الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


يحيى ويحيى

أكرم شلغين

2022 / 1 / 5
الادب والفن


عُرِف عن الشاب "يحيى" ميوله للكرب وبأنه يهوى سماع أحاديث الشجن وسردها، ينصت لأصوات الغم وتستهويه ولا يعرف سبب ولعه بها! وفي عزفه على آلة الكمان يبث الأحزان التي تحاكي هموم كل لدى من يسمعه فتبدو آلته تحكي الحزن أيضا؛ كان كمن يسعى ليركّب قصة حزينة لنفسه. ذات يوم، مر أمام باب امرأة عجوز وجهها ملأته التجاعيد ونبت الشعر به عند الذقن وفوق طرفي الفم وقد انحنى ظهرها قليلاً، حيّاها فردت وهي تحدق به وكأنها تسترجع شيئاً وترغب بالكلام. توقف وسألها عن صحتها فأجابت بأنها ليست على ما يرام فأوجاع الظهر والمفاصل نالت منها ولكنها ستقاوم العجز والألم، ثم دعته ليدخل بيتها لأنها تريد أن تحدثه بشيء يتعلق فيه، دخل بيتها وهناك دار بينهما حديث طويل أخبرته فيه عن سر يتعلق به، قالت إن والدته التي لا يعرف عنها شيئاً ماتت وكذلك والده عندما لم يكن يبلغ من العمر إلا ما يزيد عن العام بقليل وقد كانا في طريق عودتهما من المدينة حين تعرضا لحادث أنهى حياتيهما على الفور؛ ثم تابعت تخبره بأنه ليس الابن الوحيد لوالديه فقد ولد مع شقيقه التوأم الذي اختفى من القرية، فبعد موت والديهما تقاسمت عائلتان في القرية الطفلين، ولكن العائلة الأخرى التي تبنت شقيقه رحلت ولم يُعرف لها أثراً! حكت له العجوز كيف كان الجميع في القرية يحبونهما منذ ولادتهما وكيف أن شقيقه التوأم يشبهه لدرجة التطابق فلو وضعت الطفلين بجانب بعضهما لبانا وكأنهما واحداً يقبع أمام مرآة، إنهما متشابهان في كل شيء، استمع للعجوز حتى النهاية وسألها عدة مرات عن العائلة التي تبنت شقيقه وأين رحلت ولكنها لم تعرف أي شيء إضافي غير ما ذكرته، سألها عن اسم أخيه لكنها لم تعد تذكر كل ما عرفته أنهما نفس الشكل ومتشابهان لدرجة يصعب معها تمييز واحد منهما عن الآخر. خرج يحيى من بيت العجوز التي جاء حديثها مثل إضرام النار بقلبه. لم يعد يعرف الهدوء ولا الراحة وازداد حزنه وقرر أن يبحث عن شقيقه الذي اختفى وأصبح همه وشغله الشاغل كيف سيعثر على أخيه التوأم!
بدأت رحلته في القرى القريبة من تلك التي يعيش فيها، فكان كلما دخل قرية طرق أبواب بيوتها واحداً تلو الآخر، يحكي قصته ثم يعيدها ويعيدها لكل من يمر به متسائلاً إن كان لديهم ما يفيدون به من خبر أو معرفة أو على دراية به ولكنه لم يوفق في أن يسمع ما ينتظر سماعه ولم يعرف طريقاً لمن يبحث عنه، كانوا يسألونه عن اسمه فيقول أنا يحيى ونتطابق في تشابهنا.
قرر أن يبتعد في تجواله وبحثه فراح يجوب ويجول ويمشي نهاراً ويسكن ليلاً ولم يترك مكاناً استطاع أن يصل إليه في البلد إلا وذهب إليه متسائلاً. كابد الكثير ورافقته الأوهام ومواجع الروح أكثر كلما ابتعد. كانت الأحزان بداخله تفتش عن مخرج تقول عبره وبالصوت العالي عن معاناته، لكنها انتظمت على شكل أشعار راح يحيى يلحنها ويغنيها حزيناً لكل الناس الذين يمر بهم. أحبته الناس وتعاطفت معه وتضرعت في سرها أن يحصل على ما ومن يريد في بحثه ومعاناته ولكن بحثه بقي لا يلوي على شيء. وكلما ابتعد أكثر كلما ازدادت معاناته وعذاباته النفسية والجسدية أكثر.
