الحوار المتمدن - موبايل


طلاب جامعة السليمانية يكشفون عورة نظام سياسي آيل للسقوط

آلان م نوري
(Alan M Noory)

2021 / 11 / 25
مواضيع وابحاث سياسية


اندلعت منذ 21 من الشهر الجاري حركة احتجاجية هائلة في مدنية السليمانية -إقليم كردستان العراق، بدأت بقطع طلاب جامعة السليمانية الحكومية الطريق الرئيس الذي يربط المدنية بباقي أنحاء الإقليم و العراق. و أدى التدخل العنيف و غير المبرر من قبل القوى الأمنية إلى توسيع دائرة الحركة الاحتجاجية و شمولها قطاعات واسعة من شباب السليمانية و مدن و قصبات الإقليم، بضمنها العاصمة اربيل. و لازالت هذه الاحتجاجات مستمرة و في توسع إلى حين كتابة هذا المقال.

شرارة هذه الحركة الاحتجاجية كانت المطالبة بإعادة مخصصات الإعانة الشهرية التي كانت حكومة الإقليم تصرفها إلى نهاية عام 2014، و المتمثلة بمبلغ لا يتجاوز الـ 70 دولارا شهريا للطالب الذي يدرس بعيدا عن مسكن أهله، و 20 دولارا للطالب الذي يدرس في مدينته! و كانت حكومة الإقليم قد ألغت هذه المعونة في إطار إجراءاتها التقشفية بسبب ازمتها المالية التي استفحلت مع توقف الحكومة المركزية عن صرف رواتب موظفي الدولة في الإقليم في إطار الصراع بين اربيل و بغداد، بشأن عقود قطاع النفط و الغاز التي أبرمتها حكومة الإقليم مع شركات نفط و غاز أجنبية بشكل أحادي و عدم إعتراف الحكومة المركزية بهذه العقود.

و سبقت هذه الاحتجاجات حملة احتجاج أخرى ترافقت مع إعلان نتائج القبول المركزي في وزارة التعليم العالي في الإقليم الشهر الماضي. و التي خيبت آمال الكثير من الطلاب و عائلاتهم نتيجة حجب المزيد من مقاعد التعليم الحكومي المجاني و عرضها للبيع في نظام سمي بالتعليم الموازي لطلاب لا تؤهلهم نتائجهم في الإمتحان الوزاري الحصول على تلك المقاعد! كانت وزارة التعليم العالي قد دشنت هذا النظام بالتزامن مع قطع مخصصات الطلبة في نفس عام 2014 و لنفس الأسباب سالفة الذكر.

جدير بالذكر أن الدستور العراقي يضمن لكل المواطنين الحق بالتعليم الحكومي المجاني في كل مراحل التعليم و لا توجد فقرة في قانون وزارة التعليم العالي لإقليم كردستان تسمح للوزارة بعرض مقاغد خصها الدستور بالتعليم المجاني للبيع! و أن الوزير الذي دشن هذا النظام هو قانوني كان يفترض به أن يدرك ذلك. و الأدهى من هذا كله هو أن هذه القرارات الوزارية المعتدية على صلاحيات السلطة التشريعية، مرت مرور الكرام على برلمان الإقليم كل هذه السنين. أما السبب في ذلك فهو أن البرلمان في منظومة الإقليم السياسية (و حالها في ذلك حال المنظومة السياسية العراقية عامة) هو ليس إلا غنيمة من غنائم الدولة التي تم تقسيمها بين القوى السائدة في النظام السياسي من اجل تأمين معاش الأهل و الأحباب و "كوادر" قادة "الأحزاب" و الميليشيات المتسيدة و منحة لكسب تحالفات عشائرية و مصيدة لشراء ذمم القوى و الشخصيات المعارضة.

و سجل برلمان إقليم كردستان حافل بالتقصير المخل في أداء الواجبات التشريعية، خصوصا في قضايا مصيرية مثل رسم الإطار القانوني لما سمي بـ "السياسة النفطية المستقلة لإقليم كردستان"، أو ما سمي بـ "استفتاء استقلال الإقليم"، أو حتى في تقرير عمق إجراءات التقشف في الإنفاق الحكومي و تقرير من في المجتمع يتحمل أعباء التقشف و كيف...الخ. فأغلب عقود النفط الأساسية في الإقليم كانت قد وُقّعت و دخلت حيز التنفيذ ثم تقدمت السلطة التنفيذية بقانون وزارة الموارد الطبيعية ليعطي هذه الوزارة "حق" ترتيب و توقيع هذه العقود و بأثر رجعي! أما الإستفتاء على الإستقلال بنتائجه الكارثية، فكان قد تم التحضير له و الأمر بإجرائه من قبل رئيس الإقليم (و الأمر برمته كان من الصلاحيات الحصرية للبرلمان) و لم يشرك البرلمان إلا في الساعات الأخيرة و بـ"بيان" يبصم به على الإجراءات بعد اتخاذها. و رغم قسوة الأجراءات التقشفية و افتقادها إلى أي سند قانوني، فإن مصدر اقرارها و تثبيتها كان و لا يزال السلطة التنفيذية بدون الرجوع، حتى لاحقا إلى البرلمان لـ"مسحها بالزيت المقدس من كهنته"!

