الحوار المتمدن - موبايل


ما لم يقلهُ النقاد في (ما لم يقلهُ الرواة)

صلاح زنكنه

2021 / 11 / 25
الادب والفن


مما لا شك فيه أن القاصـة العراقية المتألقة لطفية الدليمي, تعـد واحدة من أبرع القاصات والقـاصين العرب, بما أنجزته مـن نـتـاج ثـر يسـتحق المزيـد مـن الاهتمـام والمتابعة والدراسة، وما أود قولـه في هذه العجالة لا يتعدى أكثر مـن وجهة نظر قاص في جانب من جوانب قصص هذه القاصة المبدعة، التـي أكن لها كل الحب والتقديـر، وأنظـر بإعجـاب لمثابرتـها واخلاصـها لشغلها الذي كرست له منذ ثلاثيـن عاما ونيف, استطاعت خلالـها أن تحقـق نجاحا بـاهرا, وتنفـرد بأسـلوبها الخاص وبصمتها المميزة.

بدءا تمتاز لغة لطفيـة الدليمـي بالرصانـة والشـفافية، رصانـة الجملـة القصصيـة ومتانتـها، وشفافية الصياغة والتعبير واضفـاء الطابع الشعري عليهما، ويبدو لـي من خلال متـابعتي الشخصية أن افتتانها باللغة وانثيالاتها, قد أوقعـها بقصد أو بدون قصـد فـي شـرك (الشعرياتية) أو ( التشـاعرية ) أي اقحام النفس الشعري على الأسلوب السردي, وضـخ عشـرات الـدوال المتوالدة والمترادفة لتفضي الـى مدلول واحد، وهذا ما جعل حسـب اعتقادي نصوص (مـا لـم يقلـه الـرواة) أن تنحـرف عـن جنسـها السردي, وتتخذ مسارا خطابيا هـو خليط من الشعر والقصة، أو قـص شعري، هذا النمـط الكتـابي ذي البناء السردي والتشفير الشـعري، حيث غيـاب الحـدث والشـخصية والحبكة وهلامية الزمان والمكـان، وطغيان الدفق اللغوي والإنشائي والتهويمات الشعرية حد الاستغراق في التزويق اللفظي, ليقـترب ويقترن الى حد ما بالخاطرة التـي عرفـها الجرجـانـي فـي كتابـه (التعريفات) بأنها (ما يرد على القلب من الخطاب) وهي (الخاطرة) كما يحيل لسـان العرب الى (ما يخطر على القلب مـن تدبير أو أمر, وهـو الـهاجس) وما تبثه قصص هذه المجموعة من هواجس ولواعج ومناجاة يؤكد مـا ذهبنا اليه، ولنستل هذا المقطع من قصة "شفرة العاصفة" كأنموذج وحسب.

(مسافة الحب بارعة بفيـض النجوم والموسيقى, وضحكات الغيوم مسافته موغلة في النهار والضـوء والكتب والطيوب والحمائم والعشـب والأزاهير والنخيل, وهما يعبران بابا وربما نهرا اليها. ربما أقاليم مـن هضاب وصخور ومكتبـات ومدنـا وشعابا وربما هو باب، محض باب يعبران العتبة تحت قـوس معقـود بأضواء راجفة، ويطـآن أول أرض في مملكة الحب)

ولاحـظ الافتتـان والانجـرار اللفظي في هذه الجملة من قصـة "رغوة الغرف الذابلة" (الحـزن الحار الحنون الحفار الحرون يحرق يداعب يحار) ص 76 و (أنا وحـدي مع الغيم والغيلان والغبار والغبـاء) ص 77 وتزخـر تـوصيفاتها السردية, بمفردات (الماس والبلـور واللؤلؤ والرخام والنحاس والفضة والذهـب والحديد والبروق والبحر والمـوج والأقمـار والشـموس والحجـر والحـالوب وأزهـار الحمضيـات والقرنفـل والأس والسـراخس واللبـلاب والصبـار والأرجـوان, والاركاديـا والارانيـا واللانثانـا !!! وأشـجار السـرو والسـدر والبرتقال والعنب والليمون الـهندي والعطور والشذا والأريج والمسـك والعنـبر والصنـدل والزعفـران والنـادرين والحيوانـات والطيـور والحمامات والفراشـات والأسـماك) وووكل ما يستوعبه الفضـاء الشعري ويسـتهلكه مـن رمـوز وايقونات ويؤطر تشكيله الفضفاض اللامتناهي, دون أن تشـغل حـيزا قصصيا أو تخدم الفعـل القصصـي.

