الحوار المتمدن - موبايل


منظمة دول حوض نهر النيل - نحو خيار استراتيجى لحل أزمة سد النهضة

مؤمن رميح
محام ومستشار قانونى وسياسي مصري

(Moamen Romaih)

2021 / 11 / 25
مواضيع وابحاث سياسية


نشبت أزمة تقاسم مياه نهر النيل من جراء إقدام إثيوبيا على إنشاء سد النهضة من أجل احتجاز تدفق مياه نهر النيل نحو دول المصب بزعم استغلال ذلك فى توليد الكهرباء لمصالح التنمية فى بلادها ، وكانت رحى المفاوضات تدور حماها حول الاتفاق على تحديد نصيب كل من دولتى المصب مصر والسودان بعد إنشاء السد ، فكانت دولتى المصب تحاول على أن يظل نصيبها فى مياه النهر على نحو ما هو متفق عليه سلفا بين الدولتين بموجب اتفاقية تقاسم مياه النيل المعقودة بالقاهرة نوفمبر 1959 بحيث تحتفظ مصر بحقها التاريخي المكتسب بموجب اتفاقية تقاسم المياه المعقودة عام 1929 والتى أبرمتها الحكومة البريطانية مع مصر وأقرت فيها لمصر بحق الاعتراض على أية مشروعات على النهر والروافد المرتبطة به والتى من شأنها أن تلحق ضررا بمصالح مصر ، إضافة إلى حقها فى الفائدة المالية من السد العالى وخزان الروصيرص ومشروعات زيادة إيراد النهر بحيث يكون النصيب الإجمالى السنوى لمصر 55.5 مليار متر مكعب ، فى حين يبلغ النصيب الإجمالى لدولة السودان 28.5 مليار متر مكعب .

وأيا ما كانت طبيعة المفاوضات حول بناء السد وما يدور بشأنها ، فإنها كانت فى المقام الأول تدور حول التزام دول المنبع وبالاخص دولة أثيوبيا فى منع اقامة أية حواجز أو سدود تعيق تدفق المياه بالحصص المذكورة سلفا أو بحصص جديدة يتفق عليها الاطراف المتفاوضة ، بما معناه أن يترك للدولة الأثيوبية الهيمنة الكبرى في سلطة منح ينبوع الحياة لدول المصب ، دون وجود سلطة عليا مهيمنة على إدارة المجرى النهرى من منبعه حتى مصبه سواء كانت فى حصص المياه لكلا الدول المشاركة أو استدامة سبل التنمية لحوض مجرى النهر .

وإذا كانت تلك هى الحقيقة الواقعية فى منح السيادة العليا للدول فى إدارة مجرى النهر ، فإنه سيكون للنظم الحاكمة فيها - ايا كان النظام الذى يحكمها - سلطة المنح والمنع فى أى وقت تريده ، وحسبما تكون المصالح السياسية حينها متشابكة أو متعارضة ، وحتى فى حالة وجود التزام دولي يتفق عليها بشأن الأنصبة ، فإن التجربة العملية على الصعيد القانونى تجعل من التدابير المتخذة لدولة أثيوبيا بشأن مفاوضات سد النهضة خيارا لا يمكن القبول به حال المنع من قبلها ، بحيث تكون حينها ارادة دولتى المصب قابعة تحت سلطان ما يجري تدبيره من دولة المنبع ، فضلا على ان الحروب الأهلية المهيمنة على المشهد السياسى لدولة المنبع وغيرها من الدول تجعل من خيار رهن الالتزام الدولى تحت ارادة النظام الحاكم أمر لا يمكن الاعتماد عليه سواء للاجيال الحالية أو القادمة ، فلا يكون أمام دول المصب سوى الرضوخ لإرادة دول المنبع او القبول بشروطها سواء على صعيد ذلك الملف او غيره ، وهذا ما لا يمكن القبول به إطلاقا .

وآية القول تفرض على دول المصب تبنى استراتيجية جديدة للتحرك بها على الصعيدين الإقليمى والدولى ، وهى ضرورة تبني استراتيجية إنشاء منظمة جديدة وهى منظمة دول حوض النيل تكون عضويتها قاصرة على دول حوض النيل البالغ عددها إحدى عشرة دولة ، بحيث تتمتع هذه المنظمة بحق إدارة مجرى النهر وحوضه وأعمال التنمية الخاصة به لزيادة إيراد النهر من منبعه حتى مصبه ، مع نزع أى وجود لسيادة الدول عليه بما فيها السدود المقامة على مجرى النهر ، بحيث تكون هذه المنظمة هى من تتولى وضع استراتيجيات إدارة النهر وتنفيذها من قبل الجهاز التنفيذى الدولى الخاص بها والتى سينشأ لها فروع فى دول حوض النيل بأسرها فضلا عن إدارتها لكافة المرافق التنفيذية الرئيسية المرتبطة بها .

