الحوار المتمدن - موبايل


انطباعات عن رواية (رقصة الشامان الأخيرة) للكاتب عبد الرحمن حلاق

يوسف الخضر

2021 / 11 / 24
الادب والفن


تنطلق الرواية من واقع أحداث الثورة السورية، وتحلق بعيداً في آفاق الإنسانية لتسلط الضوء على ما يمكن أن يكون أكثر نقاءً وصدقاً وإخلاصاً في هذا الحدث الكبير.
إنها شجرة جديدة تنضم إلى حقل النتاج الأدبي المؤرِّخ لأخطر وأكبر حدث تمر به سوريا عبر تاريخها الطويل في تجاذبات الحرب والسلم، وثنائيات الدمار والحضارة.
لقد شمل أطلس الرواية جغرافية واسعة من مساحة الثورة السورية، فمن السويداء مروراً بدمشق وحمص إلى حلب الكبرى، ما أعطاها بعداً بانورامياً للواقع والأحداث مسلطاً الضوء على حلكة الظلم ونصوع الحرية، وعلى التضحيات التي لونت خلفية ذلك البعد بسواد ورمادية بعض الأشخاص، وبلون الدم القاني الذي يعمق الألم ويكشف عن عمق الأمل.
الرواية ليست سرداً منفتحاً ولا توثيقاً مقيداً بزوايا المكان أو بقوالب الزمان مع الإحساس بوجود ذلك كله في ظلال كل حدث فيها ومع كل خطوة تخطوها شخصيات الرواية، فقد تجاوزت الرواية تقليدية السرد وصرامة التوثيق في آن معاً. إذ رصدت بعفوية وبساطة دقائق الأفعال والأقوال، وتتبعت نأمات القلوب وهواجس الفراق والخوف والحرمان ونوازع الحب والتضحية، بل تمكنت بهذه العفوية والبساطة من سبر أعماق الشخصيات وتعرية ما حاول بعضها إخفاءه من معتقدات ومواقف ومصالح وإيديولوجيات.
استطاع الكاتب أن يصهر شخصياته رغم تنوع انتماءاتها في بوتقة الواحد التواق إلى الحرية المتسامي على التصنيفات كلها، حتى لتحسَّ أنه كان إحدى هذه الشخصيات أوقريناً لكل منها، كاشفاً فضاءات فكرية واجتماعية وإنسانية واسعة، ومردُّ ذلك شدةُ التصاقه بالواقع السوري ووعيه لخلفيات الأحداث وخبايا المواقف ما أسهم في تعميق التأثير والإقناع الوجداني لدى المتلقي (اسمي خالد، وربما يكون اسمي غيث أو ريم أو آزاد أو صباح). شخصيات رغم تنوعها ثقافياً وعمرياً ومناطقياً ومذهبياً يجمعها هدف واحد تسير إليه وتعاني لأجله مع أبناء سوريا المنكوبة في غالبية مناطقها.
كشفت الرواية جشع وانحطاط بعض المؤتمنين على العمل الإغاثي وارتزاقهم منه، بل ثرائهم في الوقت الذي كان الشعب في أمس الحاجة لأية جهود إغاثية، وعلى الطرف الآخر ثمة جنود مجهولون يقومون بدورهم الإنساني الرائع الذي يستحقون عليه الشكر والتقدير على مَرّ ِالأجيال.
وظَّف الكاتب أحداثاَ جرت في مناطق أخرى من العالم كانت تلقي بظلالها على مسارات ومآلات الثورة السورية من خلال حدس وطنيٍ صافٍ وهواجسَ مشروعة تؤججها الغيرةُ على الثورة والوطن، ويدفعها توجسٌ مريبٌ من المساراتِ المنحرفة والتقلباتِ الغادرة التي تحدث. (في زمن الصّراع المسلح الكل يتحوّل إلى عصابات وأمراء حرب. أخشى ما أخشاه أن يجعلوا من سوريا أفغانستان أخرى).
هذا التوظيف لم ينحصر بالإسقاطات السياسية والدينية الحديثة بل اتسع عبر الماضي والخيال (الديني) ذي الأبعاد السالفة العميقة بمفرداتها وتجذرها.
(الشامان والشجرة والينبوع والرقص والنار ….) الى أصوات (السيوف والغزوات والعويل ......).
هذه الرموز بدلالاتها المنفتحة اجتماعياً وثقافياً وسياسياً وتاريخياً تسبرُ مشاعرَ وتطلعاتِ الكثيرين من ابناء سوريا بكل أحوالهم صعوداً وهبوطاً وأملاً وانكساراً.
اعتمدت الرواية تقسيمات جديدة للفصول حسب أسماء الشخصيات، وهذا ما جعل هذه الشخصيات حاضرة في ذهن القارئ راسمة الأحداث بشكل مترابط منتظم زمانياً ومكانياً من غير الإحساس بأية فجوة أو انفصال. يستحضرها القارئ دون عناء ويسترجعها متى شاء، حكاياتٌ داخل حكايات وأحداثٌ تنتجُ عن أحداث وشخصياتٌ تلتقي عن بعد وتلتحم عن قرب.
كل هذا ساهم بالحفاظ على ديمومة الحدث والأثر معاً، وكذلك بالتأثير في القارئ المنفعل والنشط دائماً.
