الحوار المتمدن - موبايل


لماذا تتدهور الليرة التركية

محمود عباس

2021 / 11 / 25
مواضيع وابحاث سياسية


العملة، جزء صغير من الاقتصاد النقدي، تدرج ضمن شبكة عنكبوتية اقتصادية معقدة، من النقد بأنواعه إلى البضائع بكل أوجهها إلى العلاقات الاقتصادية بكل أشكالها. فتراجع سعر صرف العملة التركية، المرتبطة بالدولار واليورو، أو انهيارها فيما لو أستمرت، ستخلق إرهاصات على كلية الاقتصاد، ومطبات في البعد السياسي أمام مسيرة حزب العدالة والتنمية، قد تقضي على هيمنتها، وتحول تركيا من دولة شبه ديمقراطية إلى شبه دكتاتورية، كما هي عليها إيران، خاصة فيما إذا بلغت مرحلة عدم إمكانية الحد من التضخم.
في المرحلة الحالية، قد يكون تأثيرها على الاقتصاد العام للدولة ضعيفا؛ مع أصرار أردوغان؛ تخفيض سعر الفائدة، تحت نظرية المفهوم الاقتصادي المرجح على أنه سيزيد من الاستثمارات ونمو الاقتصاد، ودعم التصدير، وبالتالي زيادة الطلب على العملة الوطنية، ولكن ديمومة التراجع في عملتها بدأ تؤدي إلى بروز تناقضات ما بين سعر السوق أي التضخم وبين التطور الاقتصادي السنوي. وهنا تكمن وجهي التناقض ما بين الشعب الذي يهمه الحاضر الجاري، وحكومة أردوغان الذي يركز على التطور الاقتصادي للحفاظ على مكانة تركيا كدولة اقتصادية كبرى وبالتالي قادم الشعب التركي.
يستند أردوغان، على العلاقة الطردية بين سعر الفائدة والتضخم، على أن أسعار عملات الدول الكبرى، ومن بينها تركيا، المتطورة اقتصاديا، لن تتأثر بحركة المراكز المالية العالمية، أو الضغوطات الدولية، أو الحصار الاقتصادي، بل ستكون تحت هيمنة السياسة الاقتصادية، الداخلية والخارجية، علماً أن خلفيات انهيار الليرة التركية متشعبة (تعتبر حالة عالمية نادرة بسبب مركزها الاقتصادي العالمي) اقتصاديا: مرتبطة بالعلاقات التجارية، والاتفاقيات الرأسمالية العالمية القصيرة والطويلة الأجل، بعكس انهيار الليرة السورية والتي هي نتيجة الحرب، وغياب العملة الصعبة والتي كانت تدعم من قبل إيران على مدى السنوات السابقة، المنقطعة على خلفية تضييق الحصار الاقتصادي الأمريكي عليهما. أو اللبنانية المتأثرة بالعملية السياسية، والتخطيط الاقتصادي المتحكم به قوى إقليمية، وتأثرها بحالة الحرب في سوريا. فحل إشكالية الحالتين السورية واللبنانية ليست بتلك التعقيدات التي تجتاح الأسواق التركية. وسياسيا: على خلفية صراعها مع الدول الكبرى وخلق بؤر ساخنة في المنطقة، وعرض ذاتها ليس فقط كمنافس، بل صاحبة الحلول لقضايا الدول التي تتعرض فيها مصالح أمريكا وروسيا وأوروبا للخطر، إلى جانب تطويف العالم السني الراديكالي في المنطقة.
ما يجري في الاقتصاد التركي هي نتاج مرحلة زمنية قصيرة الأجل مقارنة بالدورات الاقتصادية العالمية والمراحل المعقدة، خاصة بعدما أدرجتها الدول الكبرى ضمن الدول العشرين في العالم، وارتبطت بعدها بشكل متين بالاقتصاد العالمي، والأسواق الدولية، وحركة التجارة العالمية والتضخم في الأسواق العالمية، الناتج عن جائحة كورونا، وتجميد الشركات الرأسمالية العالمية لعقودها الطويلة الأجل، التي ساهمت سابقا في رفع سقف الدخل الوطني التركي، لخلفيات سياسية، منها: تقديم تركيا كدولة إسلامية ليبرالية، المنهجية التي تخلى عنها أردوغان بعدما رسخ مكانة تركيا بين مجموعة الدول العشرين، لينحرف نحو العالم الراديكالي، بل ودعمتها في الواقع العملي، وهو ما أيقظ العالم الرأسمالي لمواجهته، وتنبيهه على الركيزة التي نهض عليها، وكيف بإمكانهم الحد من تجاوزاته.