وفـي قصـة (شـفرات العصـر الشمعي) تحشر مقطعا أرادت لـه أن يكـون شـعرا خالصا, وبرسـم شــعري مقصود (ضحى القيامة المطرية أقضم كلماتي وأحتسي تاريخ الحجر, لعلني أغـدو بصلابة الكاربون فأمـا احـترق أو اتبلور ماسة باردة) ص 27
ولو رفعنـا عـشـرات الجمـل والعبارات الفائضـة مـن بعـض القصص, لما اختل توازنها بـل قـد يزيدها تماسكاً, ولو جردنا قصص أخرى مـن زخرفتـها وانثيالاتـها اللغوية لبدت مجرد هياكل شاحبة لا تمت للقصة بصلة كما في قصـة (الريح) وقد لجأت القاصة بعـد أن أعيتها الحيلـة القصصيـة في قصتيـن الـى التقطيـع ووضـع عنوانات فرعية، ففي قصة (جيـاد في الليل) قسمت القصة الى ثلاثـة مقاطع ۱- صهـيل الجيـاد ۲- موسـيقى وشاشـات ۳- قـهوة بيضاء, ويكاد كل مقطع يمثل نصـا منفـردا بحـد ذاتـه، وفـي قصة "شفرات العصـر الشمســي" هناك ثلاثة مقـاطع أيضـا, شـفرة النسيان وشفرة حبة الخردل وشفرة الخسران, ولو الغيت هذه العنوانـات والتقطيع لما تغير أيما شـيء فـي بنية القصة, في حين أسهمت قصـة تالية لهـذه القـصـة مـباشرة بـ (شفرة العاصفة) ولو ضممناهـا الى الشفرات الثلاث لما بات هنـاك افتراق واختلاف لوقوعـهـا تـحـت سـطوة الانـهمار الشعري دون الاكتراث بمتطلبات السرد القصصـي.

والمرأة هي الشخصية المحوريـة والرئيسـة فـي جميـع قصـص المجموعة بيد أنها امرأة ممسـوخة مجـردة مـن كيانـها الإنســاني ومشاغلها الحياتية، وهـي ليسـت أكثر من أنثى جامحة مموهـة بين طيات الكلمات بلا ملامح بلا اسـم بلا مهنة وبلا عائلـة, وهـي عـادة متزوجـة بـلا زوج, مـهجورة مستوحشة وأحيانا هــي أرملـة، تلاشى زوجها في دخان الحـرب أو مسافر في الغـروب الكبـير ص 10

والرجل أيضا مجرد رجل ذكر غـائب تنـعته بـ (الرجل) فقـط مثلمـا تنعت نساءها بـ "المـرأة" (المرأة وحدهـا, المـرأة الشاشات, ترتجف يد المـرأة, المـرأة تعد القـهوة، تسـدل المـرأة خوفـها) مـن قصـة (جيـاد فـي الليل)

وتفتتح قصصها هكذا (يتكشـف عالم المرأة) قصـة "حمـامـة فـي الـظهيرة" و (تشحذ المرأة ذاكرتـها) قصة "شفرات" وبالمقابل تفتح قصـة (ما لم يقله الرواة) بطلـها رجـل شغوف بشـهرزاد بـ (مشـاغل الرجل الآسرة) .. أي أنهم وأنهن بلا أسماء .. فقط ثمة (المرأة) ووثمة (الرجل) دون ملامح ومعالم وسحنات.

ومما يلفت النظـر حقا أن جميـع القصـص مكتوبـة بضمير الغائب, باستثناء قصة (أخف من الملائكة) التـي كتبـت بضمـير الحاضر المتكلم, والتي خلت من التزويقـات والتـهويمات, بل حفلـت بديناميكيـة سردية عالية, لتخلق بالتالي قصـة رائعة, تمتاز بكل مقومـات الجـودة والبراعة والاتقان، وجاءت قصـة (ما لم يقله الرواة) بذات المستوى من الجودة والجمال والادهاش, إلا إن قصة (رغـوة الغـرف الذابلة) تعد حسب قنـاعتي الشخصية, مـن أجمل وأروع القصص التي تنـاولت اشكالية (الرغبة - الجسد) بحـس إنساني مرهف, وتقنية فنية عاليـة, لتقف بمصـاف روائـع القصـص العالمية.

واتسمت معظـم القصـص برؤى فنطازية لتهشم صلابة الواقع, ولتمازج بينه وبين مديات المخيلـة, ولتنسج لنـا حكاياتـها الخلابـة الآسرة.

وأخيرا أتمنى أن لا يفـهـم مـن ملاحظاتي آنفة الذكر, إنني أحـاول أن اقلل من أهمية هذه المجموعـة القصصية, بقدر مـا أحـاول أن أشخص الجانب الزخرفي الإنشـائي فيها, والذي رهل بعض النصـوص، دون أن يضيئها، وهـذا مـا لـم يشخصه النقاد (الذكوريون الكذابون المتملقون) أبدا, بل عدوه فتحا مبينـا, وقد أكون مخطئا وغير دقيق في ما رحت اليـه، وللكاتبـة لطفيـة الدليمي تحياتي متمنياً لها مزيداً ًمن النجاح والديمومة في الإبداع.
...
جريدة الثورة 29 / 12 / 1999








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حسن أبو الروس بلوك غريب في ختام مهرجان القاهرة السينمائى


.. إطلالة الراقصة دينا في ختام مهرجان القاهرة السينمائى


.. أسماء جلال تتألق بفستان أحمر في ختام مهرجان القاهرة السينمائ




.. الرأى الشرعى فى أزمة رشوان توفيق وابنته.. هل خالف الفنان الق


.. إطلالة هنا شيحة في حفل ختام مهرجان القاهرة السينمائى