الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الرومانسي الأخير

ضيا اسكندر

2021 / 12 / 7
الادب والفن


بعد إلحاحٍ مرير ومشقّة عظيمة، وافقتْ أخيراً على تناول وجبة الغداء معه في المطعم. فهي روائية معروفة في الوسط الثقافي، وتتمتع بقسطٍ وافرٍ من الجمال، والكثير من أنصارها ومعارفها معجبون بها ويتلهفون لحضورها ومجالستها.
مئات البروفات أجراها على سيناريو اللقاء المرتقب؛ ما هي الثياب التي ينبغي عليه ارتداءها؟ كيف سيرحّب بها؟ ما هي أحلى عبارات الحفاوة التي يمكن أن يتفوّه بها؟ كيف سيحتفل بقدومها؟ هل يؤدي حركات راقصة كبعض ذكور الطيور لحظة اقترابه من أنثاه؟ أم يلقي على مسمعها أجمل ما دوّنته في أعمالها الروائية من فقرات والتي حفظ مقاطع منها عن ظهر قلب؟ تُرى، هل سيكون هذا اللقاء فاتحة لقاءاتٍ أخرى بعد أن لمست شغفه الجنوني بها؟.. وغيرها من الأسئلة التي طيّرت النوم من مقلتيه يومين متتاليين.
قُبَيل الموعد المُسمّى بساعة، جلس متوتراً على كرسيّه في المطعم منتظراً، يفتح قارورة مياه «دريكيش» ويزدرد جرعة جديدة، بين الحين والآخر. آملاً أن يكون لذلك تأثيرات مهدّئة. دون أن يزيح عينيه عن باب المطعم مترصّداً طلّتها. خشية أن يفوته مشهد مجيئها وهي في أبهى حلّة على جري عادتها لدى حضورها الفعاليات الثقافية في المحافظة.
وأخيراً وصلت متأخرةً عن الموعد خمس دقائق. خالها خمسين سنة. وما كاد يلمحها حتى دَهَمَه شعورٌ عارمٌ بالغبطة والمسرّة. واشتعل في داخله لهيب الاضطراب لحظة دخولها، لدرجة شعر بتخلخل الفراغ، وجعل يبلع ريقه في حيرةٍ وارتباك؛ وقف مرتعداً متلعثماً وصافحها بنظرةٍ جائعة. فهو ما زال غير مصدّق بأن الحبيبة تجلس قبالته على بعد مترٍ واحدٍ. بعد أن استبسل لأشهرٍ بإجراء عشرات المكالمات الهاتفية معها، وفرش عواطفه الصادقة راجياً متوسّلاً أن تتقبّل مشاعره ولو أنها من طرفٍ واحد. حتى ظفر بلقائها.
لم يستطع تذوّق لقمة واحدة وهو يرنو إليها؛ يتأمّل وجهها، عينيها، حركة شفاهها. يترقّب كل كلمة منها بخشوع المتديّنين. وقد طار من دماغه جميع ما أعدّه من قول. فهي محدِّثة بارعة تستولي على الأسماع. لم تترك له مجالاً حتى للتعقيب المقتضب. ولدى فراغها من وجبتها حانت منها التفاتة متحرّية على طبقه، وجدته على حاله. دعكت ذقنها، هرشت شعرها، هزّت رأسها، تطلّعت إليه بابتسامة معاتبة، ضحكت.. ضربته برفق على يده اليسرى، وأسرعت إلى غرز شوكتها في آخر قطعة لحمٍ من صحنها وقدّمتها له. تلألأت عيناه ببريق البهجة وسارع إلى تلقّفها. وبعد أن أودعها في فمه، تذكّر أن الشوكة سبق ولامست شفتَيّ محبوبته. توقّف عن مضغ لقمته لحظات وعلى فمه طيف ابتسامة هنيئة، وبمهارة لصّ محترف أخفى الشوكة في جيبه خلسةً، ليقبّلها في خلوته كلما لاح في سماء مخيّلته ذكرى هذا اللقاء.
