الحوار المتمدن - موبايل


جسر اللَّوْز 21

علي دريوسي

2021 / 11 / 26
الادب والفن


كانت طليقتي مخلوقاً لا يشبه النساء، كانت كائناً خرافياً.
تعرفت إليها، أقصد إلى رهان، وهذا كان اسمها، عن طريق منير، صديق مشترك، شاب في بداية عقده الرابع، قامة قصيرة، تساوى فيها نصفها السفلي مع نصفها العلوي، رأسه كبير وجبينه عريض، شعره خفيف راح يميل إلى التساقط تدريجياً ليبدو منير وكأنه سيصبح أجلح الرأس قريباً، شفتاه رقيقتان وأنفه غليظ، لون بشرته الأصفر يوحي بأنه مصاب بمرض ما رغم بدنه المكتنز الذي يدلل على تمتعه بصحة جيدة، تَعَوَّدَ منير على تعليق حقيبة ظهر جلدية على كتفيه، فيها كتبه وأوراق بحثه، كانت لغته الألمانية آخذة بالتحسن، الشيء الذي لم يكن عائقاً أمامه بالتعرُّف على من يرغب من الناس، كان حظه جيداً مع النساء، يعيش مع صديقته الألمانية في غرفته الطلابية، رغم ذلك كان في رحلة بحث دائمة عن المرأة.
قبل عام من تعرُّفي على رهان حدث أن جمعني منير أيضاً مع صبية أخرى واسمها مها. في البدء اعتقدت أن الأمر بريء دون تخطيط مسبق. كان الآدمي منشغل بي حقاً ويرغب في تزويجي من بنت حلال. وهذا الأمر ليس مستغرباً في الشرق العربي لكن نتيجته تبوء حتماً وغالباً بالفشل. للموضوع حساسيته المرعبة. لا يمكن لرجل أن ينصح رجلاً بالزواج من إمرأة ما. الأمر فعلاً مستهجن! وقعت ذات مرة في هذا الخطأ الشنيع. لدي صديق أحترمه جداً. قلت له ذات يوم، في حضرة قريب له: "ما رأيك لو تتعرف على الصديقة فلانة؟"، وكانت فلانة هذه إنسانة متعلمة جداً وأخلاقية جداً. وقبل أن يبادر صديقي بالإجابة تأتأ قريبه العازب بحقد وغيرة وغباء: "ولماذا تطرحها عليه للزواج؟ هل سبق لك أن جربتها ولم تعجبك!؟" يومها خجلت جداً مما حدث، تمنيت لو تنشق الأرض لتبتلعني، في الوقت ذاته شعرت برغبة قوية لأبصق بوجه المعلّق، الشيء الذي لم يحدث طبعاً.
بالمناسبة، تذكرت الآن شيئاً كنت قد تناسيته! أخبرتني إيمان بأنها قد تعرّفت إلى ماهر، زوجها الأول، عن طريق خطيبها. فهمت من كلامها أن خطيبها كان قد اتفق مع ماهر على الاستفراد بها في إحدى الشاليهات البحرية. كانت قد اختلفت معه حد الانفصال بسبب تهربه من فكرة الزواج ولا من مكان يجلسان فيه براحتيهما دون أن تلتهمهما نظرات ذئاب المدينة. حينها عرض عليها زيارة الشاليه التي استأجرها ماهر مؤقتاً بالقرب من ورشة البناء التي يعمل بها. وأضاف: "هناك لدينا الوقت والحرية للنقاش والحب، إما أن ننفصل أو نكمل المشوار سوية". وكان الأمر وذهبت معه إيمان طواعية. قالت إيمان: "آن وصلنا جحظت عينا ماهر انبهاراً بي. بعد مضي حوالي الساعة ونحن نحتسي النبيذ الأحمر الجاف أبدى ماهر إعجابه الشديد بشخصيتي، فأجابه خطيبي بمودة: "لك ما ترغب، أنا لا أفصل عنك شيئاً كما تعرفني". لحظتها أحسست بالإهانة من جهة وبالنشوة من جهة أخرى. تغلبت الإهانة على النشوة فتركت الجلسة وخرجت من الشاليه. لحق بي خطيبي. ولكي أكون أكثر صدقاً في حديثي تمنيت لو لحق بي ماهر