يتحسر المواطن العادي في إقليم كردستان منذ قرابة 30 عاما (كما هو الحال في العراق منذ حوالي 20 عاما) من نهج القوى المتسلطة في فرض تسمين القوى المسماة بـ"الأمنية" على حساب إهمال ابسط الخدمات الحكومية في كافة قطاعات الحياة الإقتصادية و الأجتماعية في البلد. دون أن ينتج ذلك أي امن أو كرامة للمواطن العادي. فالقوات الأمنية في العراق التي لا يتجاوز عدد منتسبيها المليون و نصف (جيشا و قوات وزارة الداخلية و الحشد و البيشمركة و فضائييهم جميعا) و تستولي منذ 20 سنة على معدل 8% من مجموع الدخل القومي السنوي (و ليس من الإنفاق الحكومي فحسب) و هذا يزيد بثلاثة أضعاف و نصف عن المعدل السنوي لنسبة الإنفاق على الأمن من الدخل القومي في العالم! اما التربية و التعليم و التعليم العالي و البحث العلمي, مجتمعين، فلا تتجاوز معدل حصتهم من الدخل القومي العراقي الـ 3%. علما أن عدد العاملين في هذه القطاعات مجتمعة، يتجاوز عشرة أضعاف العاملين في القطاع الأمني في العراق. و بمقارنة إنفاق العراق بالدول الأفقر في الشرق الأوسط و شمال افريقا، فإن نسبة انفاقنا على قطاعات التربية و التعليم و البحث العلمي إلى دخلنا القومي هي حوالي ثلثي ما تنفق افقر هذه البلدان! فلا عجب أن العراق قد استبعد مع عدد قليل من اتعس بلدان العالم من الترتيب الدولي لمؤشر دافوس لنوعية التعليم في العالم هذه السنة لإفتقادنا للشروط الأولية للدخول في اسفل القائمة.

و الطامة الكبرى أن هنالك مؤسسات دولية تمتلك سطوة اقتصادية هائلة ونفوذ ايديولوجي أكثر هولا على توجهات الطبقة السياسية الحاكمة في العراق و إقليم كردستان، لا تعير اهتماما لإنتهاك ابسط آليات الديمقراطية، و تعتبر هذه الإجراءات التقشفية في تقليص الإنفاق الحكومي على حساب معاش افقر الفئات الإجتماعية في العراق و الإقليم، تعتبرها من سمات الشجاعة السياسية و الحوكمة الرشيدة لهذه الطبقة التي تعتاش على هذا الدعم الدولي المشبوه.

الخطر الأكبر لهذا النهج السياسي في استفراد السلطة التنفيذية و قططها الأمنية السمان بتقرير كل مفردات و آليات القرار بشأن النشاط الاقتصادي للدولة، هو اثره التراكمي في إخراج اغلب هذه القرارات من حيز الحوار الوطني الكلي إلى جزيئات متشظية من القرارات الإدارية تنفذ بإنتقائية تُفقد القانون و سيادته أي معنى عملي.

رضوخ المواطن العادي الذي يشهد هذا القتل بألف جرح صغير و الآتي اليه بشكل يومي من السلطة التنفيذية هو ما ترمي اليه هذه الطبقة السياسية الحاكمة، و هنا بالذات تكمن أهمية هذا الحراك الشعبي الطلابي المطلبي؛ فبدلا من السكون إلى أمل الخلاص الفردي بالتسلق على سلم العلاقة الزبائنية مع اساطين السلطة السياسية، رفع الطلاب سلاح العمل الجماعي الرافض لهذه الزبائنية المقيتة.

بناتنا و ابنائنا الطلبة يواجهون، قبل قنابل الدخان و القمع الوحشي، جهازا حزبيا يدير الجامعات الحكومية بعقلية أمنية ورثتها عن عهد الطاغية صدام حسين. تتجسس على الطلبة و ترفع الدرجات العلمية للكادر التدريسي و الأداري للجامعات حسب الولاء الحزبي. الطلبة يرفضون الرضوخ لهذه المؤسسة التي وقفت متفرجة على انتهاك القوى الأمنية لحرم جامعة السليمانية و لازالت تتوعد الطلبة بالويل و الثبور و عظائم الأمور، إن لم يرتدعوا.

المجتمع الكردستاني (و العراقي عموما)، مطالب بحماية بناتنا و أبنائنا الطلبة و (اهم من ذلك) التعلم منهم: الخلاص الفردي عبر الزبائنية لا ينتج سوى طحن آمال المجتمع بأسره في حياة حرة كريمة و يفرط بمستقبل الأجيال القادمة...و بئسا لهكذا خلاص!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إسرائيل..رئيس الموساد يزور واشنطن للتنسيق بشأن نووي إيران |


.. حزام النار.. منطقة البراكين في المحيط | #غرفة_الأخبار


.. اليمن..استمرار المواجهات بين الحوثيين والجيش اليمني في مناطق




.. بعد زيادة بإصابات كورونا وتخوف من متحور أوميكرون.. الكمامة إ


.. الوجود العسكري الأميركي في العراق.. حقائق وأرقام