلوم الطبيعية ، ولذلك يستحق صفة العلم الحق – من وجهة النظر هذه. ومن جهة أخرى ، يرى بعض الباحثين (والمفكرين مثل الراحل الكبير سمير أمين) أن علم الاقتصاد ليس علماً وضعياً كما قد يُراد له، ولكنه علم اجتماعي يتمحور حول مفهوم "الاقتصاد السياسي" .
و فى هذا المضمار يثور أمامنا السؤال: هل الاقتصاد علم أصلاً ؟
وإذا كان علماً بحقّ - وهو ما يمكن القطع به على مدى زمنى طويل يمتد ليس لعشرات السنين فقط ولكن ربما لمئات- فهل هو "علم وضعى" positive على طريقة العلوم الطبيعية. في هذه العلوم الأخيرة يستخدم المنهج " الاستقرائي" أداة يُتَوسّل بها للتوصل إلى نتائج قبلة للبرهنة، بدء من الملاحظة ثم وضع الفروض فإجراء التجارب المعملية أو غير المعملية، وانتهاء بالتحقق من مدى صحة الفرض إثباتا او نفيا، تمهيدا لصياغة الاستنتاجات.
هل علم الاقتصاد بهذا المعنى علم وضعي بحت، أو تجريبي، ومن ثم يكون محايدا من الناحية الاجتماعية، بلا توجه إيديولوجي من أي نوع، فيكون، كما يقال، خاليا من القيم Value-free..؟
أم ان علم الاقتصاد في حقيقته ليس من قبيل العلم الطبيعي، التجريبي أو الوضعي، فيكون من قبيل العلم "التجريدي" القائم على استخدام طريقة "الاستنباط" كما هو الحال في الرياضيات وعائلتها الممتدة إلى الإحصاء والقياس؟ وفي هذه الحالة الأخيرة يكون علم الاقتصاد فكرا خالصا منبت الصلة بعالم التجارب التطبيقية..؟
أم أن علم الاقتصاد علم اجتماعي، موضوع دراسته هو المجتمع في شريحة من شرائحه الحية، شريحة "الثروة" ومن ثم "الناتج" أو "الدخل"، إنتاجا وتوزيعا وتداولا واستهلاكا..؟ و إن كان ذلك كذلك، وهو ما نميل إليه فهو ليس علما محض تجريبي أو طبيعي، ولا هو تجريدي محض "فكر خالص"، وإنما هو مزيج من الأمرين معا، تجريب وتجريد، استقراء واستنباط. ثم أن هذا العلم إن استخدم التجربة فهو لا ستخدمها او يستنسخها في "المعمل" أو في حقل العينة الإحصائية، و إنما معمله هو المجتمع نفسه، و إن حقله الدراسي ليمتد على طول وعرض التاريخ الاجتماعي، الإنساني بالذات.
وإن توسل علم الاقتصاد بالتجارب فبمعنى العمل تطبيق الأفكار على العينات الإحصائية توصلا لفهم مجتمع الدراسة ككل. وإن توسّل بالتجريد النظري فلوضع القاعدة الفكرية التي ينطلق منها لدراسة مفردات المجتمع ضمن الظاهرة الاقتصادية بمعناها الواسع من خلال خطوات البحث العلمي المتسلسلة: من الملاحظة إلى الفرض إلى التطبيق إلى عملية احقق من صحة الفرض فيما يسمّى Verification.
أما من يرون في علم الاقتصاد مجرد ميدان للتطبيقات والتجارب بدون فكر اجتماعي يستجيب لاحتياجات المجتمع و مطالبه الأساسية، فهؤلاء يعزلون الاقتصاد عن محيطه (الطبيعي)، أي الاجتماعي. و من يرون في الاقتصاد علما لحل "التمرينات الرياضية و القياسية"، أي علما يحتفل بالمنهجية الكمية دون فكر اجتماعي شامل، فهؤلاء يعزلونه عن النظرية وعن الممارسة في آنٍ معا.
و لأنّ علم الاقتصاد علم اجتماعي –إنساني فهو علم غنيّ حقا منذ نشأته الأولى، فقد حفل بالتنوع الفكري الممثل للتطورات الاجتماعية والدولية في كل حقبة، و أطلقت عليهم التسميات من مؤرخي الفكر الاقتصادي، بدء من (التجاريين أو "المركنتيليين") و ( الطبيعيين أو "الفيزيوكرات") إلى الكلاسيكيين (أو التقليديين) ثم الكلاسيكيين الجدد ( أو التقليديين المُحدَثين)، وكل هذا في إطار المسار العام للفكر الغربي الرأسمالي من القرن السادس عشر إلى القرن العشرين، حيث شهد القرن الأخير في أواسطه نشوء وازدهار تيار آخر مختلف من داخل الفكر الرأسمالي بمعناه العريض، وهو التيار (الكينزي) –نسبة إلى جون ماينارد كينز-الذي أدخل مفهوم "تدخل الدولة" ليوازن تيار (حرية السوق) السائد إلى حد بعيد من البداية حتى اليوم. وفي مواجهة الكينزييين و (مابعد الكينزيين) الداعين إلى التدخل و "دولة الرفاهة" في أوربا وأمريكا منذ ثلاثينات و أربعينات القرن العشرين حتى سبعيناته عموما، رجعت الكلاسيكية الجديدة-القديمة في ثوب قشيب لتجدد مذهب (حرية الأسواق) باسم (الليبرالية الجديدة) وخاصة من خلال (النقديين الجدد) وما يسمى بمدرسة شيكاغو، بزعامة ميلتون فريدمان، في عودة كاسحة متعددة المسميات والشعارات فيما عرف بإرثوذكسية السوق، والتي يتبناها ثنائي "البنك الدولي" و صندوق النقد الدولي" بقوة منذ مطالع الثمانينات.
