الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الجبناء رواية جديرة بالقراءة

كامل عباس

2022 / 1 / 3
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات


رواية الجبناء
تأليف جوزيف شكفوريسكي
ترجمة حسين العودت
مراجعة عيسى عصفور
تصميم الغلاف ماري كلود صقر
قادني حظي العاثر الى السجن المدني في اللاذقية في عام 2012 بسبب مساندتي للثورة السورية , بعد صدور الحكم بحقي نُقِلت من قاووش مغلق الى قاووش مفتوح - عملا بتعليمات المحكة - أغلب نزلائه سجناء جنائيين وبينهم قلة مثلي سجناء سياسيين ومع أننا جميعا في السجن بعرف الدولة مجرمين , الا أنّ ادارته كانت تعتبر أمثالي من السياسيين أخطر على المجتمع من بقية المجرمين ولذلك حرمتني من سرير هو حق طبيعي للسجين في المهاجع المفتوحة وشلحتني خلف باب المهجع مع بطانيات مملوءة بالقمل والنمل أيضا . لم يكن المهجع المفتوح أفضل من المهجع المغلق بالنسبة لما يحتاجه السجين , لكنّ مكسبه الحقيقي لي كان الزيارة التي أصبحت حق لي والتنفس وهو أكثر من خمسة ساعات وفي باحة كبيرة مفتوحة للهواء والشمس والسماء . المكسب الثالث هو اكتشافي لمكتبة السجن وما فيها من كتب مهملة تقريبا , سارعت الى المكتبة وقعت عيناي على قسم الروايات وفيه روايات عديدة لكن أغلبها لايحتوي سوى عدد قليل من الصفحات باستثناء رواية شبه تالفة تمّزق غلافها لكنني اخترتها لأنها أكبر نعمة للسجين هي ومثيلاتها كي ينسى الزمن داخل السجن , خرجت مشكلة جديدة لي وهي عدم قدرتي على القراءة فيها في القاووش لأنني احتاج لنظاراتي الطبية ,أما في ضوء الشمس فمن الممكن القراءة فيها وهكذا بدأت فيها في فترات التنفس .
توقعت أن تكون الرواية مثل رواية الفولاذ سقيناه لكن أسلوبها وبناءها الدرامي وعنصر التشويق فيها شدّني اليها بقوة وهو ما أُنشده الآن منها كي تجعلني أسافر على الورق وأصبح خارج جدران السجن ,غدا ستأتي زوجتي الى زيارتي سأحاول اقناعها بالمرور لعند القاضي علّه يوافق عله إعطائها اذن خطي في ارسال نظارتي الطبية عن طريق طبابة السجن وهذا ما تّم بعد يومين من الزيارة فقد أصبحت قادرا عل القراءة فيها ليلا ونهارا . أنهيت الرواية بثلاثة أيام بعد استلامي النظارة , لقد كانت مدهشة لي بشكلها وبمضمونها ايضا .
بطل الرواية انسان عادي وليس رفيقا متحمسا للمبادئ والنضال كما توهمت , يهوى الموسيقى ويحب النساء والحياة ولا يحلم بالعظمة , كل ما يتمناه في حياته أن تتاح له فرصة عيشها على طريقته , وفي الرواية صور أدبية جميلة وذات مغذى انساني عميق, وهذه هي احدى الصور .
البطل مع أترابه وهم يتبارون بواسطة تبولهم على الحيطان , من يستطيع أن يدفع ببوله لكي يصل الى اعلى الحيط يربح المباراة . الطريف ان احد المتبارين رسم شجرة نخيل على الحيط ببوله بدلا من أن يضع جهوده لجعله يصل الى اعلاه ويربح الجائزة , اما ولع البطل بالنساء فقد وُفِق الكاتب جدا في اظهاره للقّراء, كان البطل الصغير السن يهوى معاشرة الفتيات وكل فتاة عنده تصلح لأن تكون موضوعا للحب والجنس معا . وفي معرض حديثه عن مغامرات البطل الغرامية ذكر لنا ولعه بحبيبة صديقه التي رفضت مغازلته فهي تعبد محبوبها وحده ولذلك تمنى من الله أن يقتل حبيبها في الحرب ربما تفكر به بعد ذلك .