تركيا وعلى مدى عقد من الزمن ما بين عامي 2006-2016 كانت تتلقى ما بين 250 إلى 400 مليار دولار من السيولة وبالعملة الصعبة، بلغت قرابة 75% من أجمالي الدخل الوطني، أي كانت تصل في بعض السنوات إلى قرابة 300% من الموجود في الداخل، وهو ما رفع من مكانة أردوغان وحزبه، وحافظ على استمراريته في القدرة على تشكيل الحكومة لمرات متتالية دون مشاركة الأحزاب الأخرى في البرلمان، بل ومكنه من تغيير بنود في الدستور التركي.
المساعدات الخارجية، وحسب تقارير BIS cross-border figures قدمتها معظم الدول الكبرى في العالم، فعلى سبيل المثال، أقرضتها البنوك الإسبانية قرابة 84 مليار دولار، والفرنسية قرابة 39 مليار دولار، والإيطالية قرابة 17 مليار دولار، واليابانية 14 مليار دولار، وبعض البريطانية أكثر من 19 مليار دولار، وبعض الأمريكية تجاوزت 18 مليار دولار، والألمانية وغيرها من الدول الأوروبية وهنا لا نتحدث عن قروض وعقود الشركات المالية الأمريكية والتي لا يتم التصريح عنها، وتكررت على مدى سنوات، إلى درجة أن هذا الدعم الضخم أدت إلى تأثر بنوك تلك الدول بتدهور الليرة التركية، وعلى أثرها خسرت شركات القطاع المالي مثل UniCredit و BNP Paribas و BBV وغيرها، قرابة 3% من سعر أسهمها في الشهور الأولى من تدهور الليرة، رغم أن سعر الفائدة كانت قرابة 18% حينها وكانت مربحة لتلك البنوك، أي عندما أرتفع الدولار إلى سوية الخمس ليرات، والتي كانت في الواقع نتيجة تحجيم قروضها، ورفع سقف سعر الفائدة على تركيا وشركاتها، وعدم تجديد العقود القديمة، تحت ضغط دولها، والتي تؤثر بدورها على تراجع سعر صرف عملتها.
علما أن تلك المساعدات في السنوات الأولى من حكم أردوغان، أنقذت اقتصاد تركيا المتهالك، ونقلتها من دولة مديونة إلى الدولة 18 عالميا، ومن مستوى الدخل الوطني الذي كان يتراوح على حدود 280- 300 مليار دولار سنويا في السنوات الأخيرة من القرن المنصرم، وقبل أستلام أردوغان السلطة، إلى قرابة 850 مليار دولار عام 2019م، على أمل أن تتجاوز سويات التريليون دولار في عام 2030م، ومن عجز في الميزانية بلغت في نفس المرحلة قرابة 20% إلى دولة تنافس الدول الكبرى في تصدير بعض الأنواع من الأسلحة، والتي ستستمر لسنوات قليلة قادمة قبل أن تتراجع وبقوة، بغض النظر عن التناسي لمسيرة التضخم الذي يهدم سعر العملة الوطنية والمتأثر بدوره بتخفيض سعر الفائدة، وبالتالي قد يبلغ قريبا سويات التأثير على الاقتصاد العام. فمثلما أنقذت تلك المساعدات ليرتها التي كانت الدولار تعادل مليون ليرة تركية، إلى سوية الليرتين حتى قبل سنتين، تحاول اليوم أن تعيدها إلى مستنقعها الماضي.