أما عن الفكر الاقتصادي الاشتراكي فحدّث ولا حرج، ابتداء من كتاب "رأس المال" لكارل ماركس الصادر في خمسينات وستينات القرن التاسع عشر، وتبعه شلاّل من الفكر متنوع المرامي و الأشكال حتى ستينات وسبعينات القرن العشرين من حول التجربتين السوفيتية و الصينية "الماوية"، أو في معارضتهما على مستوى أوربا و "العالم الثالث". و إلى جانب الفكر الاقتصادي الاشتراكي، ولكن ليس بعيدا عنه قامت مدارس فكرية داعية إلى ضرورة تحقيق التكافؤ في النظام الاقتصادي العالمي، و مواجهة "التبعية"، و إلى ضرورة العدل الاجتماعي الجذري، و التنمية الاقتصادية المتمحورة حول التصنيع والتطوير التكنولوجي و "الإحلال محل الواردات"..إلخ. وما يزال شلال التيارات المعارضة لإرثوذكسية السوق (أو أصولية الأسواق) قائما يتدفق، ومن أحدث موجاته خلال الأعوام الأخيرة كتاب توماس بيكيتي (رأس المال في القرن الحادي والعشرين)، بالإضافة إلى تجديدات متنوعة من قبيل "المدرة المؤسسية" وغيرها.
هذا، و لقد اطلعت على قائمة الحاصلين على جائزة نوبل (التذكارية) في " العلوم الاقتصادية" منذ إنشائها (1968/1969) فوجدت أعلاما لا يُشقّ لهم غبار، وخاصة في البدايات من قبيل راجنار فريش و يان تبنبرجن و جونار ميردال و بول سامويلسون و فاسيلي ليونتييف وميلتون فريدمان و أرثر لويس و روبرت سولو و دوجلاس نورث و أمارتيا سن وجوزيف ستيجلتز، حتى بول رومر في 2018 وغيرهم. ولكن هذه استثناءات لا يقاس عليها فيما يبدو، إذ تربت الجائزة لتحاكي التحيزات العقائدية لمؤسسيها ومانحيها من السويد. هذه التحيزات تتجلى في التركيز على ذوي المنهجيات من خلفيات (مؤمنة) في غالبيتها بأصولية "السوق" من (النيو كلاسيك) بصفة خاصة، و ذوي النزعة التطبيقية و "التجريبية" و "الكمية" على ظواهر جزئية متفرقة من المجتمعات الرأسمالية الحديثة في المقام الأول، مع ندرة نادرة لممثلي الاتجاهات الأخرى في علم الاقتصاد مثل ذوي الخلفية الكينزية او المؤسسية. أما الاتجاهات ذوات الميول (الاشتراكية) أو (غير الرأسمالية) فيمكن لنا أن نزعم أنها لم تُمثل أصلا. فهل يمكن ان نحلم بمثل جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية على المستوى العربي لتقدم الطيف العريض لهذه العلوم حقا..؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - استعراض مختصر ولكنه رائع للمدارس والاجتهادات للفكر
الدكتور صادق الكحلاوي ( 2021 / 11 / 9 - 05:24 )
القتصادي تاريخيا وحاليا-الاهم علينا الابتهاج بهذا التنوع والتعدد في الفكر الاقتصادي وعلينا ان نعلم ان الحياة -الاقتصاديه-شديدة التشابك بالحياة الاجتماعيه والسياسيه ونظراللتطور الهائل للاقتصاد في العالم وتعقد العناصرالداخله في العملية الاقتصاديه وتشابكها مع نشاطات لم يخطر ببال الكلاسيكيين على تنوعهم انها ذات علاقه ب علم الاقتصاد او الفكر الاقتصادي-مثال صغير وهو من تجربتي العلمية الاقتصادية فقد دخلت بعد الدكتورا في اواسط الستينات العمل الاكاديمي التدريسي-البحثي والاداري الجامعي حتى وجدت نفسي في بداية السبعينات ضمن حزمة من الاقتصاديين صغيره ولكنها تشمل الشرق والغرب والبلدان الناميه تبحث في التعليم كعنصر في الاقتصاد مثل العمل حتى انه تبلور فرع جديد سمي في حينه باقتصاديات التعليم والتخطيط للتعليم كجزء هام في التخطيط الاقتصادي الاجتماعي-حتى انني في ال73 انجزت ودافعت عن دكتورا ثانيه في اطروحة عنوانها = تطور التعليم في العراق لسنوات 70-2000 بالارتباط بمتطلبات التطور الاقتصادي والاجتماعي للبلاد- وهذا يعني ان مايمكن ان يكون اقتصادا يشمل قطاعا حساسا في تنشئة افراد المجتمع بل بالصحةكقطاع اقتصاد

اخر الافلام

.. قوات الاحتلال تنفذ عملية عسكرية في مخيم جنين والمناطق المحيط


.. رئيس مجلس السيادة بالسودان يشدد على ضرورة العودة للمسار الان


.. موريتانيا.. أكواخ بأشكال متنوعة من سعف النخيل تنتشر في مدينة




.. المفوضية الأوروبية: نتابع الأعطال التي تم الإبلاغ عنها في خط


.. مشاهد لتحرك السحب مع قرب العاصفة إيان في سماء أميركا