بمزيج من الحزن والكآبة والتعب مقابل التصميم والأمل راح يحيى يخرج شكوى روحه شعرا كان يلحنه وينشده للناس. وهكذا غدت أشعاره هي الأجمل لأنها نابعة من القلب وتحكي قصته ومعاناته وذاع صيته في كل مكان فقد أصبح الناس يتجمعون حوله يصغون إليه ويستمتعون بموسيقاه وبأغانيه التي تعبر عن عمق وصدق أحاسيسه؛ كانت تتحد شجونه وموسيقاه لتصدر تحفاً فنية تأسر قلوب من يستمع إليها...بل وصار من الصعب على من يكون بحضرة موسيقا وأناشيد يحيى أن يميز أيهما يشده ليحيى أكثر عزفه أم شجونه وأحزانه...! لم تهدأ نفس يحيى راح يجوب كل البلدان القريبة في الشمال والجنوب والشرق والغرب وكانت المشاهد تتكرر وجهده يضيع سدى ولكنه كان يشد الناس إليه أو بالأدق ينفذ لقلوبهم عبر ما يسمعون من أغان وألحان فيطلبون المزيد فيلبي طلباتهم ولكن قلبه لم يهدأ وتفكيره لم يحيد عن أخيه يحيى الآخر.
ذات يوم قرر أن دائرة بحثه يجب أن تتوسع ولهذا ارتأى أن إفريقيا يجي أن تكون منطقته التالية فكثير من العوائل قيل إنها رحلت لإفريقيا بحثا عن عمل لم تجده بمكان آخر ولأن الأفارق طيبون وقلوبهم دافئة...وهكذا رحل يحيى إلى إفريقيا علّه يعثر على من يبحث عنه هناك...! وفعل....فقد بدأ رحلته في جنوب إفريقيا وراح يغني ويعزف، تداخلت أحاسيس مستمعيه فقد أنصتوا للموسيقا الجميلة وبكوا مع الأغاني التي تحكي الحب والحرمان، وتنشد ملهمة مشاعر اللهفة ونار الفقدان...تنقل في أماكن عديدة من إفريقيا ولم يعثر على من جاء في رحلة البحث عنه...لقد أدرك يحيى أن الناس يبكون مآسيهم المتنوعة مثل يبكون مأساته ولكنهم لا يستطيعون المساعدة...! بينما كان في إحدى الغابات جاءته فكرة أن حيوانات الغابة ربما تستطيع فك اللغز وتعرّفه بمكان أخيه...فتوغل أكثر في الغابة وراح يعزف ويغني...اجتمعت حيوانات وطيور الغابة وانتشوا وسكروا بصوته وعزفه وقصصه...وهم على هذا الحال جاء الأسد من بعيد مسرعا وانقض على يحيى فمزقه وراح يأكل لحمه...! وقفت بقية الحيوانات تتفرج واكتفت بتبادل الكلام فيما بينها: "إن الأسد أصم ولم يسمعه...! لم يسمع عزفه ولم يسمع أغانيه ولم يعرف كمّ المعاناة فيها!"








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الممثل الباكستاني إحسان خان يدعم فلسطين بفعالية للأزياء


.. كلمة أخيرة - سامي مغاوري يروي ذكرياته وبداياته الفنية | اللق




.. -مندوب الليل-..حياة الليل في الرياض كما لم تظهر من قبل على ش


.. -إيقاعات الحرية-.. احتفال عالمي بموسيقى الجاز




.. موسيقى الجاز.. جسر لنشر السلام وتقريب الثقافات بين الشعوب