لم تتحدث الرواية عن الدول المتحاربة ولا عن الاشتراكية وميزاتها التي تفوق الرأسمالية بكثير كما تصوّرت في البداية , بل عن فظائع الحرب الدائرة ومآسيها على البشر بشكل عام, الحرب أحالت جسد امرأة الدكتور شفاك الى غربال , تلك المرأة التي يكبرها زوجها بخمس وعشرين عاما , لكنها أسرت قلب أصدقائها وجيرانها بإخلاصها لزوجها وبمحبتها للجميع والتي لم تؤذي احدا في حياتها , وقد ماتت وهي تنزف دما بعدما اصيبت بشظية طائشة على الطريق العام . رصدت لنا الرواية مآسي مزارعين وفلاحين وموظفين الى جانب جنود تركوا عائلاتهم والتحقوا بالحرب رغما عنهم .
الرواية تنتمي بجدارة الى مدرسة الواقعية النقدية في الأدب وليس الى مدرسة الواقعية الاشتراكية بمسحتها التفاؤلية وبطلها الايجابي وحتميتها التاريخية على طريقة مكسيم غوركي وروايته المشهورة (الأم ).
تثير الرواية علامة استفهام كبيرة حول البعد الانساني لتطور الجنس البشري ولماذا انتصر فيه من يصنع أسلحة لكي تغذي الحروب بين الدول ? لماذا كل الاختراعات التي اخترعها عقل الانسان من البارود وحتى تفجير الطاقة من نواة الذرة تمّ تجييره لخدمة الأقوياء والأغنياء في المجتمع على حساب الطبقات الفقيرة وهي التي تنتج لهم السلع , أما اختراعاتهم فقد انتجت لنا وما زالت كل انواع أسلحة الدمار الشامل مثل الأفخاخ التي تزرع لصيد الانسان في الحروب كما تُصطاد الحيوانات ,الى القنابل العنقودية التي تتناثر شظاياها لتقتل أمثال امرأة الدكتور شفاك , اما ما يصرف على القنابل البكتريولوجية والنووية والكيميائية والنترونية فلو انه صّرِف على تنمية اجتماعية عريضة لما ظّل جائع على وجه الأرض .
الرواية أحالتني غصباً عني الى واقعنا الحالي الذي كنت أحاول الهروب منه لكي ترتاح أعصابي , بدأت أتساءل بيني وبن نفسي ما الذي يمنعهم على الأقل من تطبيق ما اتفقوا عليه في ما سُمي حقوق الانسان وميثاقه العالمي بالنسبة لحماية المدنيين من القصف العشوائي الذي أحال جسد امرأة الدكتور في الرواية الى غربال ؟؟!!. ان الحرب الدائرة في سوريا أكبر دليل على ذلك وهي لا تختلف أبدا عن الحروب السابقة وعلى راسها الحرب العالمية الثانية .
حرب في سوريا وعلى سوريا من أجل تقاسم جديد لعصب الطاقة وموارد الشرق الأوسط بين روسيا وايران والصين من جهة وبين أمريكا والغرب من جهة أخرى , والشعب السوري يدفع الثمن أما المدنيون الذين يسقطون كل يوم على الأراضي السورية فلا أحد مهتم بهم وكل المبادرات الدولية حتى الآن لم تكن سوى ستارا يخفي قتل اولئك المدنيين ريثما ترجح الكفة لصالح هذه الجهة او تلك أما حماية المدنيين في الحروب فليست سوى كذبة كبيرة لذر الرماد في العيون اخترعتها الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية ,
ترى متى يستفيق العالم ومؤسساته فيفكرون جديا باتجاه حماية المدنيين من القصف , بدلا من المناورات في مجلس الأمن من اجل اقتسام النفوذ في المنطقة؟؟!!
متى يصحو ضمير العالم ليضع حدا لمأساة المدنيين في سوريا
السجن المدني في اللاذقية مساء 13 /12/ 2012 السجين كامل عباس








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. العراق.. الصدر والإطار يحشدون أنصارهم لدعم الإصلاح كل حسب و


.. ترامب: لا أعارض نشر مذكرة تفتيش منزلي | #رادار


.. ترامب: اقتحام منزلي كان أمرا -غير مرخص وغير ضروري-




.. الانسداد السياسي في العراق..وسط دعوات للابتعاد عن العنف والح


.. تشاووش أوغلو: الطريق الوحيد للخروج من الأزمة السورية هو التص