تتخلل الرواية مقاطع (فصول) بلا عناوين تسلط ضوءاً على مسارات الأحداث، فهي أقرب إلى التحليل أو التعليق الذي يحوط القارئ بلطف، ويقوده بسلاسة للتعليل والتنبؤ بما يمكن أن يحدث، ويسهم كذلك بمتابعة المسير الزمني المنطقي واصلاً خيوط المكان بالأحدات كاشفاً بعض الخبايا والنوايا المبيتة ، وتحللُ في الوقتِ نفسِه وترصدُ بعض العقائد والأفكار بجِدها وهزلِها وصوابها وانحرافِها . تلك التي قادت الأحداث إلى مآلات مخزية شوهت ملامح الثورة التي لم تعد واضحة للبعض بسبب تطرف وتشويش كثير من الأفكار والعقائد التي أُريدَ لها أن تُحدِث شرخاً كبيراً في جسدِ هذه الثورة، بل شروخاً يصعبُ شفاء ُكثيرٍ منها.
الإيجازُ والتكثيف إحدى سمات لغة الرواية أحياناً وانسيابها وبساطتها أحياناً أكثر، فالطاقةُ التعبيريةُ قد تُخرِجُ الكاتب من الحياد اللغوي مع بساطة الحوار الذي يصبُّ في مقارباتٍ مبدعة للمواقف عبر الغوص في تحليل فلسفة الوجود والحياة والبقاء برمزيةٍ تلقي بظلالها على الواقع (لا ينبغي لمن خطا أن يتوقف عن الخطو، نولد من العتمة إلى الضّوء، العتمة سكون والضّوء حركة، لا أحد يتوقف في الضّوء، الثّبات موت والموت عودة أبدية إلى العدم. آويت إلى شجرتي، أقطف منها تفاحة العناد، قالت لي احرص على الأسباب فبها يستمرُّ الضّوء، إله الظّلمة أناني جشع، يريد أن يستأثر بالزّمان والمكان يعتقد أنّه الأبد ومنه تبدأ الأشياء وإليه تنتهي، لا تصدق تلك النّقطة البيضاء في عمقه الأسود فهي الهاوية حيث مستقرُّ السّكون )، ولهجة الكاتب في حديث المتكلمين ولغتُه الخاصة المبسطة فيها، والحوارات الداخلية والخارجية موظفةٌ بوعيٍ يزيد من توهجِ العبارات، فتحملُ أبعاداً نفسية متشعبةً بعيداً، ما يجعلها فوق الأطرِ المحدودةِ والتقنية التقليدية المعهودة.
الرواية تصنع وثائقيتها الخاصة بها من خلال واقعيتِها الفردة القادرةِ على الانسجام مع ظروفِ القارئ في إطار المنطقِ الذي ينبذ النفورَ والاستغرابَ من واقع ما حدث في سوريا رغم غرائبيتِهِ عند القارئِ البعيد الذي لم يقتربْ ولم يكتوِ بنارِ الظلم.
إنها دراما الألمِ والجوعِ والقتل والتنكيلِ وكلِّ ما يمكنُ تصورُه من غدرٍ وبشاعة بشريةٍ حدثت ويمكنُ أن تحدث. (الثّورة شجرة مضيئة ستتسلق عليها الطفيليات وربّما تنبت على جذعها الطّحالب)، بهذه النبوءة الواقعية يتم توصيف الثورة ومآلاتها (وقد تتيبس أغصانٌ وتتساقط أوراق، ستعشش فيها العصافير وستغزوها الطّيور الجارحة، وسترتع في ظلّها الحشرات من كلّ صنف، وسيحاول الحطّابون قصّها أو اجتثاثها.)
دراما لا تخضع إلا لوعي الكاتب ونبلِ مواقفه وغريزةِ التأليفِ لديه. يتوسلها ليبرزَ الحقيقةَ التي حاولت جهاتٌ خارجية وداخلية تشويهَها وحرفَها عن هدفها الأسمى.
استخدم الكاتب في سردهِ الممتع أيضاً تقنيةَ "الفلاش باك" التي استطاع من خلالها تلوين الترابط بين الشخصيات والأحداث ورصدَ تفاصيلَ دقيقةً أسهمت في تعميق صورة الواقعِ المعاشِ لأبناء سوريا المهشمة بقنابلَ وصواريخَ ورصاصٍ من كوكتيل العدوان.
الرواية بناءٌ متكاملٌ لثورة تصدَّعت بفعل الأيدي السوداء في الداخل والخارج.
هي إرثٌ يُضافُ إلى حكاياتِ شعبٍ عانى مما لا يخطرُ على البال من أشكالِ المعاناةِ وفرادتِها في فترةِ من حياة شعب تعادل معاناة أزمنةً طويلةً لحيواتِ شعوبٍ في أماكنَ أخرى من العالم، وفي مكانٍ صغيرٍ نسبياً ضم من المآسي ما قد يعدلُ مآسيَ كبرى من تاريخِ البشرية.
ستظلُ هذه الأحداث في ذاكرة شعبٍ تكالبت عليه مجاميع القتلة واللصوص وقطاع الطرق وعصاباتُ العقائدِ والشعاراتِ الفاسدة إلى أن يُكللَ كفاحُ هذا الشعب بإكليلِ الحرية.
(في نهاية المطاف ستكمل دورة حياتها وسيأكلُ أحفادُنا من ثمرِها بكل تأكيد).








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حسن أبو الروس بلوك غريب في ختام مهرجان القاهرة السينمائى


.. إطلالة الراقصة دينا في ختام مهرجان القاهرة السينمائى


.. أسماء جلال تتألق بفستان أحمر في ختام مهرجان القاهرة السينمائ




.. الرأى الشرعى فى أزمة رشوان توفيق وابنته.. هل خالف الفنان الق


.. إطلالة هنا شيحة في حفل ختام مهرجان القاهرة السينمائى