وهناك استراتيجية أخرى منحاها أن تكون لهذه المنظمة حق الرقابة والتفتيش على مجرى النهر لضمان تنفيذ الدول للاستراتيجية الموضوعة من قبلها ، فضلا عن مراقبة تنفيذها وعدم حيود أى دولة عنها ، مع احتفاظ كل دولة بسيادتها المطلقة على إدارة مجرى النهر وحوضه فى ضوء القرارات التنفيذية المتخذة من قبل الجهاز المختص داخل المنظمة الوليدة .

وتنشا هذه المنظمة من قبل دول حوض النيل وتشترك جميعا فى وضع استراتيجيات أعمال تطوير مجرى النهر وحوضه والموافقة على اقامة المشروعات التنموية المتولدة عن النهر وذلك عن طريق إقرار ذلك من قبل المؤتمر العام الذى يتكون من أعضاء يتم تعيينهم بعد ترشحهم لعضوية المؤتمر العام للمنظمة وموافقة البرلمانات فى كل دولة على حدة ، ويتولى المؤتمر العام إقرار الخطة السنوية لمشاريع المنظمة وتمويلها والقرارات التنفيذية المتعلقة بها على أن تعرض هذه الخطة بعد ذلك على مجلس محافظى المنظمة المتشكل من وفود الدولة الإحدى عشر بحيث يكون لكل وفد صوت واحد فى اجتماع مجلس المحافظين والذى يتشكل هذا المجلس من قبل السلطة الرئاسية أو المجلس الوزاري طبقا لطبيعة النظام السياسى للدولة . ويتولى المؤتمر العام ومجلس المحافظين سلطة تعيين المدير العام للمنظمة المرشح من قبل مجلس محافظى المنظمة وكذلك الموافقة على ترشيحات المدير العام بشأن موظفي الجهاز التنفيذى الذى يتم تعيينهم فى المنظمة والفروع الخاصة بها فى كل دولة على حدة ، بحيث لا يجوز تعيين موظف منتمى لجنسية فرع الدولة الموفد للعمل بها منعا من تضارب المصالح و إقرارا لمبدأ اقليمية المنظمة وسيادتها على طول مجرى النهر وحوضه .

ويتشكل المؤتمر العام من قبل الاعضاء الذين تتم الموافقة عليهم من قبل برلمانات الدول الأعضاء بحيث يكون لكل دولة 10 أعضاء فى المؤتمر العام للمنظمة ويكون لكل عضو صوت واحد فى اجتماعات المؤتمر العام ، بحيث لا تتمتع أى دولة بانفرادية تشكيل القرار الجمعي للمنظمة .

وبموجب تلك المنظمة وكأثر غير مباشر من إنشائها فإن سد النهضة على وجه الخصوص وكافة السدود الأخرى ستكون خاضعة لإدارة المنظمة بشكل مباشر أو على أقل تقدير فى حال تبني الخيار الإستراتيجي الثانى وهو تبنى المنظمة حق الرقابة والتفتيش ، هو عدم انفراد إثيوبيا بتقرير مصير نصيب مياه دول المصب ، ويبقى للقرار الجماعي للمنظمة الكلمة العليا بشأن استخدام مياه النهر وتحديد الأنصبة منها الخاصة بكل دولة على حدة ، ومنع حدوث تدهور فى كميات المياه الغير مستغلة والمهدرة نتيجة عدم اهتمام دول المنبع بها نتيجة وجود فائض في كمية المياه اديها ، رغم وجود ندرة نسبية لحجم المياه لدى دول المصب ، وذلك من خلال إقامة المشاريع التى تمنع هدر المياه وتزيد من ايراد النهر لصالح شعوب المنظمة .

وبالتالى فإنه يجب اعادة التفكير فى استراتيجية التفاوض مع دولة إثيوبيا بشأن سد النهضة بحيث لا تكون المفاوضات موجهة فى أثرها المباشر نحو سد النهضة ونصيب دول المصب من المياه المتدفقة منها ، بل يجب ان تتخذ الدبلوماسية المصرية خيارا استراتيجيا آخر على الصعيد الإقليمى وهو طرح إنشاء منظمة دول حوض النيل على الإحدى عشر دولة ، تحت رعاية مظلة الأمم المتحدة والإتحاد الإفريقي والدول ذات المصلحة المباشرة وغير المباشرة وبالتنسيق والتشاور والتفاوض مع الدول الإحدى عشر ، بحيث تقبل هذه الدول جميعها بالدخول فى إطار هذه المنظمة وذلك من خلال تبنى استراتيجيات إحلال الأمن المائى والشراكة فى التنمية والانتفاع المنصف للمياه المتدفقة فى المجرى النهرى الدولى والذى يعتبر أحد مقاصد الأمم المتحدة والإتحاد الإفريقي .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. واشنطن تحذر من تبعات أي عملية عسكرية روسية في أوكرانيا| #مرا


.. أفغانستان.. البنك الدولي يفرج عن أموال مجمدة لمساعدة البلاد


.. إجراءات تونسية في المنافذ الحدودية لمواجهة - أومكيرون-| #مرا




.. تسجيل أول إصابة بـ-أوميكرون- في الولايات المتحدة| #مراسلو_سك


.. تعرف على شبكة أنابيب الغاز الروسي إلى أوروبا