سياسة تركيا الحالية ومحاولاتها الخروج إلى العالم الخارجي التجاري والرأسمالي كدولة عظمى، كانت تستند بشكل رئيس على تلك المساعدات وعقود الشركات الرأسمالية العالمية، والعقود الطويلة الأجل فعملية تراجعها بطيئة وستأخذ وقتا، لربما تتمكن حكومة أردوغان من إنقاذها، بعلاقات دولية جديدة، كما فعلتها مع روسيا، وربما مستقبلا مع الصين، والدول المتحدثة بالتركية، ودول أفريقية، وما يتم الأن بين تركيا والإمارات العربية كخطوة لإنقاذ الاقتصاد قبل إيقاف التضخم، وتجميد سعر الليرة، يقال على أن المبادرة إماراتية من باب تقديم الخدمات ومساعدة الدول الإسلامية، لكن في الواقع هو طلب تركي واضح. وقد تمكن أردوغان حتى الأن من إيجاد جزء من البدائل، فقد حصلت على 6 مليار دولار من الصين، و15 مليار دولار من قطر، و2 مليار دولار كوريا الجنوبية، وعشر مليار دولار من الإمارات العربية، أي ما مجموعه 33 مليار دولار لكنها دون نسبة 15% مما كانت تحصل عليه من علاقاتها السابقة، وتأثيراتها دون مستوى إيقاف انهيار العملة المتأثرة في بعضه بتوقف المساعدات الأولى، لكنها قد تساهم في تهدئة رهاب المجتمع التركي. كما وأن الحفاظ على الاقتصاد الداخلي، أو عدم انهيارها، ستظل متأثرة أيضا بمدى ديمومة المساعدات الخارجية المذكورة سابقاً.
ما يطمح إليه أردوغان، في عمليته (حرب الاستقلال الاقتصادي) ليس فقط التخلص من إملاءات الدول الداعمة، بل مواجهة الشركات الرأسمالية العالمية والتي بدأت توقف دعمها، ولا تجدد العقود، وتجمد التمويل، وما يجري في تركيا هي ردة فعل على الحرب المعلنة. أما ما يبتغيه من التخفيض المستمر لسعر الفائدة، هي لأجل الحفاظ على ديمومة التطور الاقتصادي، وعدم انهيار الشركات الوطنية، واستمرارية الاتفاقيات التجارية الطويلة الأمد وخاصة عقود التصدير، وتعويض ما ستخسره مع تلك الشركات بإحلال العديد من المخططات الاقتصادية والاستثمارات المتنوعة. وهي عمليات معقدة متشابكة ما بين الشركات الكبرى المؤثرة على الاقتصاد الوطني، والبنك المركزي، والتي نتائجها السلبية أو الإيجابية سريعة الظهور بالنسبة للمستهلك والشارع التركي، بعكس الأولى والتي تحتاج إلى سنوات.
فتخفيض سعر الفائدة، والذي وصفه بعض المحللين الاقتصاديين بأنه خطأ سياسي خطير، والذي رد عليهم أردوغان وبقوة، مدافعا عن خطته، في مؤتمر صحفي يوم الإثنين الماضي، قائلا "أن تشديد السياسة النقدية
لن يخفض التضخم" وأضاف بعدها بيوم " أرفض السياسات التي تؤدي إلى انكماش بلادنا وتضعفها وتحكم على شعبنا بالبطالة والجوع والفقر" وفي الواقع ومن البعد الاقتصادي، ربما يحق لها قول ذلك، لأن رفع سعر الفائدة تعتبر كارثية للشركات الوطنية أو الدولية المتعاملة مع الشركات التركية، علما أنها مشجعة للعامة لأنها مربحة للادخار المالي، وخاصة عندما تكون بالعملة الصعبة في المرحلة الحالية.
ولكن ما يحدث في الفترة الأخيرة وحيث تلاطم السوق، المؤدية إلى تفاقم حالة عدم الثقة بين المواطنين، رغم أن دعم البنك المركزي للبنوك الوطنية، والشركات الرأسمالية ساندت الاقتصاد بعدم الهبوط أو الانهيار، وهو ما أدى حتى الأن الحفاظ على نسبة الزيادة السنوية للاقتصاد بقرابة 2%، كما يقال، علما أن اقتصاديات معظم الدول العالمية بعد جائحة كورونا كانت ولا تزال في تراجع، باستثناء الصين المدعية على أن نسبة التطور تقترب من الـ 4% في الوقت التي كانت تتجاوز 12% على مدى أكثر من عقدين من الزمن وهي حالة نادرة في العالم، بدأتها الهند في العقد الأخير.