لا خطيبي. قلت له هذه هي آخر مرة نلتقي بها، وكنت أعني ما أقول، ثمة شرارة غريبة المنشأ جذبتني إلى زورق ومجاديف ماهر، لكن خطيبي اعتذر مني، أقسم أنه لم يقصد ما قاله ولا يرضى أن يتقاسمني أحد معه، لعب بعقلي ووعدني بالزواج وشهر العسل والسفر، وحين طلبت منه ضمانة الوعد، وعدني أن نلتقي في اليوم التالي أمام مدخل الجامعة كي نذهب سوية إلى أهلي لنتناقش بشكل جماعي بطلبات الزواج وتجهيزات العرس. لكنه لم يأت في الموعد المحدد، لم يأت أبداً، سافر خطيبي للدراسة في جامعة كييف، عاصمة أوكرانيا. سافر ولم أراه منذ ذلك اليوم، سافر تاركاً إياي تلعب بي أيادي القدر."
كان يوم جمعة كما أذكر، أنهيتُ عملي في المعهد وتوجَّهتُ إلى شقتي الصغيرة، في الطريق التقيتُ صديقي منير، تصافحنا وتمازحنا، ودون تمهيد أو إنذار قال لي: سأعرِّفك اليوم على صبية جميلة تعيش وحدها وتحتاج بالتأكيد إلى مساعدتك بين الحين والآخر. ثم أضاف بشكلٍ مُبَاغِتٍ دون مقدمات: ما هي أخبار جارتك الحلوة سوزاني؟
ضحكتُ وقلت: وأين هو شريط الفيديو الذي صورته لنا في الحديقة الكبيرة!؟ لعلّك استخدمته كشريط بورنو، أرجو ألا تفعل ذلك وأن ترسله لي قريباً.
"سأحكي لكم لاحقاً عن صديقتي سوزاني. لن أنسى ذلك. وأنتم أعزائي لا تنسوا ـ حين تقرأون عنها ـ السياق الذي ذكّرني بها."
وبينما نحن نتحدث مُتمشّين وصلنا إلى واحدة من البنايات الطلابية العالية، مضى الوقت بسرعة فقد أخذنا الكلام والنكتة، رأيت منير يتحدث مع شخص على المجيب الآلي، انفتح باب البناية، دخلنا، فاتني أن أنظر إلى رقم البناية أو رقم الطابق أو رقم الغرفة، لم أكن في الحقيقة متحمساً للقاء أي شخص، كنت أفضل الذهاب مع منير لأشرب كأساً من البيرة ونتكلم في أمور شتى على أن أذهب للقاء شخص لم أعرفه من قبل، ثم ما السبب الذي يدفعه ليصحبني معه وهو المعروف عنه بسلوكه السريّ الغامض في علاقاته بالآخرين، وهذا حقه طبعاً، تكلمتُ مع نفسي "سيكون اللقاء حتماً مثيراً سلباً أو إيجاباً، إلحق البوم يدلك إلى الخراب!" وصل المصعد، كنا في الطابق العاشر كما أعتقد، وقفنا أمام باب من الأبواب الكثيرة المتشابهة المتواجدة في الممر الطويل، رن منير جرس الغرفة، فُتح الباب، خرجت صبية، صدرت عنها موجة كهرومغناطيسية، التقت مع موجة انبثقت من جسدي كله في الوقت نفسه، عيناها قالتا لي شيئاً، ارتبكتْ وارتبكتُ، دعتنا للدخول، عرّفها منير عليّ. قال: أحضرت معي صديقي أحمد، سيساعدك في الدراسة إذا احتجت لسؤال ما.
ردّت مها: أهلاً وسهلاً بكما، في الحقيقة اِعتقدت للوهلة الأولى أنه ألماني!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حسن أبو الروس بلوك غريب في ختام مهرجان القاهرة السينمائى


.. إطلالة الراقصة دينا في ختام مهرجان القاهرة السينمائى


.. أسماء جلال تتألق بفستان أحمر في ختام مهرجان القاهرة السينمائ




.. الرأى الشرعى فى أزمة رشوان توفيق وابنته.. هل خالف الفنان الق


.. إطلالة هنا شيحة في حفل ختام مهرجان القاهرة السينمائى