لدى ذهابها إلى الحمّام لتغسل يديها، تفرّس بالمنديل الورقي على الطاولة الذي سبق واستخدمته، وسرعان ما التقطه ودسَّه في جيبه ليشمَّ عبيرها ويعانق رائحتها الأنثوية الأخّاذة قبل النوم ويهنأ بالأحلام السعيدة.
عند المساء، بادرت بالاتصال به خلافاً للمألوف. فقد جرت العادة أن يكون هو المبادر دائماً. كان الموبايل على مقربة منه وهو يقوم بغسل بعض الأواني في المطبخ. لمح اسمها على الشاشة فأشرق وجهه بنورٍ طافحٍ بالشوق، ووثب كالملسوع بانتباهٍ حادّ وقد انتابته نوبات من الوجد المشبوب، واندفع باتجاه الموبايل محفّزاً جميع حواسه لسماع صوتها. معتبراً مبادرتها بالاتصال إشارة إلى منعطفٍ جديد في علاقتها معه وردَّ ملهوفاً:
- ألو! أهلا حياتي..
سألته ونظرة دلال تمرح في عينيها:
- ماذا تعمل؟
أجاب بصوت كاد أن يخنقه التهدّج:
- دعيني أولاً أتوهّم أنكِ اشتقتِ إليّ!
- لك كامل الحرية أن تتوهّم ما شئت.
- أقوم بجلي بعض الأواني بيدي اليمنى!
انقبض وجهها وعضَّت على زاوية شفتها العليا وهي تسأل مدهوشةً:
- ولماذا فقط باليمنى!؟
تنهّد وفتح شفتيه نصف فتحة وتلكّأ في الردّ، ثم عاد فأطبقهما من جديد. مسح العرق الراشح من جبهته بظاهر كفه وأجاب بعد لحظة صمت بصوتٍ راعشٍ:
- لأن يدي اليسرى لامست أصابعك ظهيرة اليوم، ويستحيل عليّ أن أغسلها وأزيح عنها أريج لمستك يا روحي..
وضعت راحتها على فمها من الدهشة وهي تبتسم بسعادة وعبّرت تقاطيع وجهها عن حبورٍ مباغتٍ، وتساءلت في سرّها: «يا إلهي! هل يعقل وجود مثل هذا العاشق بهذه الرومانسية في هذا العصر؟! إنه جدير حقاً بعلاقة تساعدني على إتمام روايتي».
قالت له وقد وطّنت النيّة على إشعاره بأن ثمّة صفحة جديدة ستجمعهما معاً:
- الحقيقة أنني أتصل معك لأشكرك مجدّداً على دعوتك الكريمة، على أمل اللقاء قريباً إذا كانت لديك الرغبة، أم أن الهوى قد تبدّد بعد لقاء اليوم؟
أجابها بصوتٍ شجيٍّ وقد دغدغت قلبه لسعات الهيام:
- تبدّد الهوى؟! أعوذ بالله يا عيوني! صدّقيني أنني ما زلت ثملاً من السعادة حتى هذه اللحظة..
وإمعاناً في إغوائه سألته بنبرةٍ آسرةٍ ليس أحلى منها ولا أعذب، مشفوعة بأكبر قدرٍ من الغنج وُفِّقتُ إليه:
- وإلامَ ستبقى جذوة العاطفة متقدة هكذا؟!
بهدوء من وصل إلى حالة النشوة الصوفية أجاب:
- إلى أن يطفئني الموت.
افترَّ ثغرها عن ابتسامة رضيّة، وأغلقت موبايلها وتركته في دوّامة من انفعالات السعادة والأشواق، وانكبَّت من جديد على أوراقها تستأنف كتابة روايتها الجديدة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فنان يشارك يومياته مع اضطراب -الحبسة الكلامية- على -تيك توك-


.. نجلاء بدر: محضرتش لشخصيتى كممثلة في -روليت- وصورت الفنانة كب




.. فصل من عمله بسبب انتقاده للسلطة الفلسطينية.. تضامن مع كاريكا


.. عمرو سعد: إنتاج فيلم عن عادل إمام من أهم مشروعاتى المقبلة




.. -المؤتمر الاقتصادى- فيلم تسجيلى يرصد مراحل نجاح وتطور اقتصاد