ويؤمل أردوغان من تخفيض نسبة الفائدة، ويصر على الأكثر، رغم المعارضة الشديدة، والتحليلات المتناقضة، التقليل من نسبة البطالة، والحفاظ على تزايد التطور الاقتصادي السنوي، مركزا استثمار الأموال المقدمة من البنوك بشكل مناسب ضمن الوطن، على حساب المستهلك اليومي.
علما أن التخفيض يخلق تناقضا ما بين المستثمر والبنك، بعكس الرأسمالي المستفيد، منها، والخاسر نسبة عالية من أرباحه لحساب البنوك القارضة، في كل عملية رفع لسعر الفائدة، والتي كانت قد بلغت قبل سنة تقريبا 20%، وعليه قام البنك المركزي وبضغط من أردوغان، بتخفيض النسبة ولعدة مرات، إلى أن بلغت 15% في الخميس الماضي، علما أنها أقل من نسبة التضخم في الأسعار والمقدرة بـ 20% لذلك يعمل على تخفيضها ثانية (المستوى المقبول للتضخم السنوي في الدول المستقرة يتراوح عادة بين 2-3%). وكمقارنة بما يجري في الولايات المتحدة الأمريكية وحيث نسبة التضخم في الوقت الحالي قرابة 6 % مع ذلك قامت إدارة بايدن بعملية دعم قدرت بترليون ونصف التريليون دولار، منها للحد من التضخم، كما وخفض البنك المركزي سعر الفائدة من 1 % في أذار الماضي إلى 0% ومن ثم أعادتها إلى قرابة النصف % يتوقع أن ترتفع إلى أقل من 1% في السنة القادمة، فهي كدولة ذات نظام إمبريالي تدرج في منهجيتها دعم الشركات كدعم للمواطنين، لا شك أن البنوك تضيف نسبة على قروضها كأرباح، فتصل في الحالة المديونية الجيدة إلى قرابة 4 % في أصول المباني أو المركبات، وإلى قرابة 7 % للقروض الكبرى، وهذه لا علاقة لها بأسعار الفائدة للبطاقات الائتمانية، التي يستخدمها المواطنون، والمتعلقة بمديونية الفرد، والمتأرجحة ما بين صفر لمدة سنة إلى 23% وهذه نادرة، المعدل الوسطي قرابة 7%.
تواجه تركيا اليوم أزمة بوجهين، آنية وبعيدة المدى، الأولى تؤثر بشكل مباشر على الشارع التركي، وحركة الاستيراد، وعليه لا نستبعد أن يتصاعد نهوض الشعب ضد حكومة أردوغان، تستفيد منها المعارضة، وذلك على خلفية انهيار العملة الكارثي، والتضخم المرعب في أسعار السوق، وكساد المنتوجات الاستهلاكية، وفي تراجع قطاع المباني والمنشآت. والثانية، فيما لو لم يتمكن حكومة أردوغان من إنقاذها بخطط اقتصادية-سياسية، قد تؤثر على مكانة تركيا في العالم الاقتصادي ومركزها بين الدول العشرين الأولى في العالم، وبالتالي قد تتضرر تجارتها الخارجية، وتتراجع صادراتها، أي عمليا ستتجه تركيا اقتصاديا نحو نفق مظلم، وسياسيا قد تنتقل إلى أبعاد الدكتاتورية أو بداية نهاية حزب العدالة والتنمية.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
[email protected]
23/11/2021م

ملاحظة:
للمزيد من الاطلاع، يمكن مراجعة مقالاتنا (هل ستفتت تركيا كالإمبراطورية العثمانية- جزأين 2018م) (أردوغان تدهور بين السياسة والاقتصاد.... من صَنَعَ أردوغان)








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قمة حول تطوير التعليم بدول الساحل الإفريقي| #النافذة_المغارب


.. محكمة سبها تعيد سيف القذافي للسباق الرئاسي| #النافذة_المغارب


.. مصر..-نوة قاسم- اضطراب جوي يضرب الإسكندرية سنويا| #مراسلو_سك




.. نووي إيران..بليز ميستال: طهران دخلت مفاوضات فيينا بهدف رفع ا


.. نووي إيران.. تبادل الاتهامات بين واشنطن وطهران| #غرفة_الأخبا